ببالي يا فيروز … حتى وإن غنيتي على مسرح The voice !

البوم ببالي
2

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

لستُ من مدمني برنامج “ذا ڤويس” الشهير لاكتشاف المواهب الغنائية، أراه في العادة يسعى لاهثًا ليبدو أفضل من باقي البرامج الشبيهة وما أكثرها، غير أنّني لا أنكر فائدة عظمى منحتني إياها مشاهدة البرنامج، ليست في اكتشافي لأصوات جديدة وإنّما في استماعي لتحف قديمة!.

ففي “ذا ڤويس” يغني المتسابقون الأغاني الناجحة الشهيرة؛ لتظهر قدرات أصواتهم في أعمال الكبار وعظماء المطربين. هكذا عرفتُ من اختيارات المتسابقين ومدربيهم الكثير من الروائع العربية والأجنبية التي أدمنت سماعها، أغلبها من الكلاسيكيات التي لا يختلف عليها اثنان، ليمثل البرنامج لي خير وسيلة ترشيح واختيار.

والآن، وكما يبدو من عنوان المقال. أي علاقة هذه بين “ذا ڤويس” و ألبوم جارة القمر الجديد (ببالي)؟!، الواقع أنّهما شيء واحد في النهاية كما اتضح لي وللجمهور!

حين عادت ريما لعادتها القديمة!

فيروز وزياد الرحباني

قبل سنوات سبع من الآن طلت فيروز بألبوم (إيه فيه أمل) عام 2010، حينها تولى العمل فيه نجلها الموهوب زياد الرحباني الذي أثبت نفسه خلال مشواره مع أمه في مواطن كثيرة، وشهد الجميع أنّه ورث موهبة والده وعمه الراحلين، عاصي ومنصور الرحباني اللّذين صنعا أسطورة فيروز، لكن بسبب خلاف عفوي مع والدته حين أعلن عن توجهها السياسي ذات مرة، غاب زياد عن ألبوم (ببالي) لتتسلم منه أخته ريما شعلة الرحابنة وحدها.

ريما الرحباني مخرجة في الأساس حرفتها الكاميرا والصورة، لكنها تكتب الشعر النبطي باقتدار وأصدرت أكثر من كتاب، ومنذ خمسة عشر عامًا قامت بترجمة أغنية أمريكية شهيرة لفيروز هي “بيت صغير بكندا”، ورغم نجاح الأغنية تعرضت كالعادة لهجوم الجمهور، إذ يظنها الكثيرون سرقةً صريحةً فضلاً عن التقليد الأعمى واستسهال الإبداع الأصيل في الكلمات واللحن.

والآن حدث هذا ثانيةً بشكل أكبر في ألبوم (ببالي)، حيث أغلب كلمات ريما مترجمة عن روائع أجنبية أخرى!، والألحان نفسها لم يتغير فيها سوى لمسات الموزع البريطاني العامل مع فيروز!

السرقة باطلة وفيروز كأنّها “ذا ڤويس”!

قبل الحديث عن جودة الأغنيات لا شبهة للسرقة في الأمر إطلاقًا، فالاقتباس متاح دومًا بقوانين الملكية الفكرية بعد مرور 50 عامًا على إصدار العمل الأصلي لحنًا أو شعرًا أو قصةً. يصبح تراثًا بشريًا يحق استعماله لأي فنان آخر، وإلّا فإنّ ورثة (جول فيرن) مثلًا سيطلبون حقهم المادي في أفلامه التي يعاد إنتاجها مرات بعد مرات!

فيروز قدمت روائع الغرب بصوتها ولمساتها، وهذا في الواقع يضيف للأصل ولا يخل به، عظماء المطربين والملحنين فعلوه مثل عبد الوهاب نفسه، والغربيين نفسهم اقتبسوا أغنيات فيروز بلا حرج أكثر من مرة. هكذا صارت فيروز في ألبومها مثل “ذا ڤويس” بالتقريب!، ترشح لي عددًا من تحف أجنبية، والحق يقال هي جواهر تستحق السمع في الأصل والنسخ!

أسطورة البيتلز … سلام بديع رغم الإلحاد!

جون لينون

إذا اقتبست فيروز، فلماذا لا تغني فيروز لهم؟، وهم الفرقة الأهم والأعظم والأشهر في التاريخ بلا جدال؟!، البيتلز كما يصفهم أغلب عشاق الموسيقى في العالم، أغانيهم ملأت الأسماع وجابت الآفاق وحققت الثروات بما لم يحدث مع فرقة أخرى، وحتى بعد تفرق أعضائها الأربعة، ظل المؤسس (جون لينون) يصدر تحفًا فردية تخلب الألباب مثل: (تخيل Imagine) التي غنتها فيروز بعنوان (يمكن)، فما علاقة هذه الأغنية بالإلحاد؟!

الواقع أنّ (جون لينون) كان ملحدًا يساري التوجه، وفي أغنيته يدعونا لتخيل العالم يسبح في سلام تام يخلو من أي اختلاف، فلا دول أو حدود بين البشر، لا دواعي لاقتتال وحروب، كل شيء متاح للجميع بلا ملكية فكرية، تنتهي المجاعات ويختفي الطمع، هذه مدينته الفاضلة التي أزال منها كل تباين حتى الدين نفسه، فيقول في مطلع الأغنية ( تخيل ألّا جنة فوقنا … ولا جحيم تحتنا … فقط السماء بالأعلى) ويضيف لاحقًا (تخيل ألّا توجد أديان كذلك).

اللحن الملائكي السماوي مع ملامح لينون الوسيمة الطفولية، دعوته المجردة للسلام ونبذ العنف والقتل. كل هذا لم يمنع اغتياله عام 1980 بخمس رصاصات من أحد محبيه، وتكثر نظريات المؤامرة في الحادثة كالعادة، منها أنّ القتل لم يكن سوى لرفض (لينون) الأديان في أغنيته!، المجرم مختل العقل انتقم بشكل ما، وفيروز غنت المعنى ذاته بكلمات ريما، وكررت المبدأ نفسه … نبذ الاختلاف، بدأت بالحدود وقالت (لا حكم ولا كراسي لا حقد ولا بغض)، ثم أضافت (لا دين ولا مصاري)!

وكالعادة في مجتمعاتنا، لا أستبعد أبدًا أن يخرج بعضهم في الأيام القادمة ليعلن أنّ فيروز تدعو للإلحاد!، وأنّها تزعم أنّ العالم أفضل بلا أديان. تذكروا ألّا تكرهوا فيروز إذا حدث هذا!، و بغض النظر عن الأصل الذي غناه (لينون)، الحق أقول لكم … الأغنية رائعة مهما قصد مغنيها!، تمامًا كأفلام ديزني مهما سمعنا عن جشع وسوء مؤسسها!

أغنيتان لزوجها الراحل … رغم كل الهجوم

فيروز وعاصي الرحباني

يعرف عشاق جارة القمر أنّ أغنية (سألوني الناس) الكلاسيكية لفيروز لم تكن سوى رسالة حب وافتقاد لزوجها (عاصي الرحباني)، فالأخير كان مريضًا في مشفاه بينما فيروز على مسرحها. لذا، غنت له (بيعز عليا غني يا حبيبي لأول مرة ما بنكون سوا)، وبعد سنوات من رحيله تهدي له فيروز وابنتها رسالة أخرى في ذكرى وفاته وهي (لمين)، مقتبسة عن أغنية فرنسية شهيرة لجيلبير بيكو هي (لمن يسهر النجم Pour qui veille l’étoile).

ولأنّها أول أغنية يتم طرحها من الألبوم تعرضت لهجوم شديد؛ بسبب بساطة كلماتها التي رآها البعض أقرب للسطحية، مؤكدين أنّ هذا لا يليق بتاريخ فيروز، لكن رغم هذا تم إضافة نسخة أخرى منها بنفس الكلمات مع توزيع مختلف على البيانو، وكأنّ فيروز تنتصر لمن أشادوا بجودة الكلمات رغم سهولتها!

أغنيتان لنفسها … أهو الوداع؟!!

فيروز

غنت فيروز لنفسها هذه المرة تحفةً أخرى لعملاق غنائي آخر هو (فرانك سيناترا)، و الواقع أنّ فيروز لا تقل عنه قدرًا بالنسبة للجمهور العربي وربما العالمي، الملفت هنا أنّها اختارت أغنيته My way المفعمة بالشجن والوحي بالوداع.

أسمتها فيروز (حكايات كتير)، وهكذا يختم الفنان العظيم عمره ويصف شريط حياته. البعض كتبوا على صفحاتهم دامعين لفيروز أنّها ليست النهاية، وهذا ترشيح باهر من فيروز أطال الله في عمرها.

الأغنية الثانية لنفسها هي (بغير دني)، وهي مناسبة حتمًا لكل مطرب وفنان على خشبة المسرح، تصف فيها فيروز لحظات صعود المسرح، لحظات فريدة ملؤها الرهبة، لكنها تنتهي بالسعادة والتتويج كأنّ الفنان ملك على عرشه.

وماذا عن السنباطي يا ريما؟!

فيروز والسنباطي

باقي الألبوم ليس مميزًا بما يكفي في الحقيقة. أغنية للوطن، و أخرى رومانسية، ثمة أغنية قديمة هي (بيت صغير بكندا) تم إضافتها للألبوم، حتى (ببالي) نفسها ليست بالعظمة حتى يسمى الألبوم بها وإن كان عنوانها ملفتًا، لكن أغنية (راح نرجع نتلاقى) تذكرنا بروائع فيروز، حيث غنت لشهر (كانون) وللشتاء وللثلوج كما اعتدنا منها، لكنها تبقى مترجمة مقتبسة.

وهنا يتساءل الجميع، لماذا لم تغني فيروز بكلمات وألحان أصيلة خصيصًا لأجلها؟!، لماذا لم تتعامل مع جهابذة التلحين في الوطن العربي مثل: كاظم الساهر، أو عمرو مصطفى، أو محمد رحيم؟!، ثم الشعراء الموهوبين أمثال أيمن بهجت قمر أو كريم العراقي وسواهم؟!، هل كان هؤلاء ليفوتوا فرصةً كهذه يطوعون فيها فنهم لأجل فيروز؟، ويصنعون خير إنتاج يناسب تاريخها وعظمتها؟!، فنراها تغني بروح العصر وسحر الرحابنة؟

تذكر بعض النقاد كذلك أغنيات فيروز الثلاث مع الراحل العظيم رياض السنباطي، تلك التحف حبيسة الأدراج حتى اليوم، أما كان لها أن تخرج وسط كل الاقتباس والتقليد في الألبوم؟!، يُقال أنّ فيروز لم تذع الأغاني كي لا تصير (أم كلثوم) أخرى، ويقول البعض الآخر أنّه تراث وثروة محفوظة للرحابنة بعد فيروز!، تمامًا كما حُفظت مسرحية (بودي جارد) للزعيم عادل إمام ولم تذع حتى اليوم!

المحصلة … ستبقين (ببالي)!

فيروز

يدوي تاريخ فيروز في أذني دومًا، تنساب (سهر الليالي) مع (يا أنا) ثم (ع هدير البوسطة) فتتبعها (أكتب اسمك) و (لا تعتب علي) وغيرهم مما لا يحصى، ختامًا بـ (لمين) و (يمكن) وكل أغنيات ألبوم (ببالي) رقم 99 بمسيرة سفيرتنا إلى النجوم، فروح فيروز وإحساسها حاضرًا بشدة مهما بلغت درجة الاقتباس، وتلك الغصة في حلقي ستزول مع الوقت بلا شك.

لكنني الآن أرجو أن تكمل فيروز المسيرة بألبوم مئوي وآخر وآخر، ألبوم أصيل لها وحدها، كلمات وألحان وتوزيع بلا أي ترجمة أو تعريب، فالأذن بحاجة لمزيد من السحر الفيروزي، لكنه السحر الشرقي العربي المحلق بجبال لبنان والسابح بنيل مصر، المنحوت من رمل البتراء والمعطر بورد اليمن، المستوحى رأسًا من أساطير الليالي، وحتى هذا الوقت ستبقين حتمًا ببالي يا فيروز، فماذا عنكم يا مستمعين؟؟

2

شاركنا رأيك حول "ببالي يا فيروز … حتى وإن غنيتي على مسرح The voice !"

أضف تعليقًا