سينما الفضاء المغلق
0

تحمل سينما الفضاء المغلق إحساسًا ما بذلك المكان الوحيد الذي تدور فيه الأحداث المتنوعة وفق إيقاع متصاعد ومثير، إنها تقنية تحتاج إلى الكثير من الإبداع في الحوار، وسيناريو مبني وفق حبكة قوية، ومخرج يملك تراكمًا من الأعمال الناجحة، يستطيع من خلال تقنية الفضاء المغلق نَسْج علاقات نفسية واجتماعية وثقافية متشابكة بين شخوص الحكاية.

من المعروف أن الفضاء المغلق يُفقد الإنسان حريته، فهو يحدد له النطاقات التي يتحرك فيها، بينما يمنع عليه أخرى، ليتصاعد الصراع تباعًا عندما ترغب الشخوص في كسر الحواجز التي وضعت أمامها في المكان الوحيد، سواء تعلق الأمر بقطار أو حفرة أو حتى سجن سيئ السمعة.

يفشل الإنسان في مواجهة الاحتباس الحراري، ومن ثم تدخل الأرض في عصر جليدي جديد، ما يعني نهاية الحياة تقريبًا، لكن رجلًا ثريًا اسمه ويلفورد (إد هاريس) يبشر الجنس البشري بالنجاة، أي أنه صنع للناجين قطارًا ضخمًا فائق السرعة، يحاكي دورة الكوكب حول الشمس، ذلك أنه يلتف حول الأرض دون توقف أو اختلال بسبب الطقس القاتل خارجًا، محتفيًا ببداية سنة جديدة حينما يتم دورته.

الفضاء المغلق يحطم الثلج

فيلم “snowpiercer” أو محطم الثلج، مستوحى من الرواية الفرنسية المصورة “Le Transperceneige” من صنف أدب نهاية العالم وما بعدها، من تأليف “جاك لوب” و”بنجامين ليجراند” و”جان مارك راشيت” عام 1982، بعد بذلك سيقوم المخرج الكوري الجنوبي “بونج جون هو” بنقل الرواية إلى فيلم عام 2013.

SNOWPIERCER فيلم سينما الفضاء المغلق

الآن، آخر الناجين من البشر يقيمون في قطار السيد ويلفورد، الذي يعتبر نفسه إلهًا لبقايا البشر، الذين ينعم الأثرياء منهم بالرفاهية على متن العربات الأولى، وعلى النقيض يتكدس الفقراء في الخلف، حيث أجبروا على الاقتيات من مكعبات البروتين، ذات اللون القاتم والتي تصنع من… دعك تكتشف مصدرها بنفسك إذا لم تشاهد الفيلم بعد!

كم هو قاس وصارم هذا التصنيف الطبقي على متن قطار ويلفورد، ولا يعلم من هم بالخلف أن أولئك المحظوظون يستمتعون بخدمات الترفيه والرعاية ويأكلون الطعام اللذيذ، بينما مواليد القطار لم يتذوقوه، بل لم يرَوا قط في حياتهم البيض واللحم والسمك… لقد سمعوا بها من الكبار، الذين زج بهم منذ سنوات في تلك الصناديق، حيث الأوساخ والفوضى وكل شيء مقيت.

تقوم الثورة تلو الأخرى لكن سرعان ما يقوم رجال “ويلفورد” بإخمادها، مستخدمين الرصاص الحي بلا رحمة، لينقلنا الفيلم من  مفهوم الانقراض المتعلق بالكائنات الحية إلى انقراض الأشياء، بعدما يستنتج “كورتيس” (كريس إيفانس) أن ما تبقى من الرصاص قد استُخدم جميعه لقمع الثورة الأخيرة، بمجرد أن سمع “مسيون” (تيلدا سوينتون)، المتحدثة باسم السيد ويلفورد، وهي تنهر أحد جنود مكافحة الشغب، قائلة: “أخفض سلاحك عديم القيمة هذا”.

كان ذلك بمثابة إعلان لاندلاع الثورة، وعقلها المدبر هو العجوز المقعد مبتور اليد “غيليام” (جون هيرت)، لينضم إلى المتمردين فيما بعد متخصصًا في أمن البوابات “مينسو” (الكوري الجنوبي سونج كانج هو) وابنته “يونا” (كو آه سونج)، كلاهما مدمنان على استنشاق مخدر إلكتروني يدعى كرونول.

انطلقت رحلة الثوار الدموية نحو الأمام، ورأس القطار هو مسعاهم حيث يوجد المحرك، وفق إيقاع متصاعد يفاجئ المشاهد الذي لا يملك أي فكرة تجعله يخمن ماهية الأحداث القادمة، تائهًا بين التهريج وإراقة الدماء والصمت المريب، ومزيج من الفكاهة والرعب في حوار يثير أحاسيسَ متناقضة، عندما تسمع من “كوريتس” بينما ينتشي بتدخين آخر سيجارة تبقت للبشرية، أكرمه بها “مينسو”، أنه يعرف مذاق لحم البشر، والألذ هو مذاق الرضع.

الفيلم، الذي أنتج بشراكة كورية أمريكية، يُخرجنا من الصراع الدموي داخل القطار، إلى مشاهد خارجية ليست أقل قسوة؛ تماثيل جليدية لبضعة أناس تجمدوا وهم يمشون، وأصبحوا فيما بعد عبرةً كلما مرّ القطار بمحاذاتهم سنويًا، كنوع من البروباغندا التي يبثها “ويلفورد” إلى عقول الناشئة من خلال معلمة المدرسة، تلك المرأة الحامل التي تخفي وراء ابتسامتها اللطيفة وعنايتها بالأطفال وكذلك بالوافدين من الخلف، شخصية السفاح المُميت.

دون كيشوت يصارع في الحفرة

كلما رغبنا باختزال طبقات مجتمع عالمنا مترامي الأطراف في مكان وحيد، تحدث الفوضى وتتصاعد إلى القتل والاقتيات على لحم بني جلدتنا، هذا ما حدث أيضًا في الحفرة أو كما تسميها إدارة السجن بالمركز العمودي للإدارة الذاتية، في الفيلم الإسباني “El hoyo” أو “The Platform” أي المنصة، الصادر عام 2019 من إخراج “غالدير غاستيلو أوروتيا”، وتم عرضه لأول مرة في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي 2019، حيث فاز بجائزة خيار الشعب وجائزة جنون منتصف الليل.

the platform سينما الفضاء المغلق

لدينا ثلاث طبقات من الناس غير التي عهدناها؛ هناك من هم بالأسفل ومن هم بالأعلى وأولئك الذين يسقطون. لدى السجين مدة شهر يمكث خلالها في الطابق الذي وضع مع سجين آخر، ومن ثم تقوم الإدارة بنقلهم بينما هم مُنوَّمون تحت تأثير الغاز.

يملك كل وافد جديد إلى هذا السجن سيئ السمعة حرية اختيار شيء ما لاصطحابه طيلة مدة محكوميته، كما يدلي بمعلومات حول أكلته المفضلة، وإذا ما كان يعاني من حساسية من بعض الأطعمة، لكن التدخين ممنوع، وهو سبب مجيء “جورينج” (إيفان ماساغي) الذي وجد نفسه لأول مرة في زنزانة خرسانية تحمل الرقم 48، مع زميل عجوز اسمه “تريماغاسي” (زوريون اجيليور) الذي أوضح له أنهما في مكان لا بأس به، حيث يصلهما طعام كاف لسد الجوع مرة واحدة كل يوم، من بقايا الوليمة التي تجهز على منصة تنزل عموديًا، ولا يتبقى لمن هم بالأسفل سوى الأواني المكسورة، رغم أنه يوجد طعام يكفي للجميع، بالكاد يخرج هؤلاء من زنازينهم السفلية أحياء.

عادة ما يطلب السجناء البنادق والعصي والسكاكين، كما هو الحال بالنسبة لـ “تريماغاسي” الذي ما فتئ يتباهى باختياره لسكين يحد نفسه بنفسه كلما استعمله، بينما اختار “جورينج” رواية “دون كيشوت” للأديب الإسباني “ميغيل دي سيرفانتس سافيدرا”، في مكان غير لائق بمحبي الكتب، “من يُحضر كتابًا لعينًا إلى هنا بحق السماء؟”.

إنه فيلم رعب شنيع مليء بالدماء، تتصاعد أحداثه وقف إيقاع متناسق ومتراكم الوحشية، في فضاء مغلق حيث الجشع والخوف يعلوان فوق كل شيء، حتى ولو صُنّف البطل كشيوعي من طرف ذلك العجوز القميء، إلا أن رحلته بين العديد من الطوابق بدأت شيئًا فشيئًا تؤثر على أخلاقه، أي أنه أجبر على القيام بأمور ما كانت نفسه ستأتيها.

اقرأ أيضًا: تعرف على التفاصيل الفنية التي كانت سبب في نجاح هذه الأفلام الشهيرة للغاية

0

شاركنا رأيك حول "بين القطار والحفرة.. التحدي الأصعب في سينما الفضاء المغلق"