بهاء سلطان
0

كثيرون كان كل طموحهم أن يحظوا بجلسة أنس مع بهاء سلطان أو حتى على الأقل أن يحضروا له أي حفلة في أي مكان.

وكثير من المطربين كان واحدا من أمانيهم أن يغنوا مع بهاء سلطان، مثلما قالوا في تصريحاتهم التي احتوى عليها الفيديو الذي قام بتجميعه أحد الشباب وانتشر بشكل فيروسي على شبكات التواصل ااجتماعي، ليدلل على حب الناس لبهاء سلطان وافتقادهم له. واحد من أولئك المطربين كان مصطفى كامل، والذي قال في برنامج “لسة هنغني” أن صوت بهاء سلطان كان جديرا بأن يدرس لكل من يريد أن يدخل في طريق الغناء الشعبي. يصفق الجمهور تحية لبهاء سلطان، بينما  يسأل المذيع مستنكرا غيابه عن الساحة : نقول عليه كسول؟!

ويمكننا أن ننوع على سؤال مذيع برنامج “لسة هنغني” ونتسائل عن بهاء سلطان: نقول عليه كسول أم خجول؟

أقرأ أيضًا: أفضل أغاني السلطانة “الطيبة والجدعة”.. شيرين عبد الوهاب

بهاء سلطان والبداية من كافتيريا الكلية

في منتصف التسعينات كان بهاء سلطان طالبا في كلية التربية الموسيقية، لكن الكلية لم تكن كما حلم بها ورسمها في خياله، فهو كان يعتقد أن الكلية كلها غناء ورقص وتعرف على الآلالات الموسيقية بكل أنواعها، إلا أنه صدم بحقيقة الدراسة الأكاديمية المملة.

تلك الصدمة جعلته شخصا منطويا دائما في كافيتريا الكلية، يجلس مع بعض الأصدقاء، يمارسون العزف وترديد الأغنيات التي يحبونها، بحثا عن البراح الموسيقي الذي لم يجدوه، حتى أعجبت بصوته إحدى زميلاته، والتي كانت قريبة  للمغني حسام حسني والذي كان وقتها ألمع مغني على الساحة. عرضت الزميلة على بهاء سلطان أن يشارك في كورال حسام حسني، وبالفعل قبل بهاء الدعوة، وذهب إلى حسام حسني في شركة “فري ميوزيك”، ومن أول مرة أعجب حسام حسني بصوت بهاء سلطان، وقدمه إلى نصر محروس.

لو كان لبهاء سلطان لحظات فارقة في حياته، فبالتأكيد سيكون على رأسها لحظة تقديمه لنصر محروس وتعرفهما على بعضهما.

أغنية احلف بداية النجاح

نصر محروس هو صاحب شركة “فري ميوزيك”، وواحد من أشطر وأنجح صناع الأغنية في الوطن العربي، بالإضافة لكونه كاتب غنائي وملحن ومخرج فيديو كليب أحيانا. تلك الخلطة المهنية الكبيرة زينها نصر محروس بالبرستيج وخلق شخصية إدارية لفرض رأيه ومهابته على من يعملون معه، أو حتى زملاؤه في الوسط الغنائي، حتى بات في لحظة ما هو صانع النجوم ومكتشف المواهب.

يحكي بهاء سلطان عن لحظة تعرفه على نصر محروس. يقول يهاء أنهما تكلما مرة في الهاتف، وتأثر بهاء من تلك المكالمة حتى اعتقد أن نصر محروس هو رجل أعمال كبير السن ومتعدد المجالات، لكنه فوجيء بالحقيقة أن نصر أكبر منه بسنتين فقط في العمر. يقول بهاء أن نصر ضحك عليه جدا لأنه إنسان بسيط. يواصل بهاء سلطان الحكي عن نفسه، يقول أنه كان خجولا جدا في تلك الفترة، حتى انه كان يذهب إلى الشركة، فيجلس في الصالة يتابع التلفاز ولا يشنغل بالدخول في أي مناقشات، أو حتى تعريف نفسه للمطربين والملحنين الموجودين، حتى يحتاجونه هم فينادون عليه. ذلك الخجل قوبل بشخصية قوية ومتحكمة من نصر محروس، فاستمر بهاء يغني في الكورال خلف مطربي الشركة حتى ظهر لأول مرة بأغنية “احلف” في ألبوم “فري ميكس 1” عام 1998.

بقليل من البحث على يوتيوب ستكتشف أن بهاء سلطان كما اختفى من ساحة الغناء، فإنه شبه مختفٍ من ساحة البرامج الحوارية ولقاءات النجوم. ففي الوقت التي يظهر فيها بعض المطربين والممثلين كل يوم في استضافة برنامج حواري كل يوم تقريبا، فإن بهاء سلطان لم يظهر سوى في ثلاث حلقات حوارية تقريبا  في مسيرته كلها، واحدة مع أصالة في برنامجها “مع صولا” الذي كان يعرض في فترة 2010- 2011، واثنتين مع  إسعاد يونس في برنامجها  “صاحبة السعادة” مرة في 2017 والأخرى في 2019.

السمة الأعم في الثلاث الحلقات هي انبهار المحاورين بصوت بهاء سلطان واستغرابهم من غيابهم عن الساحة، وغرق بهاء سلطان في خجله، حتى أنه مع إسعاد يونس ظل يتعرق ويمسح وجهه أكثر من مرة ثم يتسائل مازحا “هو أنا هقعد أترعش كده؟”.

بهاء سلطان بين الهدوء والخجل

مع أصالة ظهر بهاء سلطان بعد اختفاء شبه ثلاث سنوات تقريبا، وكان بعد إصدار ألبومه الخامس “ومالنا”. كان بهاء يمر بأزمة نفسية صعبة إثر وفاة والدته وبعدها أخوه الأكبر إثر صراع كبير مع المرض. كان وزنه زائدا جدا حتى أنه شكله تغير عن الشاب الوسيم الذي ظهر في مطلع الألفية، وعندما سألته أصالة كيف يعيش، قال بهاء أنه يعيش وحيدا، لأن الجميع توفى وهو الآن “لوحده”. لاحضت أصالة أنه لا يشترك معهم في الحديث فحاولت اجتذابه وجره من مساحة خجله، فحكى بهاء عن نفسه أنه لا يحب الدخول في النقاشات، وأنه يحب العيش بهدوء، لا يحب افتعال المشاكل ولا حتى الإجتماعيات، حتى أنه عقد مقارنة بينه وبين صديقه المطرب أحمد سعد –الذي كان حاضرا الحلقة أيضا- لإثبات اختلافهما الشديد في نقطة الإجتماعيات تلك. لكن أصالة فاجئته بجملة ستكون نبوءة حياته فيما بعد، عندما قالت له أنه عندما يتزوج وينجب فإن الاولاد سيجبرونه على عقد إجتماعيات ومشاكل أيضا.

أقرأ أيضًا: بهاء سلطان ونصر محروس.. خلاف ومبادرة وصلح مشروط

ألبومات بهاء سلطان ومن النجاح الساطع إلى الاختفاء

يبدو أن الخجل كان ملازما لبهاء سلطان  طول حياته، إلا أنه لم يؤثر عليه في بداية مشواره الفني، بل يمكن أن يكون قد استفاد من ذلك الخجل بشكل كبير عندما بدأ وانصاع لنصر محروس في تشكيل بداية مسيرته الفنية.  ففي أواخر التسعينات بدأت فري ميوزيك تفقد كثيرا من نجومها لصالح شركات الإنتاج العربية، مثلما ذهب محمد فؤاد إلى روتانا، عندها وجد نصر محروس نفسه أمام أمر واقع وهو أن يصنع نجوما جددا كما صنع القدامى.

عرض نصر محروس على بهاء عدة أغان لم تكتمل، لكنها كانت في طور أن تكون ألبوما كاملا، لم يصدق بهاء الفرصة التي قفزت في حجره للتو ووافق فورا. يحكي بهاء عن ألبومه الأول ويقول أن نصر محروس أخبره أنه لم يعد أمامه سوى التجريب به، وفي تلك الفترة كان مصطفى كامل معجبا جدا بصوت بهاء ويراهن عليه بكل ما يملك، فتم التعاون سريعا، ليخرج بهاء بألومه الأول “يا اللي ماشي” سنة  1999 ليكون قنبلة السنة وحصانها الرابح. يحكي بهاء أن ترتيب الأغاني في الشريط كان برؤية نصر محروس، وأن بهاء اعترض على كلمات بعض الأغاني بسبب إحساسه أنها تصلح لصوت أنثوي أكثر، لكن نصر رد عليه قائلا “ياعم غني هو انت لاقي؟”.

من الألبوم الأول ظهر بكل وضوح أن صوت بهاء سلطان هو صوت عبقري ومختلف جدا في مساحة الغناء الشعبي، إلا أنه لا يمكن إنكار دور مصطفى كامل في نجاح الألبوم الأول لبهاء بالتأليف والتلحين والتوجيه أيضا. ذلك التعاون الذي كان ناجحا جدا سيستمر في الألبوم الثاني “3 دقايق” عام 2001، ليستمر نجم بهاء سلطان في الصعود بشكل لا يمكن توقعه ولا حتى إيقافه.

ثم  بعدها بعامين فقط  يعود بهاء سلطان بألبومه الثالث “قوم أقف” بدون أي مشاركة من مصطفى كامل تقريبا، واستناد كبير على تامر حسني الذي بدأ يظهر في تلك الفترة بقوة، ينجح الألبوم مثل سابقيه ليثبت بهاء سلطان أن صوته هو الرهان الاكبر في المعادلة. ي

غيب بهاء غيبة غير متوقعة لمدة ثلاث سنوات ليعود عام 2006 بألبومه الرابع “كان زمان”، الألبوم الذي لم يحقق النجاح المتوقع منه، ليغيب بهاء سلطان بعده غيبة طويلة جدا حتى عام 2011 عندما عاد بألبومه “ومالنا” الذي تقبله الجمهور بشكل هيستيري، حتى أن بهاء سلطان كان المطرب المصري الأكثر بحثا عنه على جوجل في ذلك العالم. عندها توقع الجميع أنها ستكون لحظة الميلاد الثانية لبعاء سلطان، لكنه دخل في غياب تام يستمر حتى اليوم.

في لقائه مع إسعاد يونس حكى بهاء عن الفترة الأولى التي غاب فيها بعد ألبومه الرابع “قوم أقف”. وقتها كان بهاء سلطان في عز توهجه وصعوده، يفرض نفسه على الساحة، ويصدر ألبوما كل سنتين تقريبا، حتى لو أنه لو استمر بذلك المعدل لكان أصدر حتى الآن عشرة أو ثلاثة شعر ألبوما بدلا من خمسة.

لكنه في العام 2007 دخل في أزمة نفسية مريرة بسبب مرض والدته وتدهور صحتها، ثم تدهور صحة أخيه الأكبر أيضا. وجد بهاء نفسه مهددا بفقد الشخصين الأقرب إليه، فزاد ذلك من حزنه وانطوائيته فابتعد كثيرا عن العمل وعن التردد على مقر الشركة وتسجيل أي أغاني جديدة، برغم محاولات أصدقائه لإخراجه من تلك الحالة بإعطائه بعض الاغاني، أو حتى غناء دويتو معه كما فعلت شيرين، إلا أن حزنه وانطوائيته سيطرا على حياته تماما، انزوى بهاء بعيدا، مكتفيا بنفسه، كأن الخجل الذي ترعرع بداخله نمى حتى صار كرها للحياة.

لكنه تمسك بنقطة ضوء صغيرة جدا عندما تحسنت صحة والدته قليلا، فرمى نفسه في قلب العمل، وسجل ألبومه “ومالنا” واضعا فيه كل طاقته ومحبته، حتى خرج الألبوم بكل تلك البراعة والنجاح، وريثما بدأ يخرج من حزنه ويتنشق النجاح والأمل مجددا، حتى حدث أكثر ما كان يرعبه، فقد والدته، ثم أخيه الأكبر.

بعد وفاة والدته وأخيه الأكبر، يمكن أن تكون اللحظة الأهم في حياة بهاء سلطان هي زواجه وإنجابه.

سنة 2013 تزوج بهاء سلطان من فتاة من خارج الوسط الفني تماما، وقد يكون الملفت أنه لم يحضر حفل  الزفاف أي من المطربين أو الفنانين إطلاقا سوى الفنان الراحل خليل مرسي.

بعد عامين فقط من الزواج سينجب بهاء سلطان ابنتيه التوأم كاندي وكادي، لتشكل تلك نقطة التحول الكبرى في حياة بهاء سلطان، كأن الطفل الخجول كبر فجأة، ولتحقق نبؤة أصالة التي قالتها له منذ سنوات.

يحكي بهاء سلطان عن حياته التي تغيرت بالزواج وبإنجابه البنتين، عن التفكير الدائم في مستقبلهما وطريقة تربيتهما وأنهما ملآ عليه الحياة بعدما عاشها كلها وحيدا ومنطويا. يقول بهاء بكل صراحة وبلا مواربة أن إنجاب الفتاتين كان سببا رئيسيا في طريقة تغييره للكلام مع نصر محروس حول طريقة الشغل والتعاقد.

الخلاف مع نصر محروس والتمرد على الخجل

كانت مشكلة بهاء سلطان مع نصر محروس قد ظهرت من عام 2015، عندما انتهى بهاء من تسجيل ألبومه “سيجارة”، لكنه لم يطرح في السوق من وقتها، تلاعبا من نصر محروس أن ينتهي عقد بهاء سلطان الذي ينص على تسجيل ثلاث ألبومات دون تقييد بمدة زمنية محددة.

مع كل تلك المماطلة أحس بهاء أن نصر محروس يضيق عليه الخناق ويتسنزفه، فبدأ يطالب بالرحيل من الشركة، أو إنجاز ألبوماته حتى ينفك من العقد. الشاب الخجول تمرد على خجله بعد عمر طويل من الأسر، بدأ يشعر لوهلة أن الحياة جرت من بين يديه بسبب السكات الطويل وغير المبرر، لكنه لم يستطع الإفلات من نصر محروس.

يقول بهاء بكل صراحة “ماشي معاه على العقد بقالي 17 سنة، جه الوقت اني أغيره”. يحكي بوضوح أن الشغل لا بد أن يكون باتفاق الطرفين، أما حركات الأستاذ والتلميذ تلك فقد ولى زمنها، يقول كل تلك الكلمات بأسى وبرغبة ملحة في محاسبة الماضي وكسر قمقم الخجل الذي انحبس فيه طوال تلك السنوات.

في وسط البرنامج، تحاول إسعاد يونس التخفيف من توتر بهاء وارتعاشه، تأخذه من الكلام عن نصر محروس للكلام عن رأي الجمهور، تسأله هل يخاف من الجمهور أو النقد، يتوتر بهاء قليلا، يقول ” لا طبعا الجمهور أهم حاجة”، يسكت ليمسح عرقه ثم يكمل ” بس أنا رأي الناس دايما بحاول أحافظ عليه”.

0

شاركنا رأيك حول "بهاء سلطان .. سيرة ذاتية للخجل والهدوء"