مسرحية بودي جارد
0

باختلاف الوسائط الفنية تختلف طرق التحليل وفقًا لما يحمله كل وسيط من مفاهيم وآليات خاصة به، لكن عندما يتم التطرق لعرض مسرحي قُدم على خشبة مسرح بحضور جمهور ومن ثم تم تصويره ليُنقل تليفزيونيًا، هنا يُنظر في الأمر بالشكل الذي شُهد به دون غيره، نظرًا لرؤية المخرج التليفزيوني حينها وما أراد تقديمه وما وجه الكاميرا للتركيز عليه وما حجب عنه الرؤية، بينما أثناء الحضور الحي للعرض المسرحي يكون الجمهور هو رمانة الميزان، كل فرد في الصالة يختار ما يحلو له حتى يوجه نظره إليه دون أي وسيط، علاقة مباشرة قائمة على الحرية المطلقة دون إبداء أي وجهات نظر دخيلة على ذلك العرض الآني والتفاعل اللحظي، وذلك ما حدث مع مسرحية بودي جارد بطولة عادل إمام، رغدة، الراحل عزت أبو عوف، والراحل سعيد عبد الغني، والتي استغرقت مدة عرضها في مصر والوطن العربي قرابة 11 عامًا، وهي من تأليف يوسف معاطي والإخراج المسرحي رامي إمام، ومنذ أيام تم شراء حقوق بث المسرحية لصالح منصة شاهد الإلكترونية لتكون متاحة عبر الإنترنت للمشاهدة، والإخراج التليفزيوني فيها لأحمد صقر.

أحداث مسرحية بودي جارد

مشهد من مسرحية بودي جارد

تدور أحداث مسرحية بودي جارد حول شخصية أدهم الجبالي ذلك السجين الذي يُفتتح المشهد المسرحي على خبر هروبه من السجن، وأثناء محاولة هروبه يلتقي بسعد فارس “عزت أبو عوف” صاحب البنك الفاسد وهو أيضًا سجين معه، ومن ثم تنشأ علاقة ود بينهما يقرر من بعدها سعد أن يمنح أدهم الثقة ويجعله الحارس الشخصي لزوجته عائشة “رغدة”، ومن بعد ذهاب أدهم لمنزل عائشة تحدث بعض المفارقات بينهما إلى أن يقيما علاقة حميمة معًا تجعلها تقع في حبه، ولكن عند مثولها أمام المحكمة هي وكل رجال الأعمال الفاسدين تتضطر برمي التهمة على أدهم حتى تنجو بذاتها وبأموالها، وتنتهي مسرحية بودي جارد بخروج أدهم من السجن ومنع هؤلاء الفسدة من الهرب بأموال الدولة خارج البلاد.

مسرحية بودي جارد فقر درامي ورسالة مُوجهة

مشهد من مسرحية بودي جارد

تعتبر أحداث مسرحية بودي جارد وجيزة للغاية وعلى الرغم من ذلك فمدة العرض وصلت لحوالي 3 ساعات، استغرق منهم ساعتين في محاولات عادل إمام لجلب الضحكات من الصالة، فعند العودة لأسماء الممثلين المشاركين في العرض، نجد أن باعهم الطويل في السينما لا المسرح على الإطلاق مما يسبب إلقاء مسؤولية كبيرة على نجم العمل “عادل إمام” كونه أكثرهم مُقدمًا للمسرح وعلى علم بأدوات الممثل المسرحي، ومن جهة أخرى فالمسرحية وفقًا للتصنيف كوميدية، وعادل إمام ممثل كوميدي بالتأكيد، وكل من معه من ممثلين لم يحققوا نفس النجاح والشهرة في كوميديا عادل إمام ولم يصنفوا في يوم بممثل/ة كوميدي/ة، مما أثقل الحمل على بطل العرض/ عادل إمام من حيث وجود “الإفيهات” وتحقيق القدر المطلوب والمعتاد عليه في مسرحياته السابقة من ضحكات.

ولكن ذلك غير مُبرر إطلاقًا فهو فقر في النص المكتوب ويليه خطأ توزيع الأدوار من المخرج، فمؤلف النص من الواضح أنه اعتمد كثيرًا على حجم النجم المتواجد معه دون أن يعي أهمية ما يقدمه، ليصبح العرض خاويًا من الأحداث مليئًا بمحاولات أغلبها غير مُجدي من قِبل البطل لشغل فراغ النص وملاحقة زملائه المفتقرين للحس الكوميدي والتعامل مع خشبة المسرح.

وفي أثناء هذه المحاولات كان الملجأ الأسهل لعادل إمام هو اللجوء للإيحاء الجنسي، فنسبة الإفيهات المعتمدة على الإيحاءات الجنسية داخل المسرحية لا حصر لها ولا عدد، كما اعتمد عادل إمام في إضحاك الجمهور على العلاقة القوية القائمة بينهم، فمن حين لآخر يعتمد على التفصيلات “ريأكشنات” التي برم بها عادل إمام عقده مع الجمهور وتميز بها وتفوق فيها، ليستثمر لزماته وتفصيلاته المعتادة لملء الفراغ القاتم بين أكناف المسرحية، وكذلك كوميديا “الفارس” التي تعتبر هي نمط عادل إمام في أغلب أعماله، ليكن التعرف على الشخصيات مُستغرقًا حوالي الـ 15 دقيقة الأولى من المسرحية، ونهاية المسرحية وحل العقدة أيضًا لم تتجاوز نفس المدة، وباقي الـ 3 ساعات جميعها تدور في فُلك الإيحاء الجنسي، واللزمات المحفوظة.

ومن بعد كل ذلك الفقر الفني يحاول المؤلف أن يحمل النص رسالة موجهة نحو الوطن والدين والشباب والمستقبل، بشكل في غاية المباشرة، بعد إهدار قرابة الساعتين بمجهود كبير من قبل نجم العمل لملء فراغ النص، فجأة فيما لا يزيد عن 5 دقائق تُعطى الرسالة، ظنًا إنه بذلك يحمل للنص وللعرض قيمة فنية فريدة، ولكنه في حقيقة الأمر كل ما حدث ما هو إلا مجهودًا كبيرًا لسد فجوة درامية، جميع محاولاتها تدور في فُلك الإيحاء الجنسي والتطويل أو ما يسمى بلغة المسرح “لونجير”، وخروج عن النص مبالغ فيه ومن بعدها تحميل تلك الفجوة رسالة، ليكن الأمر مُهلهل دراميًا، والسبب فيه عدم وعي الكاتب في المقام الأول بطرق هيكلة وبناء النص المسرحي، ثم اختيار بطل العمل لطرقه المضمونة للإلحاق بهشاشة النص.

اختلاف الوسائط واختلاف الرؤى

كما تم الذكر إنه باختلاف الوسائط تختلف طرق التعامل مع العمل، وبالتالي فنحن بصدد عمل مسرحي مصور وليس آني وحي على الخشبة، لذا فالتطرق سوف يكون للكادرات والمونتاج أكثر من الإخراج المسرحي، فعند مشاهدة العرض في الصالة تبدو الأشياء الصغيرة غير واضحة، بينما بنقل الكاميرا فهي واضحة وضوح الشمس وخاصة إذا تم استخدام لقطات قريبة منها، لتكون الكاميرا هي المتحكم الأول والأخير فيما يشاهده الجمهور، فبين الحين والآخر بالقطع تأتي الكاميرا بلقطات Close Up/ قريبة، بل وVery Close Up/ قريبة جدًا من أوجه الممثلين وذلك عند التصوير المسرحي غير مُحبب كون الممثل المسرحي يعتمد في أساسه على أدواته الجسدية أكثر من الوجه ومنها ظهرت الوجوه بغير انفعالات في معظم الأحيان، مما أعطى إحساسًا بعدم المنطقية في الأحداث، وكذلك زوايا التصوير التي كشفت عن تفاصيل لا يمكن أن يراها المتفرج العادي في صالة العرض، مثل الساعات المُعلقة على الحائط والتي من المفترض إنها تنقل أسهم البورصة في كل دقيقة لكل بلد، فأوضحتها زوايا الكاميرا مُعطلة، وكذلك عدم وجود قلم في يد سعيد للإمضاء به على أوراق مهمة، وأيضًا الزوايا التي بلورت شكل الكواليس ومن يقف فيها منتظر لحظة”كيوه”/ دخوله، كما إنها أوضحت علنًا توجيه “عادل إمام” لأحد الممثلين فكان من المفترض ألا تتوجه الكاميرا نحوه بهذا الشكل الذي يبلور لحظة لإخفاق ممثل آخر لأن ذلك يُضعف من قيمة العمل بأكمله ويؤكد قلة خبرة المخرج التليفزيوني في تصوير العروض المسرحية وفهم طبيعتها واختلافتها عن العمل غير المسرحي المُصور في الاستوديو.

عناصر خشبة المسرح

مشهد من مسرحية بودي جارد

أما عن العناصر والمفردات على الخشبة، فالمسرحية تتكون من أكثر من منظر يتميز تكوين المناظر بالحرفية العالية في تنفيذه من حيث هبوطه وجره بسهولة، كما لائم كل منظر موقفه الدرامي ولكن بثبات وجمود حاد، فعنصر الديكور المسرحي لم يكن هو ذلك الشكل التكنيكي الذي يُنفذ وفقًا لمكان سير الأحداث وفقط، بل له استخدامات فنية أيضًا، لكنها لم تتحقق في ذلك العرض، لم يأت الديكور بأي تعبير عن أزمة البطل أو أي دِلالات نحو مصيره المُنتظر، كما جاءت الملابس ملائمة لطبقة كل شخصية بين هؤلاء الأغنياء وذلك الفقير، ولكن ما طال الديكور طال الملابس أيضًا من حيث الدِلالة، فلم تكن ألوان الملابس تحمل أي علامات منطقية وفقًا للشخصيات التي ترتديها في أغلب الأحيان، بخلاف اللون الأحمر الذي ارتدته عائشة ليوضح إثارتها وإقامة علاقة بينها وبين أدهم لما يحمله ذلك اللون من دِلالات نحو الإثارة، بينما على النقيض ففي أثناء مشهد المحكمة ارتدت عائشة الأحمر وكاظم “سعيد عبد الغني” رجل الأعمال السارق والمُتهم والموضع أيضًا في قفص الإتهام أرتدى اللون الأبيض، وكذلك في مشهد النهاية الذي يتم فيه مصادرة جميع أموالهم وإرسالهم للمُحاكمة يأتي جميعهم يرتدون زيًا أبيضًا لا علاقة له بالخطر ولا بالمصير المُنتظر.

في حين جاءت الإضاءة بين الإنارة والبؤر، وقلما عملت الإضاءة كمُعادل بصري عن الحدث القائم، لتكن جميع العناصر المسرحية تقوم بدورها كعنصر عامل لا جمالي ولا يحمل دِلالات تساهم في تفسير الأحداث وإضافة لمسات فنية وأبعاد نفسية لها.

أقرأ أيضًا: مراجعة مسلسل عوالم خفية: عادل إمام يعاود اللعب مع الكبار!

هل اختلاف أشكال الكوميديا في فترة العشر سنوات الأخيرة هو السبب وراء موقف الجمهور من العرض؟

مشهد من مسرحية بودي جارد

تم الذكر أن أول عرض للمسرحية في عام 1999 واستمرت حتى 2010 تُعرض على خشبة المسرح، إذًا فهناك فجوة زمنية قرابة العشر سنوات بين آخر عرض لها وعرضها اليوم، مر ما مر في المجتمع من أحداث سياسية واجتماعية، وبلوغ جيل جديد محل الحكم على عمل فني كان يُعرض قبل مولده، مما تسبب عند البعض في حدوث مسافة بينه وبين العمل اليوم، وذلك لاختلاف أنماط الكوميديا وتأثرها بالمشهد السياسي والاجتماعي وما مر بالعالم من كافة الأحداث اليومية في كل هذه السنوات، ومن هنا يُطرح السؤال الأهم على الإطلاق، لماذا يستمر الجمهور في الضحك على مواقف المسرحيات الكوميدية الأخرى، أمثلة مدرسة المشاغبين، المتزوجون وشاهد مشفش حاجة؟ وفي حقيقة الأمر هو سؤال يجب الوقوف أمامه كثيرًا وتأمل تفاصيله، وفي أثناء رحلة البحث عن إجابة مُقنعة نجد أن هناك عنصر هام للغاية وهو عنصر “النستولوجيا” ففي حالة تكرار فعل المُشاهدة على المسرحية شاهدها منذ زمن بعيد وكانت معاصرة حينها لأحداثه وتفاصيل حياته، يحدث للمُتفرج حالة من الحنين/ نستولوجيا للماضي الذي ارتبط بهذا “الإيفيه” أو بموقف الرؤية لأول مرة ليجد نفسه تلقائيًا يضحك على ما داعب ذاكرته لا إراديًا، ودون الخوض في أسباب نفسية تحتاج لشرح علمي بحت فذلك يعتبر سببًا مُحتملًا ولا يمكن اعتماده على الجميع بالطبع، لأنه لا يمنع أن هناك أنواع كوميديا ممتدة تعيش وتستمر لسنوات عديدة وسبق وقدمها عادل إمام نفسه في أغلب أعماله، ولكن ارتبطت كوميديا المسرحية هذه المرة بما يتوافق مع الإيحاءات الجنسية والسياسية والسخرية من الأشخاص التي ربما تناسبت مع وقت تقديمها، أما مع ذلك الجيل الذي يقيم بين كل فترة وأخرى حملات ضد التنمر وضد التحرش وثار على نظام بأكمله منذ 10 سنوات، لم تعد هذه الإيحاءات والإحالات تضحكه ومن هنا أتت الفجوة بين العمل ومتلقي اليوم.

وإن كان ذلك يؤكد على افتقار المسرحية أهم عنصر بها وهو الكوميديا، فهذا لا ينفي من الأساس إننا بصدد نص مسرحي ضعيف لا يملك أي مقومات تختص ببناء النصوص المسرحية ومنها ذهبت الدفة ليد البطل الذي مثل العرض عبئًا عليه وسط هشاشة درامية وعدم تفاعل بينه وبين زملائه الممثلين، فلجأ لأسهل الحلول لجلب ضحكات لحظية قابلها متفرج اليوم بالرفض وعدم الاستمتاع.

أقرأ أيضًا: أفلام أوربية حديثة تستحق المشاهدة – الجزء الأول

0

شاركنا رأيك حول "مسرحية بودي جارد.. هل وقعت في أزمة اختلاف الذائقة أم للرفض أسباب أخرى؟"