أدوار ثانية جابهت الأدوار الرئيسية وتفوقت عليها أحيانًا

افضل الادوار الثانية في السينما
0

في هذا المقال نتحدث عن بعض الأدوار الثانية في السينما المصرية التي استطعت أن تحفر نقوش غائرة في وجدان المصريين، وبعضها خرج من مجرد شخصيات ثانوية في الأفلام إلى شخصيات ارتبطت بواقع المشاهدين وامتد تأثيرها خارج شاشات العرض السينمائي سواء الصغيرة أو الكبيرة، وهذه الأدوار استطاعت أن تلفت النظر إليها حتى تساوت في أهمية دورها مع الدور الرئيسي أو بطل الفيلم، بينما هناك من تفوق على البطل بالفعل، وإليك أبرز الأدوار الثانية التي استطاعت جذب الاهتمام في السينما المصرية.

الهرم – الكيت كات

نجاح الموجي فيلم الكيت كات

لا ريب أن فيلم الكيت كات واحد من أروع أفلام السينما المصرية، وميزة هذا الفيلم في أنه لا ميزة له، لا يناقش قضية هامة ولا يتناول حدثًا لطالما شغل الرأي العام ولا ينطوي على فلسفة عميقة مباشرة فجة، رغم ذلك في تفاصيله الصغيرة وشاعريته وخفة ظله وشخصية الشيخ حسني التي أصبحت شخصية فلكلورية وتعدت السينما ذاتها.

إلا أن بجانب الشيخ حسني تبرز شخصية الهرم، رسم تفاصيل شخصية الهرم بالغة الدقة من المخرج داوود عبد السيد، لدى الهرم أسلوب متطور على حسب الموقف الذي يوضع فيه، فهو شخصية استغلالية وتاجر مخدرات ومستغل للآخرين إلا أن خفة ظله وجاذبية شخصيته لا تجعلنا نكرهه، في الحقيقة الفيلم لا يجعلنا نكره أي شخصية فيه.

لكن شخصية الهرم تحديدًا رغم كل نقائصها، وحتى مع اختلاقه بوضوح أساطير لا أساس لها مثل حكايته عن إن لواء الشرطة قال له: “أنت ياد بتتاجر في المخدرات، صح؟ ولا هتنكر؟ قلت له: صح.. بس هنكر” حتى مع إيماننا بكذبه إلا إننا نستمتع بحكاياته، حقيقة لقد تم رسم تفاصيل شخصية الهرم بدقة رهيبة جعلتنا نشعر أن الهرم شخصية قريبة منا بشكل مباشر، وهذا لم يكن ليحدث بشكل تام لولا أداء الراحل نجاح الموجي لها، والذي جعل شخصية الهرم توشك أن تلحق بأسطورية شخصية الشيخ حسني في هذا الفيلم الخالد.

المعلم هدهد – أرض الخوف

حمدي غيث فيلم ارض الخوف

لا زلنا مع داوود عبد السيد والذي يتميز بعمق شخصياته واختياره للممثلين الذين سيؤدون هذه الشخصيات على أكمل وجه، وهنا مع الشخصية التي لطالما أثارت حفيظتي، المعلم هدهد في أرض الخوف.

قام داوود عبد السيد بعمل مغامرة، فشخصية يحيى أبو دبورة شخصية صحيح متطورة ومفهوم تمامًا هذا التطور وأبعاده ودوافعه، إلا أن شخصية المعلم هدهد كسر نمطية صورة تاجر المخدرات الشرير ذو القلب القاسي الذي يقتل 10 أشخاص في لحظة دون أن يطرف له رمش، بلا عاطفة أو قلب سوى الرغبة الحيوانية في جمع النقود، أما تاجر المخدرات هنا فهو فيلسوف، حكيم، ذو رؤية، ومؤمن بالله.. ولديه قيم كما لو كان قديسًا.

هناك 3 مشاهد تسري في جسدي قشعريرة كلما شاهدتهم، مشهد عندما يجتمع رجال المخدرات فيقترح أحد التجار أن يبيعوا الهيروين لأن طرق نقله أسهل وربحه 5 أضعاف تجارة الحشيش المعتادة، المعلم هدهد هنا يدافع بقيمه المكتسبة من طول تجارته في الصنف أنه لا يسمم زبائنه لأنه يعرف كل واحد فيهم، بينما أنت “يا رجب بيه هبطت علينا بالباراشوت، عمرك ما هتعرف مين زباينك لأنك فوق، لا هتقابلهم ولا هتعرفهم.. أنت تقدر تسمم الناس، إنما أنا مقدرش”.

أما المشهد الثاني حينما يعرف أن هناك هجوم للشرطة لاقتناص بعض رجاله مما يثير استغراب يحيى فيجده يقول بنبرة متصوف أو ناسك بوذي: “يا معلم، ربنا بيرزق الطير في السما والنمل في الشق، وبيرزقنا احنا كمان، والصياد لازم يرجع مجبور الخاطر، واللي اتقفشوا دول كمان ربنا بيرزقهم” إلى هذا الحد المعلم هدهد مؤمن أن هناك أشخاص لابد سيقعون في قبضة الشرطة و أن بعض من سيقعون سيكونون من رجاله، لأن هذه هي سنة الحياة.

وفي مشهد آخر يقتل جاسوس استطاعت الشرطة تجنيده بين رجاله، يجد نفسه يقول بعدها: “قتل النفس أصعب شيء، لكن أوقات لازم نقتل……. ربنا جعل لنا واجبات وأحمال لازم نشيلها منها إننا أحيانًا لازم نقتل…………. أنا مؤمن بأن من قتل يقتل وعارف إني هموت مقتول، بس دا تمن لازم ندفعه”.

من الحوارات التي استمتعت بها جدًا كلمات المعلم هدهد التي تفيض حكمة وفلسفة قد يعجز العقل عن استيعابها أحيانًا فضلاً عن تحليلها، وأخيرًا.. يقوم يحيى أبو دبورة بقتل اثنين من أهم تجار المخدرات مما يستوجب قتله فيقول له هدهد: “أنت لازم تموت علشان احنا نعيش.. ودا ملوش دعوة بالعواطف يا يحيى، بس أنا مش هقتلك،… مش عارف ليه، يمكن لأني مش معصوم من الغلط، ربنا وحده سبحانه وتعالى اللي معصوم من الغلط.. والغلط إني حبيتك”

الحقيقة، لقد كتبت هذا المقال بأكمله بسبب المعلم هدهد، وللتعبير عن عشقي لشخصية المعلم هدهد والأداء القدير من العظيم حمدي غيث لها، والذي استطاع مجابهة الأسطورة أحمد زكي.. والتفوق عليه في بعض أجزاء الفيلم، ولو كتبت عن شخصية المعلم هدهد في أرض الخوف ما وسعتني مجلدات.

يسرية – أحلى الأوقات

هندي صبري فيلم احلى الاوقات
شخصية يسرية في أحلى الأوقات من أجمل الشخصيات النسائية التي ظهرت ويعتبر من وجهة نظري أفضل أداء للفنانة هند صبري، على الرغم من أن دافع خوض المغامرات ونكاد نقول المآزق التي توقع يسرية نفسها فيها بجسارة تكاد تصل إلى التهور يكاد يكون دافع هش، إلا أن هناك دافع آخر لدى يسرية من وجهة نظري لا يصرح الفيلم به ولكن يعبر عنه بشكل إجمالي بحيث تستطيع استشفافه بسهولة.

يسرية تعيش حياة مملة رتيبة في وظيفة مرهقة ومع أطفال وزوج يستنزفون كل طاقتها تمامًا ويجعلونها تشعر بالرتابة والملل، بالتالي هي مستعدة لخوض أي مغامرة حتى وإن كانت هذه المغامرة تنطوي على بعض المخاطر ولم تكن مبررة على الإطلاق، جمال الشخصية أنك تتفهم أنه لا مبرر قوي لترك يسرية وهي حامل بيت الزوجية مهملة لزوجها وأطفالها، وربما بشكل موضوعي قد تراها مخطئة، إلا أنه في الفيلم تتعاطف معها ومع دوافعها ومع رغبتها في الحرية والانطلاق وترك كل المسئوليات والالتزامات جانبًا.

جميعنا نريد ذلك، أن نفعل مثل يسرية، أن نلقي كل هذه المسئوليات الملقاة على كاهلنا ونركض بعيدا، ولكننا لا نستطيع.. ولن نستطيع.. فقط لا نملك سوى أن نتعاطف مع من يحقق رغبتنا هذه على الشاشة، مثل يسرية، لذلك ستظل شخصية يسرية الأقرب إلى قلبي وستظل هي بطلة الفيلم في نظري وأداء هند صبري لها يتفوق على باقي الممثلين في الفيلم.

عاطف – الناظر

احمد حلمي فيلم الناظر

لم يحدث أن أثرت أي شخصية أداها الفنان أحمد حلمي كما أثرت شخصية عاطف في المشاهدين، فيلم الناظر بأكمله ملحمة كوميدية كل عنصر فيها مكوّن أساسي لعناصر الملحمة، إلا أن الفنان أحمد حلمي في شخصية “عاطف” جعل الشخصية أيقونة بذاتها تعبر عن النسيان واللامبالاة الفظيعة لدرجة البلادة.

عاطف الذي أجمع الجميع عليه أنه لا يتذكره أحد، وهو دائمًا يردد الجملة “أنا عاطف اللي كنت مع صلاح..” فينظر له الجميع باستغراب ويقولون بأنهم لا يتذكرونه، مع ابتسامة بلهاء على شفتيه تظهر تمامًا أنه لا يعبأ بما حوله على الإطلاق بل تظن أنه يعيش في عالمه الخاص الذي لا يوجد فيه أي مشاكل أو أزمات، ولا يثير انفعاله أي حدث خارجي، مما يجعلنا نستدعي صورة عاطف بمجرد سماعنا مقولة “تطيب الحياة لمن لا يبالي”.

عاطف لا يبالي وتطيب الحياة له بدليل ابتسامته الدائمة التي لا تفارق شفتيه، يبدو على عاطف أيضًا أنه لا يفهم تمامًا ما يدور حوله، ولا يستوعب الذي يحدث تمامًا.. ينظر عاطف لكل الأمور نظرة طفل منبهر، ولا يأخذ أي شيء على محمل الجد.. كتابة شخصية عاطف في السيناريو كانت شديدة الجمال والألق، وأداء أحمد حلمي لها كان رائعًا في الواقع.

بكري – الإنسان يعيش مرة واحدة

علي الشريف فيلم الإنسان يعيش مرة واحدة

بكري في “الإنسان يعيش مرة واحدة”، شخصية أداها الفنان الجميل علي الشريف، وعلي الشريف فنان لا توحي هيئته التي تليق بمجرم بثقافته فهو من أهم مناضلين اليسار وتم سجنه من قبل لانتمائه لمنظمة حدتو الشيوعية، لذلك تجد أن أدواره بالغة الإتقان والجمال، وأداءه بالغ الأناقة والتمكن.

وكان أداءه لدور الغفير بكري في الفيلم البديع “الإنسان يعيش مرة واحدة” من أجمل الشخصيات التي تم أداؤها في السينما المصرية، لدى بكري مبررات كي تجعله يخاف الليل ويخاف الخروج من المدرسة ويخاف الغرباء ويخاف من كل شيء تقريبًا، يحيط بكري نفسه بالحيطة والحذر، ورغم ذلك ورغم كل هذه الأسوار التي يبنيها حوله، إلا إنك تجده ودودًا وحليمًا وحكيمًا.

تلك الشخصية المركبة التي أداها بجدارة واقتدار الفنان الجميل علي الشريف استطاعت هذه الشخصية أن تدخل القلوب، الحقيقة الشخصية مكتوبة بشكل رائع من السيناريست وحيد حامد، إلا أن أداء علي الشريف لها أعطاها أبعاد أخرى وزادها تألق على تألقها.

عشري – إبراهيم الأبيض

عمرو واكد فيلم ابراهيم الابيض
عشري صاحب صاحبه، بالطبع أداء الفنان عمرو واكد لشخصية عشري في فيلم الأساطير “إبراهيم الأبيض” من أجمل وأعظم الشخصيات التي تم أداءها وأعطى ثقل للفيلم أكثر مما هو ثقيل بالفعل، وبالطبع وجود الفنان الرائع محمود عبد العزيز في دوره الخالد “عبد الملك زرزور” أضاف الثقل بالفعل، إلا أن شخصية عشري كانت ستجعل الفيلم يفتقد للكثير من الروعة ما لم تكن موجودة، وما لم يؤدها عمرو واكد تحديدًا.

من حيث إلمامه بتفاصيل الشخصية وأبعادها، والتناقضات التي يغص بها عشري، وأبرز وأكبر هذه التناقضات حبه الهستيري لصديقه “إبراهيم” وخيانته أكثر من مرة على الجانب الآخر.. مما يجعل النتيجة الطبيعية لهذا هو محاولته الانتحار.. يبدو الأمر غريبًا بعض الشيء، وأداء عمرو واكد لهذه الشخصية باقتدار رهيب جعلها شخصية مستقلة بذاتها لا مجرد صديق البطل أو تابع للدور الرئيسي.
وبعد استعراض أبرز الأدوار الثانية التي كانت مؤثرة مثل الأبطال وربما أكثر، ما هو الدور الثاني الذي أثر فيك وترى أنه يستحق أن ينضم لهذه القائمة؟

0

شاركنا رأيك حول "أدوار ثانية جابهت الأدوار الرئيسية وتفوقت عليها أحيانًا"