مسلسل Black Mirror عندما تصبح التكنولوجيا سببًا في تخلف البشرية

مسلسل black mirror
0

مسلسل Black Mirror هو مسلسل إنجليزي من تأليف Charlie Brooker، يتكون المسلسل من خمسة أجزاء. كل جزء تكون من أربع إلى خمس حلقات لها قصص منفصلة تمامًا وإجمالي عدد الحلقات 22 حلقة. بدأ إنتاجه عام 2011 وتم إصدار الجزء الأخير على شبكة Netflix فى 05 يونيو 2019.

أقرأ أيضًا: قصة مسلسل Black Mirror: هل الغد بهذا السواد حقًا

الإطار الخارجي لقصة مسلسل Black Mirror

يمكننا القول بأن المسلسل ينتمي إلي الحكاية ذات الإطارين فهناك إطار خارجي يجمع كل الحلقات وهو أنها تدور في المستقبل حيث زمن وصل به تقدم التكنولوجيا إلى حد جعل البشر على درجة كبيرة من التحكم بحياتهم، وإطار داخلي نراه في قصة كل حلقة على حدا.

ينتمي مسلسل Black Mirror إلى فئة الخيال العلمي، وهو ربما من أغرب المسلسلات التي سوف تشاهدها في حياتك، فإنه سوف يتركك في حالة مختلطة من التساؤل والحيرة والحاجة إلى التفكير بعد مشاهدة كل حلقة وربما تشعر بعدها أنك تحتاج إلى بعض الوقت لتجري معالجة ذهنية لما رأيته بكل فكرة وكل حلقة. إذا كنت ممن شاهدوا المسلسل سوف تفهم ما أتحدث عنه وإذا لم تشاهده بعد فأنصحك بمشاهدته بشدة واحذر من أن هذا المقال يحتوي على حرق للأحداث.

إن المسلسل من نوعية الحلقات المنفصلة، أي أن لكل حلقة قصتها وأحداثها وشخصياتها، كما ذكرنا سابقًا، ولكن هناك فكرة واحدة تربط كل الحلقات والأفكار ببعضها وهي تقدم التكنولوجيا.

تصور عن مستقبل البشر

أحداث الحلقات تدور في زمن غير معروف بالمستقبل حيث يستخدم به الأبطال تقنيات من التكنولوجيا لم نصل إليها بعد، ربما نحن في الطريق ولكن ليس بعد، ويُرينا المسلسل تخيل لما يمكن أن تصبح عليه حياة البشر مع هذه المرحلة، التي تجعلك تشعر بأنها ليست بعيدة، وتأثير إستخدام هذه التكنولوجيا على العلاقات وجودة الحياة وتقييم الأشخاص لبعضهم البعض والكثير من جوانب الحياة المادية والنفسية على حد سواء.

يُقدم المسلسل تصور لما يُمكن أن تصل إليه التكنولوجيا وكيف يُمكن أن يغير من حياة البشر ويجعل لها وجهًا مختلفًا تمامًا عما نعيشه، تمامًا كما تختلف حياتنا الأن عما كانت عليه في الماضي. كما يعطينا المؤلف أيضًا فكرة عمّا يُمكن للعقل البشري أن يفعله بتلك التكنولوجيا من استخدامات ربما يكون بعضها غير أخلاقي أو أن يستخدمها بطريقة سلبية.

الأفكار التي يطرحها المسلسل

يطرح هذا العمل عدة أفكار قد تكون مخيفة أو متلاعبة بالعقل، في بعض الأحيان، ومن أكثر ما يُميز مسلسل Black Mirror في رأيي أنه، رغم تصنيفه على أنه مسلسل خيال علمي، إلا أنه لا يُركز على أفكار التقدم العلمي نفسها مثل باقي المسلسلات أو الأفلام التي تنتمي إلى هذه النوعية. بل أنه يقدم هذا التطور والتقدم كإطار لكشف الطبيعة البشرية وما يُمكن أن يصبح عليه البشر وفي أيديهم هذا السلاح. ويطرح أسئلة كثيرة حول الطبيعة البشرية.

فهل فعلًا التقدم العلمي يجعل البشر أكثر تحضرًا؟ فمثلما رأينا مثلًا في حلقة “Nosedive” قد أصبح البشر يقيمون بعضهم على أساس عدد النجوم التي يحصلون عليها وربما هذا ما عليه نحن الآن عن طريق تقييم البعض على أساس ما يمتلكونه من مال أو متابعين على وسائل التواصل الاجتماعي ولكن ليس بهذه الطريقة المؤلمة التي رأيناها في الحلقة والتي وصلت إلي المنع من دخول بعض الأماكن، أو شراء الأشياء حتى التي نمتلك ثمنها ولكن التقييم غير مناسب أو حتى في أحقية العلاج أو المكان في المشفى.

أقرأ أيضًا: الموسم الخامس من بلاك ميرور Black Mirror: عاصفة جديدة من جنون التكنولوجيا!

أثر التكنولوجيا على حياة البشر

وهل التكنولوجيا فعلًا تسهل علاقات الناس؟ أم أنها إذا وصلت إلى حد معين يُمكن أن تفسدها؟ ومثال على ذلك ما رأيناه في حلقة من أروع حلقات المسلسل بعنوان “The Entire History of You” والتي نرى فيها كل واحد لديه شريحة متصلة بمخه تسجل كل ما يحدث معه طوال يومه ويمكنه إعادتها وتشغيلها مرة أخرى كلما أراد، مما مكن بطل هذه الحلقة من كشف خيانة زوجته، وصحيح أنها كانت فيما مضى ولكنه كشفها فهل فعلًا يمكن لتقنية كهذه أن تخرب العلاقات بين الأزواج؟ وهل المعرفة الزائدة تكون ضارة أحيانًا؟

إذًا هل غياب التكنولوجيا أفضل؟…

ربما من أكثر الحلقات التي أثارت جدلًا وزخمًا رهيبين هي الحلقة الأولى من الموسم الثاني بعنوان “Be Right Back” وتحكي قصة فتاة فقدت زوجها في حادث وأخبرتها صديقة عن تقنية يمكنها نسخ وعي زوجها وتستطيع من خلاله التحدث معه ونرى أنها تستطيع بالاقتراب من نهاية الحلقة أنها أصبحت قادرة على تطوير نسخة كاملة من زوجها. ولكن نكتشف بالنهاية أن هذا ليس هو الحل وأننا لا نستطيع استبدال البشر الحقيقيين بنسخة منهم مهما كانت درجة التطابق، لأننا لن نستطيع التأقلم على الحياة مع نسخة فقط ممن نحبهم وأن مهما كانت درجة الذكاء الاصطناعي فإنها لن تكون أبدًا مثل الإنسان، وهذا بالفعل ما توصلت إليه بطلة القصة فاكتفت بحبس هذه النسخة عن زوجها في الغرفة العلوية بالمنزل لتستطيع ابنته إلقاء نظرة عليه فقط لتعرف كيف كان والدها.

اسم المسلسل: ماذا يُقصد بالمرآة السوداء؟

يتكُّون العنوان من كلمتين، أولهما هي المرآة والتي تعطي انعكاسًا للواقع الذي نعيشه واللون الأسود والذي يُمثل الحقيقة السوداوية للحياة في ظل قيود التقدم.

فما هي المرآة السوداء؟ وترمز هذه المرآة السوداء بالمعنى المباشر إلى الشاشة… الشاشة وهي الجزء الذي تحتوي عليه تقريبًا كل الأجهزة التي نستخدمها بشكل يومي، وهذا طبقًا لما صرح به مؤلف المسلسل تشارلي بروكر لصحيفة The Guardian  قائلًا: “أي شاشة تليفزيون، LCD، أيفون أو أي أيباد، أو شيء من هذا القبيل، إذا نظرت إليها سوف تجدها مرآة سوداء، وهو شيء بارد ومروّع، فرأيته عنوانًا مناسبًا للمسلسل”.

رسالة المؤلف من القصة

يقول المؤلف بأن رأي بعض الشباب في مؤلف المسلسل أنه مجرد شخص مسن يكره التكنولوجيا. ولكن في الحقيقة الغرض من المسلسل ليس إظهار الكراهية للتكنولوجيا أو تحميلها مسؤولية أى أزمة نواجهها أو سنواجهها في المستقبل ولكن في الواقع المسلسل يُلقي اللوم كله على البشر وعلى الطريقة التي يستخدمون بها هذه التقنيات التي وفرها لنا التطور العلمي. فقد أصبح المجتمع لا يستطيع الانخراط في الحياة الحقيقية ولكن الكل منشغل بالتصوير والتسجيل. فالخطر لا يكمن في التكنولوجيا بل في البشر أنفسهم، فيمكننا ملاحظة، ربما في جميع الحلقات، أن البشر هم من جلبوا البؤس والبلاء على حياتهم في المقام الأول.

فربما من أكثر النقاط الملفتة للنظر في هذا العمل أنه ينظر للتكنولوجيا على أنها أداة في أيدي البشر ومن المفترض أن تكون وسيلة لتحسين حياتهم، لذلك فالمقصود هو العكس تمامًا، وهو إساءة البشر استخدام هذه الوسيلة لأن الأنسان لا يستطيع محاكاة الحياة الحقيقية من لحم ودم، فإن أصبح كل قابل للتحكم والتنبؤ والمحاكاة تصبح المتعة أقل، فلا يمكن أبدًا أن تحتل الآلات مكان التواصل والتفاعل الحقيقي فتصبح الخصوصية منتهكة وينهار الجانب المعنوي للأشياء وينصب اهتمامنا فقط على ما هو مفيد.

وبالتأكيد سنصبح مخطئين إذا ظننا أن التكنولوجيا فقط هي الموضوع الأساسي للحلقات، ولكنها تناقش العلاقات الإنسانية على المستوى الأعمق ويوضح تأثير استخدام التكنولوجيا والآلة عليها وجعل هذه العلاقات على درجة كبيرة من السطحية التي تزداد بازدياد تدخل الآلية في تفاصيل الحياة اليومية، لأنها تتسبب مع الوقت بتجريد البشر من إنسانيتهم وتستبدل تلقائيته وعفويته بآلية مملة تجعل الحياة باهتة تمامًا.

وهذا هو الرابط الذي نستطيع أن نقول بأنه يربط كل الحلقات معًا، فبالرغم من أن الحلقات منفصلة وقصصها مختلفة إلا أننا نستطيع أن نشعر بأن النسيج واحد ومتناسق من خلال البنية الأساسية للمسلسل، فقلة عدد حلقات المسلسل يمكن أن يعطيك شعورًا بأن كل حلقة بمثابة فيلم قصير قائم بذاته ولكنه متصل بالآخرين في الوقت نفسه.

بشكل عام يحمل المسلسل فلسفة في كل من حلقاته نستطيع أن نراها في الجانب السوداوي والنهايات المفتوحة للقصص فبحسب رؤية مؤلفه “Black Mirror” ليس من المسلسلات التي تشاهدها بغرض الترفيه والمتعة.

0

شاركنا رأيك حول "مسلسل Black Mirror عندما تصبح التكنولوجيا سببًا في تخلف البشرية"