اغتيال قيصر، العشاء الاخير، وعشري من إبراهيم الأبيض
2

هل تخليت يومًا شعور يهوذا الإسخريوطي في عشائه الأخير مع السيد المسيح وهو يعلم في قرارة نفسه أنه خائن؟ بل ويزداد الأمر سوءًا عندما ينظر المسيح بكل الوداعة والحب والسماحة الذي خلقهم الله لـ تلاميده ويقول: أنا أعلم أن من بينكم خائن، وأنا أسامحه.. تمر على يهوذا كل تلك الأحداث عقب طقسهم المعتاد، حيث يغسل المسيح أقدام تلاميذه. بئس الموقف الذي وضعت نفسك به يا يهوذا!

أقرأ أيضًا: أفلام تجدد الأمل وتمنحك الثقة بنفسك: شاهدها في لحظاتك الصعبة 😥

حتى أنت يا بروتوس! الطعنة الأشهر في تاريخ قبل الميلاد

غلاف مسرحية يوليوس قيصر

في ملحمته الشهيرة “يوليوس قيصر”، يستمد شكسبير أحداث المسرحية المكونة من خمسة فصول من الأحداث الفعلية التي عايشها قيصر نفسه بداية من انتصاراته وتعينه ديكتاتور دائم على روما حتى المؤامرة ضده التي اشترك بها أعز أصدقائه، اركوس بروتوس.
وفي خاتمة تلك الملحمة التراجيدية في فصلها الخامس، يجتمع مجلس الشيوخ بما فيهم بروتوس الذي تم إقناعه بقتل صديق عمره لتحيا روما، ولما كان حب روما في قلبه لا يضاهيه شيء لم يأخذ الكثير من الوقت ليقتنع. يذهب إليهم قيصر، يتناقشون حول مطالبهم الذي يفرضها قيصر بسبب نرجسيته، يحتدى النقاش، ينهالوا على قيصر بالطعنات من كل صوب، يسقط أرضًا، وأخيرًا يتلقى الطعنة القاتلة في ظهرة من بروتوس بعد أن كان يحتمي به منهم، ينظر له والدهشة تملأ عينه، يستاءل: “حتى أنت يا بروتوس؟”، ليقابله الرد: “إني أحبك، ولكنني أحب روما أكثر”، فما من قيصر أن يسقط أرضًا بعد طعنة صديقه القاتلة وهو يقول “إذا فلتحيا روما، وليسقط قيصر”.

أما عن المخرج أولي إدل في تجربته لتقديم أسطورة يوليس قيصر في عام 2002، يصور هذا المشهد، وبالأخص من بداية الطعنات من أعين قيصر نفسه؛ المفاجأة، الاضطراب العام، الخوف والغضب من ناحيته يظهروا في حركة مشوشة للكاميرا وموسيقى توحي بالطابع الملحمي بـ آلات نفخ نحاسية توحي بالغلظة، ومن ناحية أخرى نرى مقتطفات من حالة الرعب على وجه بروتوس، وبعد كم هائل من الطعنات يهرب الجميع ويبقى قيصر صامدًا ينظر باستجداء لصديقه، تهدأ الموسيقى نوعًا ما لتتماشى مع مشاعر قيصر الذي تعرض لخيانة قذرة لتوه وتمهد للخيانة الأكبر. يهرب الجميع وفجأة، تأتيه طعنة بروتوس لتسقطه أرضًا وفي الخلفية نواح أوبرالي يناسب شخصًا على وشك الموت على أيدي أفضل أصدقائه، يركع قيصر ويقول وهو ينازع “أنت!” ولم تكن تلك الطعنة دليلًا كافيًا له على تعرضه للخيانة، فظل يتشبث بصديقة فـ يقوم الآخر بدفعه عنه ليسقط أخيرًا، ميتًا!

لوحة اغتيال يوليوس قيصر

ولم يكن الفن التشكيلي كذلك أقل اهتمامًا بهذه اللحظة الملحمية الملهمة، فنجد لوحة شهيرة رسمت في بدايات القرن التاسع عشر لـ الرسام الإيطالي فينتشنزو كاموتشيني الذي استوحى من ملحمة قيصر لوحته بعنوان “وفاة يوليوس قيصر”. فنجد تجمع المتأمرين على قيصر ومن ضمنهن بروتس -الذي بالمناسبة يعتقد وفقًا لبعض المراجع أنه ابن غير شرعي لقيصر- على اليمين، ومن بين انطباعات كثيرة ترسم على وجوه أعضاء مجلس الشيوخ بين الغضب والغل والاندهاش نجد ابنه/ صديقه لم يقدر على النظر في عينه مباشرة.

أقرأ أيضًا: دون أن تعلم، أفلام ومسلسلات تروّج لرسائل وأفكار خفية، انتبه لها عند المشاهدة!

يهوذا يحضر أسوأ عشاء في حياته

لوحة العشاء الأخير

ومن تجمع مجموعة من البشر في لوحة يعودوا وقتهم إلى قبل الميلاد ننتقل إلى لوحة أخرى تجمع مجموعة من البشر أيضًا ولكن هؤلاء زمنهم بعد الميلاد، أو هو الميلاد نفسه. في اللوحة الأشهر في تاريخ الفن التشكيلي للمبدع ليوناردو دافنشي “العشاء الأخير”، نجد المسيح في المنتصف ويلتف من حوله تلاميذه الإثني عشر ومن بينهم يهوذا الخائن. وقيل الكثير في تفسير تلك اللوحة التي هي الأشهر بالتأكيد، ولكن خذ من وقتك دقيقة وتأمل هذا المنبوذ القابض على كيس بيده! نعم هو يهوذا الذي جرت العادة أن يصور منفردًا معزولًا في جانب آخر من اللوحة كما الحال في لوحة أندريه ديل كاستانجو في القرن الخامس عشر، عوضًا عن ذلك نجده وسط الحوارين، بل هو أقربهم للمسيح.

لوحة العشاء الأخير ل أندريه ديل كاستانجو

والحقيقة لم يكن هذا هو الاختلاف الوحيد في لوحة دافنشي، بل نجد المسيح بدون هالته المعتادة، كما اختار دافنشي لحظة إخبار تلاميذه بوجود خائن ليجسد بها “العشاء الأخير” في حين جرت العادة أن يتم تمثيل اللحظة التي يقسم بها المسيح خبزة ويخبر تلاميذه أن سيضحى بجسده من أجلهم ومن أجل خلاص البشرية بأكملها. وعن سبب اختياره لهذه اللحظة بالأخص، يرجع النقاد ذلك لما فيها من حركة يمكن تصوريها وكأنها لقطة سينمائية بلغتنا الحالية، فمن اليمين لليسار ستجد ثلاثة عشر شخص كل منهم يحمل على وجهه انطباع بشرع برع دافنشي في تصويره.

جزء من لوحة العشاء الأخير لدافنشي
دعونا نقترب لـ اللوحة أكتر للحد الذي يسمح لنا برؤية سيدنا المسيح عن قرب، ستجد على وجهة كل تعبيرات الهدوء الذي لا يتناسب مع موقفه، فهو يعلم أنه غدًا سيتجرع أسوأ ألم عرفته البشرية وهو الصلب حد الموت، ومع ذلك ستجده هاديًا حكيمًا مبتسمًا راضيًا ويشير إلى خبزه المقدس وباليد الأخرى يشير لطبقه. هذا الطبق الذي قضى على التساؤلات وقضى على يهوذا كذلك، يتساءل “توماس” على يمين المسيح وهو يشير على نفسه إذا كان هو الخائن الذي تحدث عنه المسيح فيجيبه المسيح أن الخائن أكل معي في نفس الطبق، وقتها يتأكد يهوذا أن المسيح يعلم أنه الخائن، ومع ذلك غسل قدمه قبل العشاء وسمح له أن يأكل معه في نفس الطبق. وعن يهوذا في اللوحة نجده في بؤرة الظلام ولا يظهر كامل وجهه ومع ذلك تجد على ملامح وجهه الخزي بسبب ما ارتكب، ولعل ذلك السبب هو الذي جعل وجه يشع بكل هذا السواد من اللوحة.

تقول الأسطورة إن “عشري صاحب صاحبه” هل صدقت!

إذا واجهت أي صعوبة في الإجابة على السؤال المطروح في بداية المقال عن إحساس يهوذا أثناء العشاء الأخير لما للشخصيات من قدسية دينية، فـ دعني اعرض لك الموقف بشكل آخر ونغير السؤال. ترى ما شعور عشري وهو يحتسى كوب الشاي الأخير له مع إبراهيم على المقهى وهو يعلم أن المعلم “هيربي ابراهيم الليله” أعتقد أنك لن تحتاج للكثير من الوقت حتى تجيب عن هذا السؤال، فأداء عمرو واكد في هذا المشهد بالتحديد قال الكثير.
وبالرغم من أن واكد ممثل مشهور عالميًا ومحليًا، وله العديد من الأدوار العالمية مع نجوم عالمين، إلا إن دوره كـ عشري في فيلم إبراهيم الأبيض من إخراج مروان حامد هو درة أعماله ولا يضاهيه أي دور آخر.
وعن علاقة إبراهيم بعشري يمكنك معرفة مدة عمقها من الدقائق الأولى في الفيلم، فنجد إبراهيم يتصدر للذهاب لسيد شيبه لإرجاع “الكيس” بالرغم من أن عشري هو من فقده، وكأنه منقذه ومخلصه. بعدها يختار المخرج عشري أن يقوم بدور المعلق الصوتي على الأحداث، ويبدأ بوصف إبراهيم وشجاعته وقوته بالإضافة إلى حكمته لتكون بداية إرساء علاقة ثنائية تؤكد كل الدلالات أنهم فرد واحد وكل متكامل تعاهدوا على الحفاظ على بعضهم البعض.

“إبراهيم ميخافش إلا من الغشيم، الفشيم يا هيموتك يا هيزنقك تقتله”

عشري يقف وحيدا بعد موافقته على تسليم إبراهيم

ويستمر الفيلم في تأكيد هذا الخط الخاص بعشري وإبراهيم بشكل جانبي متضافر مع باقي الخطوط الدرامية. وفي الثلث الأخير من الفيلم تبدأ هذه العلاقة في الاهتزاز، بدأه عشري عندما حاول اغتصاب حورية في عشه إبراهيم وهو يعلم كم تعني له. ومع خروج إبراهيم من السجن، تبدأ معاناة عشري في النظر في عيون إبراهيم مباشرة، بالأخص أثناء عتابه له، يزداد آلمه عندما يعانقه إبراهيم معلنًا عن سماحه له، فينفجر في البكاء!

“بعتني بكام يا صاحبي؟ خمس بواكي؟ شوية على إبراهيم الأبيض يا عشري”

وبعدما تنجح “حورية بنت الحية” في إقناعه بتسليم إبراهيم، يعود عشري لمسكنه ويحاول الانتحار ويفشل، وأثناء حواره مع إبراهيم الذي يبدأه بـ “انت عارفني بقى” يتألم عشري لمعاناة صديقة في حبه لحورية، وفي نفس الوقت تبدأ الحرب النفسية على عشري بسؤال “بتوع ايه الخمس بواكي دول يا عشري”.

على المقهى، وإبراهيم في أقصى درجات السكر يقابله أقصى درجات القلق والتوتر والندم والشعور بالخزي جميعًا يظهروا على وجه عشري، يظهر المعلم ورجالته في حصان طروادة ويرافقهم موسيقى هشام نزيه وتجليات من الشيخ زين محمود توحي أنك على وشك مشاهدة ملحمة بنكهة روحية. حينها، وحينها فقط يدرك إبراهيم أن “عشري صاحب صاحبه قد سلمه في مقابل “خمس بواكي فقط”. ومع سيل الدم والعنف، وفي محاولة أخيرة من إبراهيم وعيون عشري مليئة بالدموع يحاول إنقاذه إبراهيم ولكن رجالة الزرزور تقرر انه حان الوقت ليأخذوا السر الإلهي، يصرخ إبراهيم باسم صديقه الذي فارق الحياة لتوه.

“ومن لا يحب لم يعرف الله، لان الله محبة.”

1 يو 4: 8

بدافع الحب غالبًا اختار عشري تسليم إبراهيم لـ المعلم لتأديبهما معًا، على أن يكتشف إبراهيم أنه خان صداقته معه وحاول التهجم على حبيبته التي من أجلها خاطر ويخاطر بكل شيء. وإن كان على إبراهيم أن يكتشف خيانته فعليه أن يكون ميتًا في نفس اللحظة كعقاب مستحق. كذلك باع يهوذا المسيح في مقابل كيس من الفضة بخس ثمنها، ولكنه كان ضعيفًا، لم يكن إيمانه وحبه قويًا كما حاول المسيح أن يعلم تلاميذه دائمًا. وكذلك طعنة بروتوس كان سرها هو المحبة، فهو أحب روما أكثر من صديقه وأبيه غير الشرعي، ولنفس سبب الحب كانت طعنته هي القاتلة لقيصر لأنها من شخص أحبه كثيرًا، ولهذا بالتحديد الخيانة من الأصدقاء تكون هي الأصعب، لأنك تحبهم وآخر ما قد يخطر على بالك أن يكون هذا الحب هو سبب الألم والموت أحيانًا!

2

شاركنا رأيك حول "بروتوس، يهوذا وعشري: كولاج عن خيانة الأصدقاء"