0

توقف تصوير فيلم “نص أرنب” على إثر خلاف بين المخرج محمد خان وجهة الإنتاج. كانت المشكلة على وشك الحل إلى أن حدثت مشكلة أكبر، أطلق مجموعة من ضباط الجيش المُتورطين مع الجماعات المتطرفة النار على رئيس الجمهورية أنور السادات، تعطلت الكاميرات لوقت أطول نتيجة للظرف الصعب الذي تمر به البلاد.

يحكي المصور السينمائي سعيد الشيمي عن أزمة أخرى واجهت فريق العمل بعد عودة الحياة لطبيعتها، اختلف شكل الشارع الذي تم تصوير الكثير من المشاهد فيه، حيث تصاعدت مئات اللافتات المؤيدة للرئيس الجديد، كان في ذلك صعوبة بالغة من أجل الهروب منها والعمل على تصوير باقي مشاهد الفيلم.

“دائمًا ما يكون هناك توازي بين حكايات كبيرة تعيشها المدن وحكايات البشر داخلها. التحولات الكبيرة يكون لها الأثر على السلوك الإنساني. مدينة مثل القاهرة شهدت ذلك، بينما السينما كانت أداة رصد لحكايات البشر”.

تصوير فيلم في القاهرة

السينما ومصر

بعد عامين فقط على أول عرض سينمائي في باريس بالتحديد شهر ديسمبر من العام 1895. شهدت الاسكندرية أول عروضها لتتبعها القاهرة بعد ذلك. احتاجت السينما لسنوات طويلة حتى يتشكل الأسلوب السينمائي الذي نعرفه، بعد البدايات التسجيلية المعروفة. فيما يمكن تسميته زمن البدايات.

تطلب الأمر سنوات طويلة حتى تخرج الكاميرا من الاستوديو إلى الشارع،  قد نعتبر أن فيلم “حياة أو موت” للمخرج كمال الشيخ أحد أوائل من تسللوا إلى الشوارع الصاخبة.

تجولت كاميرا كمال الشيخ مع طفلة صغيرة في شوارع القاهرة من مصر القديمة إلى ميدان العتبة، في رحلتها لشراء دواء للأب المريض، يتزامن معها رحلة لرجال الشرطة لإنقاذ حياة نفس الشخص في حبكة مشوقة. اعتبر مخرج العمل فيلمه في هذا الوقت سياسيًا بالدرجة الأولى، حيث نقل تطلعاته للمجتمع الجديد بعد ثورة يوليو. حيث يتدخل مدير أمن القاهرة شخصيًا من أجل إنقاذ حياة مواطن بمساعدة كل طبقات الشعب.

فيلم حياة أو موت
فيلم حياة أو موت

سوف تدرك التحولات التي حدثت للمدينة بوضوح حين تقارن صورة القاهرة عام 1954 بالألفية الجديدة، محلات “هانو” الشهيرة في هذا الوقت، لم يعد لها وجود خاصة مع هجرة ملاكها من اليهود المصريين، الترام الذي استُبدل بمترو الأنفاق مع مرور الوقت، حتى الحل الأخير الذي استخدمه جهاز الشرطة في الفيلم كان من خلال الإذاعة وسيلة الاتصال الأكثر تطورًا هذا الوقت.

كاميرا الستينات.. يا مجاري في الدنيا يا مجاري

كان النصف الثاني من ستينات القرن الماضي هو زمن انهيار الأحلام الكبيرة بامتياز بفعل هزيمة يونيو 1967. القاهرة أيضًا واجهت مصيرها من التشوهات حتى على المستوى المعماري. السينما حاولت التعبير عن مآساة انهيار الحلم الناصري. فيلم ثرثرة فوق النيل عبر عن هذه المرحلة، أغلب المشاهد كانت داخلية تدور في “عوامة” في دلالة رمزية لعزلة المثقفين عن الشارع.

عن قصة لنجيب محفوظ صنع مخرج العمل حسين كمال عالمين مختلفين، العوامة حيث يتلاعب دخان الحشيش بأذهان المُحبطين والشارع نفسه حيث الواقع الفج.

ظهرت شوارع وسط البلد في رحلة أنيس أفندي “عماد حمدي” إلى عمله في أحد الهيئات الحكومية في مشهد مليء بالسخرية المريرة عما وصلت إليه البلاد من انكسار.

أقرأ أيضًا:تغيير شروط الأهلية لأوسكار أفضل فيلم .. انتعاشة سينمائية للأقليات أم تسليع السينما؟

أحدهم كان معماريًا

محمد خان خلال تصوير أحد أفلامه
محمد خان خلال تصوير أحد أفلامه

جيل جديد من السينمائيين تمرد على الأنماط السائدة في هذا الوقت، أسماء مثل محمد خان وعاطف الطيب كان لهم الأثر الهام في دفع الكاميرات إلى الشارع. عبر هؤلاء المخرجين عن علاقتهم بالمدينة وأبطالها. البطل في سينما التيار الواقعي نفسه تغير، فلم يعد الشاب الوسيم الغارق في أزمة عاطفية أو حتى وحش الشاشة في معاركه التي يتفوق فيها دومًا على الأعداء، هناك عصر جديد يُفرز أبطال جُدد مكانهم هو الشارع.

يقول المخرج الراحل عاطف الطيب: “كل أفلامي تم تصويرها خارج الاستديوهات لأن سينما الشارع والأماكن الطبيعية هي التي تستهويني، لأنها تتسم بالصدق الكامل والحقيقة دائمًا أفضل من الديكور”.

يتعلق في أذهان محبي عاطف الطيب آخر مشهد من فيلم “سواق الأتوبيس” حين يتخلى البطل “حسن” عن سلبيته ويواجه أحد اللصوص الصغار بعد أن ذاق مرارة طويلة على يد لصوص أكثر إحترافية. المشهد الذي تم تصويره على بُعد أمتار قليلة من ميدان التحرير، قد تكون الصدفة لعبت دورها، أو أنها نبوءة غير مكتملة، لمخرج رحل مبكرًا.

لم يكن محمد خان يعلم حين سافر إلى إنجلترا عام 1956 لدراسة الهندسة المعمارية أن مساره سيتغير لدراسة السينما.

“في الحقيقة إن هذا الفيلم نفذ كله في الديكورات الطبيعية وهو أمر لم يكن مألوفًا في السينما المصرية آنذاك. وقد اندهش نور الشريف من ذلك” محمد خان يحكي عن تجربته الروائية الأول ضربة شمس.

تتبع محمد خان التي أحدثها الزمن على شوارع المدينة. كان أول أفلامه “ضربة شمس” يدور حول قصة مصور صحفي شاب يلهث وراء الأحداث بكاميرته، ليواجه العالم المظلم للمدينة.

يقول الناقد سامي السلاموني عن الفيلم: “استطاع محمد خان أن يقدم لنا قاهرة جديدة، وكأننا لا نعرفها، مع أننا نعيش فيها يوميًّا، ونختنق في الضجيج والزحام والعفار، لكن لم نرها عن بُعد كما يقدمها لنا هذا الفيلم، وبصورة كلية أو شاملة إلى حد ما، حتى إننا ندهش كيف نستطيع أن نتحرك وسط هذه الفوضى العبثية”.

كانت كاميرا سعيد الشيمي تتجول وراء “الحريف” اللاهث في شوارع القاهرة بينما “خان” يراقب التغير على المدينة. وربما دون أن يطمح أصبح لدينا أرشيف بصري هائل عن القاهرة في هذه المرحلة.

خاض خان في عوالم الكثيرة داخل المدينة الرمادية من ملاعب كرة القدم الشعبية في الحريف إلى حياة الخادمات في أحلام هند وكاميليا، حتى مرثيته للقاهرة في خرج ولم يعد كانت تجسيد لمدينة أصبحت كابوسية على البطل أن يقطع علاقته بها نهائيًا.

أقرأ أيضًا: أفلام بروح المدينة .. قصص تروى من خلال بعض المدن

خيري بشارة من المعادي إلى ميامي

عمرو ديايب فيلم ايس كريم في جليم
عمرو ديايب فيلم ايس كريم في جليم

ظهرت أحياء القاهرة في أفلام خيري بشارة بين الواقعية والحلم في أفلامه. شبرا التي صورها في فيلمه “يوم حلو ويوم مر” والمعادي “في آيس كريم في جليم” ووسط البلد في إشارة مرور.

في العام 1988 صور يوم حلو ويوم مُر الشوارع مزدحمة والبيوت خانقة، زار خيري بشارة عوالم الفقر بكاميرا “طارق التلمساني” المصور الذي استعان به خان في “خرج ولم يعد” لكن الكاميرا في هذا الفيلم لم تخرج إلى المدى المفتوح بل استمرت في سيرها داخل الشوارع الفقيرة.

رحلة أخرى يخوضها خيري بشارة داخل الشوارع في قصة أيس كريم في جليم التي دارت بين القاهرة والإسكندرية، ظهرت الإسكندرية كمحطة أخرى بعد أن كانت مجرد ذكريات طفولة لبطل العمل سيف “عمرو دياب“.

قبل الوصول للمشهد الأخير على شاطئ ميامي الإسكندرية كُنا في جولة وراء “سيف” الذي يطوف القاهرة على “دراجته النارية” ليوزع شرائط الكاسيت على المحلات.

لقطات الفيلم أصبحت جزءًا في ذاكرة المُشاهد عن التسعينات. كما أن سيف -بطل الفيلم- عبر عن حالة الأحلام الفردية التي أصبحت البديل الطبيعي للأحلام الكبيرة التي انتهت تمامًا مع بداية زمن جديد.

تجارب عديدة لخيري بشارة ارتبطت بالمكان. ظهر هذا في واحد من أوائل تجاربة في عالم السينما “العوامة رقم 70” وتجلى في تفيلمي “إشارة مرور” وآيس كريم في جليم.

مع نهاية التسعينات بدأت الكاميرات تبتعد عن القاهرة الحقيقية. أصبحت السينما حبيسة الاستديوهات أو أماكن دون هوية. تجارب نادرة التي تحركت كاميراتها في شوارع المدينة. قد يرى المشاهد لا شيء يثبت أن تلك السينما مصرية سوى لغة الممثلين.

حينما نبحث عن الأصالة في السينما نجد أن المكان ركنًا أصيلًا. المكان هوية الشاشة، ورغم الطفرة الإنتاجية التي ظهرت على السينما والدراما في مصر لكن قد يرى البعض أن على صناع السينما الآن الخروج من الاستديوهات إلى الشوارع.

0

شاركنا رأيك حول "“شغل كايرو”.. كيف ظهرت القاهرة في السينما؟"