تشارلي تشابلن الأيقونة الأزلية للسينما الصامتة

0

“أحنّ إلى طفولتي وإن كانت حزينة..”

صدق من قال أن من ترعرع في طفولة تعيسة ينشأ مبدعاً، هناك تشارلي تشابلن كمثال حيّ، ممزقاً ما بين والده السكّير الغائب معظم الوقت وامه المترددة إلى مشفى الأمراض العقلية باستمرار. كان أحد أبرز الأسباب التي دفعت بتشابلن إلى عالم التمثيل والتمثيل الإيمائي حادثة كان لها وقع كبير على نفسيته في الطفولة قضى فيها تشارلي أسابيعاً طريح الفراش إثر مرض المّ به فكانت والدته تجلس قرابة النافذة تروي له بحركات ايمائية أفعال ونشاطات الناس في الشارع.

كان هدفه من صنع الأفلام الصامتة هو أن يفهمها جميع الناس من جميع أصقاع العالم.

تشارلي تشابلن، قبعة، شاربٌ وعصى هي روح المتشرد

تشارلي تشابلن - 1

من علاماته الفارقة التي اشتهر بها عالمياً: الشارب الصغير المشذّب القبعة الطويلة والعصى التي يحملها وطبعاً شخصية المتشرد بملابسه الرثة التي لعبها باستمرار وفن التمثيل الإيمائي وتعابير الوجه المعبّرة التي برع في اداءها.

كوميديا تنبثق من رحم الألم

تشارلي تشابلن - 2

بدأ مشواره بكتابة أفلام صامتة قصيرة ولكن جميع هذه الأفلام لم تحمل اسمه، حتى قدّم اول عمل بارز من إخراجه وتمثيله وهو The Kid في عام 1921، قصة بطعم الحلاوة والمرارة في آن واحد أو كما يقولون بالإنكليزية “bittersweet”، حيث المفارقات المثيرة للسخرية ورابط محبّة نقيّ يجمع ما بين المتشرد والطفل الذي انتشله من القمامة بعد أن أضطُرت والدته التخلي عنه لإنجابها إياه خارج مؤسسة الزواج.

تشارلي تشابلن - 3

تتردد المرأة إلى الحي الذي يقطنه المتشرد والطفل اليتيم ذلك لتلاعب أطفال الحي وتعطيهم بعض الصدقات. هنا يضعنا تشابلن أمام لوحة انسانية تضج بالمشاعر الإنسانية، فلنتخيلها سوياً امرأة حُرمت من ابنها تحضن رضيع إحدى النساء ترنو اليه بحسد مستذكرة ولدها التي هجرته بينما ابنها جالس خلفها بجانب باب بيته وينظر بحسد هو الآخر إلى المرأة “ليتها أمي!” لا نسمعه ينطق هذه الكلمات ولكن وبكل تأكيد نرى عيونه تلفظها، إني لم ولن أرى فناناً يرسم بكاميرته مثل تشابلن، فرغم الجو الكوميدي المسيطر في أفلامه هنالك تيار مُبطّن من الأسى والألم يختبأ بين ثناياها.

لمسة يدّ

تشارلي تشابلن - 4

من المعروف عن تشارلي تشابلن انه الممسك بزمام الأمور في جميع الأفلام التي قام ببطولتها ذلك لأنه كتبها وأخرجها، فهو يولي اهتماماً ودقة كبيرتين في التفاصيل الصغيرة وفي كل ايماءة، إذ استغرق فيلمه City Lights أربع سنوات لإكماله وتطلب المشهد الذي يترجّل فيه المتشرد من السيارة إعادة تصويره 342 مرّة حتى يتم بالشكل الذي يُرضي تشابلن لأهميته في سياق البناء الدرامي، إذ لم يقنعه تصوير المشهد أول 341 مرة بأن بائعة الأزهار اعتقدت أن الشخص المترجّل من السيارة هو رجلٌ ثري.

بالحديث عن City Lights الذي يعتبره النقاد أحد أهم الأعمال السينمائية الصامتة التي انتجتها هولييود، تكمن أهميته انه قد تم انتاجه في عصر السينما الناطقة إذ واصل تشابلن السباحة عكس التيار السائد التي بدأت السينما الإتجاه اليه آنذاك حتى أن إيرادات الفيلم طغت على إيرادات الأفلام الناطقة الأخرى التي تم انتاجها ذات العام.

تشارلي تشابلن - 5

يروي الفيلم قصة متشرد يقع في حب شابة كفيفة تبيع الزهور فيحاول بشتّى الطرق جمع المال اللازم لإجراء عملية تعيد بصرها. يمزج الفيلم ما بين مواقف عاطفية هزلية وانسانية رقيقة. يقدم نقداً اجتماعيا لاذعا للمشاكل والآفات التي يعاني منها المجتمع منها السياسية والاقتصادية. استوحى تشابلن فكرة الفيلم من قصة مهرج فقد بصره بحادثة في السيرك فقام طبيبه بنصيحته أن يبقي الأمر سراً عن ابنته المريضة حتى تُشفى وعندما يرتطم المهرج بأثاث المنزل تعتقد ابنته أنه يقوم بذلك عمداً لإضحاكها.

قام تشابلن باستبدال المهرج بالفتاة بائعة الزهور وعانى كثيراً حتى وجد الفتاة المنشودة التي ستؤدي الدور بشكل ممتاز، كان شرطأ رئيسياً أن تكون جميلة وأن لا يتأثر جمالها بفقدانها البصر. أحد أكثر المشاهد المؤثرة في تاريخ السينما عندما تتعرف الفتاة على الشخص -أي المتشرد- الذي كان السبب في إعادة بصرها من لمسة يده عندما همّت بإعطاءه قطعة نقود كصدقة، قصة انسانية تنطوي على معانٍ بسيطة ولكن سامية وذات رسالة نتعلم منها الإنسانية والمحبة.

شيوعي؟

تشارلي تشابلن - 6

تفشت اشاعة مفادها أن تشارلي تشابلن شيوعي إثر صنعه لفيلم تحت عنوان Modern Times فمُنع الفيلم من العرض في المانيا وايطاليا. غادر تشابلن على اثره الولايات المتحدة لخمسة وعشرين عام بعد اتهامه بالشيوعية، قال بغضب “لو قام المسيح برئاسة أميركا من المستحيل أن أعود إاليها.”

وصف البعض هذا الفيلم بالصامت الناطق، ذلك بسبب بعض الأصوات غير الواضحة والمشهد الذي يقوم فيه المتشرد بالغناء. يسخر تشابلن في فيلمه من عصر التكنولوجيا والتقنيات الحديثة والآلة التي باتت تتحكم بالإنسان دون رحمة عدى عن أنها السبب الرئيسي في انتشار البطالة في ظل الكساد الاقتصاي التي عانت منه أميركا في الثلاثينيات من القرن المنصرم.

دانييل داي لويس .. دينيرو البريطاني!

تشارلي تشابلن - 7

يعود تشارلي بشخصية المتشرد للمرة الأخيرة هذه المرة كعامل في أحد المصانع يقع تحت رحمة الآلة واستغلال مديره له في العمل، فينتهي به المطاف من المعاناة من انهيار عصبي وعقلي يُنقل على إثره الى المصح. أيضاً هذا الفيلم لا يخلو من المفارقات الساخرة التي عودنا عليها تشابلن إذ أن المتشرد يقوم بقيادة مظاهرة عمالية دون دراية منه فيُتهم بالشيوعية ويزج به في السجن. يلتقي بشابة أيضاً تم زجها في السجن لسرقتها الخبز، يداً بيد يستهلان الدرب نحو السعادة بخطواتٍ صغيرة.

استوحى تشابلن فكرته من جراء حوار قام به مع المهاتما غاندي الذي كان متوجساً من عصر التكنولوجيا وتحوّل البشر إلى رجالٍ آليين، ومع انه قام بإعداد حوارً كامل لفيلمه تراجع تشابلن عن قراره وأبقى على الفيلم صامتاً.

اختار أن يكون فقيراً

تشارلي تشابلن - 8

لطالما احتقر تشارلي تشابلن المال والثراء وقد قال ذات مرة “أكثر حدث محزن ممكن أن يصيبني هو أن أعتاد على الثراء” ولعل بغضه للمال وردة فعله السلبية تجاهه تجلت بوضوح في فيلم The Gold Rush عام 1925 وقد أدان فيه أثر المادة على نفسية الإنسان، ففي حياته العادية عاش تشابلن حياتاً معاكسة لحياة المليونير لأنه كره المادة وما تجلبه من جشع ولا إنسانية.

بلغ تشابلم في هذا الفيلم بلغ ذروة فنّه وعطائه الإنسانيين، ويعد فيلمه هذا من أكثر أعماله السينمائية تكاملاً وتعقيداً وهو عبارة عن سلسلة من المواقف الكوميدية والعاطفية مع الحفاظ على البعد المأساوي للقصة وأكثر افلامه احترافاً في فن التمثيل الإيمائي فنرى المتشرّد يلتهم حذائه بعد أن سلقه ورش الملح عليه ثم يلتهم رباطتي الحذاء بلفها على الشوكة كمن يأكل المعكرونة.

تشارلي تشابلن - 9

تدور أحداث الفيلم في الاسكا في زمن “حمّى الذهب” حيث وفد إلى تلك المنطقة الآلاف من الباحثين عن الثراء وطبعاً أحدهم المتشرّد، الذي يعيش أياماً عصيبة يعاني فيها من الجوع القاتل ويشهد كيف يجردنا الجشع من الإنسانية، كيف ان الانسان مستعد لقتل غيره من أجل الحصول على الذهب، فالمال يُفسد الروح ويشوّه العلاقات الإنسانية ويحوله الى مخلوق انتهازي.

بعد الانتهاء من تصوير المشهد الذي يلتهم به المتشرّد حذائه نُقل تشارلي وزميله الى المشفى إثر تعرضهما لصدمة انسولين ذلك لأن الحذاء الذي قاما بالتهامه كان مصنوعاً من مادة السوس التي إن تم تناولها بكثرة تؤدي الى اختلال في نسبة الانسولين في الدم.

يُذكر أن الفيلم مادة أساسية في أي دراسة سينمائية، ومع أنه لم تكن هنالك جوائز أوسكار في الفترة التي تم انتاجه فيها إلا انه ترشّح لأوسكارين عام 1943 وهو فيلم تشارلي المفضل من بين جميع أعماله الأخرى.

السيرك

تشارلي تشابلن - 10

هنالك فيلم أود ذكره على وجه الخصوص وهو أحد أعمال تشابلن المظلومة والمغمورة، وهو فيلمي المفضل له. انتهى تشارلي من تصوير فيلم The Circus في فترة عصيبة من حياته، لقد كان عازماً فيه على توديع السينما الصامتة إلا انه عاد وأنجز فيلمين صامتين أخيرين هما City Lights و Modern Times.

لعب تشارلي دور المتشرد مجدداً فبعد سلسلة من الأحداث والمغامرات ينتهي به المطاف عاملاً في السيرك، يجمعه الجوع بابنة مدير السيرك بعد أن حرمها زوج أمها من وجبة الطعام لعدم اداء دورها بشكل جيد اثناء العرض فما أن لمحت قطعة الخبز التي تركها المتشرد على كرسيه حتى همت بالتهام نصفها حتى أتى المتشرد وأخبرها أنها قطعة الخبز الخاصة به، المتشرّد رغم فقره المدقع لديه العفة والشهامة فشاركها بقطعته أيضاً.

ميريل ستريب “شحرورة” هوليوود الاستثنائية

تشارلي تشابلن - 11

أتى يوم وأغرمت ابنة مدير السيرك بالفتى الجديد الذين وظفوه للمشي على الحبل، وذلك فطر فؤاد المتشرّد بالتأكيد حتى أزف يوم غاب فيه الفتى عن العرض الخاص به، ليهرع المتشرد ليحل مكانه ويكسب قلب الفتاة التي أحبها، وهنا أود أن أذكر أن تشارلي أعاد لقطته الخاصة التي مشى فيها على الحبل 200 مرة بعد أن تدرب لأسابيع على مهارة المشي على الحبل على علو 40 قدم ولكن اللقطة الأصلية تدمّرت عندما احترقت خيمة السيرك بأكملها بعد انتهاء التصوير.

لعل نهاية الفيلم هي من اكثر النهايات كآبة وسوداوية من بين أفلامه فهو رفض حتى الحديث عن هذا الفيلم في مذكراته ولم يتطرق اليه البتة. في الستينات عندما تفرغ تشارلي للموسيقى – ألّف موسيقى جميع أفلامه – أضاف الموسيقى التصويرية لهذا الفيلم الى جانب العديد من أفلامه الأخرى مثل Modern Times و Gold Rush. موسيقى هذا الفيلم هي من أنقى وأصدق ما سمعتُ إذ أنها شاعرية وليست هزلية وتضفي بُعداً عاطفياً على المشاهد الكوميدية.

هتلر يقوم بتقليد تشابلن

تشارلي تشابلن - 12

أول فيلم ناطق قام بصنعه تشابلن كان في عام 1940 يحمل عنوان The Great Dictator حيث قدّم فيه شخصيةً كاريكاتوريةً مضحكة لأدولف هتلر وبلا شك مُنع الفيلم من العرض في المانيا لأنه يسخر من شخص الرئيس هتلر ولأن هتلر يكره تشارلي تشابلن لاعتقاده الخاطئ بأنه يهودي أولاً وشيوعي ثانياً ولكن ذلك لم يمنع هتلر أبداً من تربية شارب شبيه بشارب تشابلن ظناً منه أنه إن فعل ذلك سيكون محبوباً من شعبه وسيتقبله الناس أكثر.

يحبّهن صغيرات

تشارلي تشابلن - 13

من المعروف عن تشارلي تشابلن ملاحقته الدائمة لفتيات يصغرنه بفارق عمري كبير حتى أن ستانلي كيوبريك استوحى فيلمه المثير جداً للجدل Lolita من حياة تشابلن الخاصة وبالتحديد علاقته بالممثلة ليتا غراي التي تصغره بعشرين عام وقد تزوجا لاحقاً. عاش تشارلي علاقات كثيرة وتزوج من ممثلات شاركنه بأفلامه أبرزهن بوليت غودارد التي قامت بمشاركته بطولة فيلم Modern Times وممثلة الأفلام الصامتة ميلدريد هاريس.

بداية النهاية

تشارلي تشابلن - 14

بدأ تشارلي تشابلن في بداية الخمسينيات من القرن الماضي الشعور بإحساس كمن تم التخلي عنه بعد مجد وعز كبيرين، مهجور حزين ووحيد، فقام بكتابة وإخراج فيلمه الميلودرامي Limelight. صحيح أنه يُصنف في موقع الأفلام IMDb كفيلم كوميدي موسيقي ولكني لمست فيه دراما “تراجيديا” من النوع الثقيل، تلك التي تسبب إيلاماً شديداً للمشاهد.

أستطيع تصنيف هذا الفيلم كفيلم سيرة ذاتية عن حياة تشارلي، تم استبدال تشارلي فيه بشخصية المهرج التي يلعبها هو ذاته، المهرج الحزين لم يعد بمقدوره إضحاك الجماهير فلجأ الى العزلة والمشروبات الروحية حتى التقى صدفة ذات يوم بجارته راقصة البالية اثناء محاولتها الفاشلة في الانتحار، يقوم بمساعدتها فتعيش في منزله يبعث فيها الأمل الذي فقده هو -يسلمها الراية- على عكس المثل القائل فاقد الشيء لا يعطيه، يدفعها لتعود لممارسة الرقص واداء العروض بينما يحتضر هو بصمت وعلى خشبة المسرح بعد أن استعاد ومضات من لحظات مجدٍ قديم يودع جمهوره..

تشارلي تشابلن - 15

فيلم يسبب أساً والماً كبيرين، العظماء يستذكرون بحسرة اياماً ولّت ولن تعود، تُركوا لوحدهم لم يعد أحد يتذكرهم وكأنهم لم يكونوا موجودين في الأصل، ذلك ما شعر به تشابلن تماماً وعلى الرغم من العداوة المعروفة بينه وبين باستر كيتون وهو ممثل ايمائي وكوميدي عظيم عرف في عصر السينما الصامتة، إلا أن تشارلي أحسّ ما يعاني به ذلك الآخر فدعاه ليكون ضيف الشرف في هذا الفيلم في المشهد ما قبل النهائي.

استعاد الإثنان مجدهما في هذا الفيلم قبل أن تودع شخصية المهرج هذا العالم ناسي الجميل، ولم يكن هذا آخر فيلم صنعه تشابلن، تبعه ثلاث أفلام لم تنل أي اهتمام من الجماهير، إحدى هذه الأفلام تحت عنوان A Countess From Hong Kong قام ببطولته النجم مارلون براندو الذي وصف تشابلن بأنه أكثر الأشخاص الذين قابلهم ساديةً ووصفه تشارلي بدوره بأنه “مستحيل”.

قال تشابلن ذات مرة

“سابقى في نظر الجميع شيئا واحداً فقط: مهرجاً، فوداعاً ايها المهرج وداعاً أيها المهرج الحزين.”

بعض المشاهد الاستثنائية لأفلام هذا المبدع الأسطوري:

Final Speech – The Great Dictator

The Lion’s Cage

Charlie Chaplin , Modern Times, 1936″>Smile – Modern Times

The Kid – Charlie Chaplin

Eating Machine

Charlie chaplin dance

0

شاركنا رأيك حول "تشارلي تشابلن الأيقونة الأزلية للسينما الصامتة"