بسام كوسا
0

سؤالٌ يراودني كلما لمحته عينيّ على الشاشة، من يحتفي بمن؟! أهو من يحتفي بالفن؟ أم الفن هو الذي يحتفي ويتغنى بموهبته؟ يكفي أن يطالعك أي عملٍ فني باسمه، لتعي ما ينتظرك من إمتاعٍ فني حقيقي. هو بسام كوسا بتاريخه العريق. يُنادى في الوسط الفني السوري بالأستاذ، ويطلق عليه جمهوره وكذلك أهل الصحافة والإعلام بجوكر الدراما السورية. كما يلقب بآل باتشينو العرب.

محبة الناس لا تبنى بواسطة عمل أو اثنين، بل يلزمك الكثير من الصدق والإخلاص والعمل الدؤوب لهذه المهنة. وهذا ما آل إليه حالُ مبدعنا. الدراما فرعٌ عريق من أفرع الفنون، تخلق العلاقات الإنسانية وتعبر عنها. فكيف لمن يملك أكثر من فرعٍ في دنيا الفنون. فقد درس الرسم والنحت وروى القصص ومثل وأخرج. دراسته أفادته في مهمته، علمَ كيف يستخدم أدواته لنحت شخصياته الإبداعية. وكيف يستقطب اهتمام الجمهور لمتابعته.

عرف بسام كوسا ماهية استشفاف الأدوار، وبلورتها بواسطة الأداء المتقن. احتاج كل أنواع الإبداع ليفصح عن مكنوناته الإبداعية، وما زال يوجد الكثير ليقصه علينا في مسلسلاته. رغم تصريحه مراراً أنه يقدم أعمالاً عادية أحياناً. فلا يوجد مبدع يحافظ على نفس السوية العالية فيما يقدم، واعتبرها ظاهرة صحية.

هل بسام كوسا هو آل باتشينو العرب؟

بسام كوسا
دائماً ما تتم المقارنة بالغرب، فعندما نريد أن نثني على فخامة موهبة أحد نجومنا العرب، نسارع لتشبيهها بموهبة فنان عالمي له نصيبه الوفير من الشهرة والمحبة في وطننا العربي والعالم. أمثال “آل باتشينو” و”ميريل ستريب“.

الهوس في الغرب يدفع الأغلبية للاعتقاد، أنهم الكمال في كل شيء، والتشبه بهم كمن حصل على منزلة رفيعة الشأن.

تشبيه الناس العربي بسام كوسا للعالمي آل باتشينو، يصب في خانة أن الاثنين يتمتعان بثقل فني وأدائهم الإبداعي في الاشتغال على أدوارهم خولهم اللعب على أكثر من نمط درامي. ما أغنى أرشيفهم بأيقونات تمثيلية يحكى عنها وعن جمالياتها. وأيضاً رغم العمر الفني الطويل يشعر المتلقي معهم أن ما يمتلكانه من موهبة أكثر بكثير مما ظهر على الشاشة.

لي وجهة نظر مختلفة بهذا الخصوص، وربما يتفق بها معي الكثير. لمَ يستوجب علينا هذه المقارنة، أليست ظالمة بحق مبدعينا؟ لا أتكلم عن الفن كصناعة في الغرب والشرق. أتحدث عن الموهبة الفطرية التي يمتلكها الإنسان، بعيداً عن البيئة الفنية المحيطة بها وآلية عملها.

إنهما يتمتعان بموهبة فذة، وربما الحالة الفنية في الغرب أفضل بكثير مما هي عليه في بلادنا، وتحديداً سورية لا مجال للمقارنة. على وجه التحديد، سينمائياً. كما لكل من النجمين خصوصية في تجسيد إحساس الممثل والتعبير عنه بأدوات خاصة شكلت فيما بعد لغة متفردة في التعاطي مع حالاتهم الدرامية. لذلك لا أحبذ لقب آل باتشينو العرب، فكوسا لا يقل مستواه عن آل. أفضل الأستاذ أو جوكر الدراما السورية. رغم رفضه هو بذاته للألقاب.

في البيئة الشامية هو الملك بلا ألقاب

نجح بسام كوسا منذ بدايته بما يسمى أعمال البيئة الشامية، والتي يعتبرها نوعاً درامياً لا ينقل أو يحكي التاريخ الدمشقي، بل نوع فني يقدم حدوتة بقالبٍ شامي. فكان أيام شامية عام 1991 أول أعماله. حفر حضوره جيداً في ذاكرة الجمهور، عبر مسلسلات رسخته بطلاً خيراً حيناً، كالمقاوم والمناضل نصار بن عريبي في الخوالي، وشريراً حيناً بل في أغلب الأوقات كالمخرز في ليالي الصالحية، والإدعشري في باب الحارة، وصبري أفندي في بيت جدي، وأسعد في الحوت، وعاصم بيك في طاحون الشر، وأبو جابر في الغربال، والصائغ مهيوب في سلاسل دهب.

في أدوار الشر تلك تفاوت عنصر الشر بين شخصية وأخرى، بعضها تمتعت بالشر المطلق، وأخرى لم يرغب تجريدها من إنسانيتها كاملة. طرح نفسه بذكاء ماكر لكن محبب.

الرقم الصعب في الكوميديا

اللائحة الإبداعية معه تطول، ولو أردنا تفصيل كل فئة فنية، أو دوراً جسده أمام الشاشة الصغيرة والكبيرة، لن يكفينا مقالاً واحداً أو حتى عشرة، للحديث عنه وإنصاف فنه.

في الكوميديا هو رقمٌ صعب، لا يمكن تجاوزه أو تجاهله. فشخوصياته لها علينا حق. حق الذكر والإشادة. فزارع البسمة لا يمكن أن تنساه الذاكرة، ولو بعد حين.

لا يوجد ذاكرة بمقدورها نسيان حكاياته المتعددة في بقعة ضوء، أو ناظم بك في قانون ولكن، أو أبو وديع الجار المهووس بالتجسس على سكان حارته في حارة ع الهوا، أو حتى الرجل الطيب البخيل الذي يحسب القرش أين صرف في شخصية خليل في ضبوا الشناتي.

العفوية والصدق في التعامل مع تلك الشخصيات، والتقاط أبسط تفاصيلها الحياتية، وتحقيق التقمص الروحي والخارجي لها وراء محبتنا وتعلقنا بها.

الدراما الاجتماعية وأحصنة رابحة

حصة الأسد في مسيرة بسام كوسا الفنية الممتدة من عام 1981، هي للأعمال الاجتماعية. النوع الدرامي الذي يفضله، لأنه يحاكي المجتمع ويتناول قضاياه المتشعبة والمختلفة المتلاحمة مع الناس. كثيرة هي الأدوار التي تصدى لها وتقمصها بحرفية، فسكب بها شيئاً من روحه، فغدت شخصيات ذات كيان ومن لحمٍ ودم. ما رفع مستوى الإبهار. فتناغم معها المشاهد السوري والعربي، لشعوره أنها لامسته ولامست واقعه، وحكت همومه. فكان لسان الشعب بأطيافه المتنوعة، عبر شخوصياتٍ مختلفة.

هو نجيب الموظف العصامي والمكافح في الحياة في الفصول الأربعة، وصالح السكير الحشاش في عصر الجنون، هو أبو عمر الرجل الطيب الذي عصفت به الحياة وزوارها في أحلام كبيرة، هو الفلسطيني ابن العز والأصول والذي يعيش في دمشق في فقرٍ مدقع مع ذكرياته وحنينه لفلسطين في سحابة صيف، أيضاً بدر مريض التوحد في وراء الشمس. وأدوار عديدة متنوعة في خان الحرير، والفراري، وسيرة آل الجلالي، وأبناء القهر، وأحقاد خفية، والانتظار، وزمن العار، ودومينو، وشبابيك، وغيرها.

كانت أدواره بغالبيتها أحصنة رابحة في ميدان الفن، نقلته لمكانة بعيدة عن مصاف النجوم. فهو لا ينافس سوى نفسه.

أقرأ أيضًا: أفضل مسلسلات سورية على الإطلاق

ماذا عن السينما؟

رغم مسيرته التي امتدت على أربعة عقود من الزمن، إلا أن مشاركاته السينمائية تعتبر قليلة. الشح السينمائي في سورية بات أمراً يدركه الجميع، ومعلومة أسبابه. ومنها على سبيل الذكر غياب شركات الإنتاج، والتوجه للإنتاج التلفزيوني بعد النجاح الكبير الذي حققته الدراما. لكن لدى الفنان بسام كوسا عدة تجارب سينمائية ناجحة ومتميزة نال الجوائز والتكريمات عن بعضها. نذكر أهمها ليالي ابن أوى عام 1989، الكومبارس عام 1993، المتبقي 1995، تراب الغرباء ونسيم الروح 1997، وآخرها كان الفيلم اللبناني السوري محبس عام 2017.
يبقى بسام كوسا جوكراً يغرد خارج السرب مهما كثرت السماء بالنجوم، يرى بريقه كل من يقدر الفن ومبدعيه.

أقرأ أيضًا: الروايات الأعلى مبيعاً التي تحولت للأفلام الأكثر مشاهدة، هل عصر التأليف الحر في مصر انتهى؟

 

0

شاركنا رأيك حول "الأستاذ والجوكر وآل باتشينو العرب: هل أنصفت تلك الألقاب موهبة بسام كوسا رغم رفضه لها؟"