لأول مرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قررت إدارة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ 43، عرض فيلم "C’mon C’mon"، أو "هيا هيا" بالعربية في آخر أيام الفعاليات وذلك ضمن القسم الرسمي خارج المسابقة.

الفيلم من بطولة Joaquin Phoenix، Gaby Hoffmann، Woody Norman، Scoot McNairy، Molly Webster، ومن تأليف وإخراج Mike Mills، وحصل على موقع على IMDb ، 8.1 RATING، منذ عرضه، لتكون مدة الفيلم 109 دقيقة، بالأبيض والأسود لقرار مخرج العمل أن يبتعد بالفيلم عن الألوان الجديدة تمامًا.

مع تعمد المخرج بأن يكون الفيلم مبتعدًا عن الألوان، وأن يغوص في ألوان الأبيض والأسود، لكي يهرب مما يحويه العالم من تكنولوجيا وصخب وأن يتجه إلى الهدوء جامعًا بين الأطفال والبحر والصمت في بعض الأوقات لكي يكون أكثر تعبيرًا عما يريده من مكنون.

بدأ الفيلم بالبطل "خواكين" والذي يعمل كمذيع إذاعي قرر أن يسجل برنامجًا مع الأطفال، عما يفكرون به في المستقبل، لتكن الجمل الافتتاحية للعمل هي "عندما تفكر في المستقبل، كيف تتخيل أنه سيكون؟" ثم ينتقل إلى الطبيعة والمدن والعائلات، وينتهي المشهد بعد أن يسأل: "ما الذي يجعلك سعيدًا؟ يبدو السؤال وجوديًا خفيفًا وقد يأخذه البعض على محمل الهزل والسخرية، ولكن حين يبحث البطل عن إجابة لتلك السؤال من وجهة نظرهم وما الذي يريدون تغييره ستكون الإجابات صادمة.

لم تتخيل كمشاهد في بداية الفيلم كيف ستسير بك الأحداث ولكن بعد العشر دقائق الأولى من العمل تجد نفسك أمام بطل قرر أن يتولى رعاية نجل شقيقته الذي يبلغ من العمر 9 سنوات، لكي تذهب هي إلى طليقها الذي يعاني من مشاكل نفسية وعقلية في مدينة أخرى، دون أن يكون لديه أي معلومات من قريب أو بعيد عن الأطفال.

فيلم هيا هيا

تسير أحداث الفيلم في حالة سردية تجمع بين الماضي والحاضر دون حدوث أي نوع من الارتباك للجمهور، لكي نكتشف أن البطل والبطلة شقيقته قررا أن يقاطعا بعهما البعض بسبب سوء معاملتها هي لوالدتها والتي كانت تعاني من مرض الزهايمر وعدم رضاه على زوجها، الذي حاربت هي من أجله، وانفصلت عنه في النهاية.

صراع النفس البشرية أمام احتياجاتها

لنجد أن فيلم "هيا هيا"، حاول أن يكون معالجًا لبعض المشاكل النفسية والمرضية معًا، حيث كشف معاناة النفس البشرية السلمية وأنانية الإنسان تجاه حبه لذاته وما يتعرض له من التزامات تجاه الأمراض التي يضطر إلى التعاون معها، سواء مع والدتهما التي عانت من الزهايمر، أو زوج شقيقة البطل الذي اضطرت إلى تحمله كي تقنعه للتوجه للعلاج في أحد المصحات النفسية.

وفي اتجاه آخر نجد أن البطل يتخلى عن مدينته التي يعمل بها، ويدخل إلى عالم مجهول بالنسبة له وهو مجالسة طفل، يتعلم معه كيف تسري الحياة من وجهة نظرهم، ويعيش أيضًا مع طفل من نوعية خاصة ليس له أصدقاء سوى الأكبر منه عمرًا، متمرد بعض الشيء، يحاول أن يكون ذا صوت عالي ومسموع وذا رأي.

كما أن البطل والبطلة كل منهما يتنازل مع سير الأحداث عن عنفوانه تجاه الآخر وتجمعهما الظروف للعودة والحديث معًا مرة أخرى، وترك الماضي خلفهما والتأكد من أن المستقبل لا بد أن يجمعهما، وخاصةً بعد أن يقرر الطبيب أن تلازم البطلة زوجها، ويبقى الخال لدى ابن شقيقته حتى علاج والده.

فيلم هيا هيا

الحياة يقودها الأطفال

حاول "خواكين"، وهو يؤدي دور مذيع الراديو أن يقدم جانبًا آخر من الحياة ويجعل الجمهور يراها بعيون الأطفال من جنسيات مختلفة، وحيوات مختلفة، ويروون من خلال نظراتهم كيف ينظرون إلى المجتمع، وما يتعرضون له من تنمر، بالإضافة إلى رغبتهم فيما يودون أن تكون عليه الحياة سواء من سلام أو نظرة إلى نهاية العالم، لنكتشف أننا إذا حكمنا العالم من وجهة نظر هؤلاء الأطفال، سنعيش في سلام وحب، كما أن نظرتهم للحياة تستطيع بسلاسة أن تغير مسار الأشياء جميعًا.

الموسيقى والمزج بالحوار

جاءت الموسيقى ممزوجة بالحوار وخاصة ما يحكيه "خواكين"، في تسجيله عما يدور بحياته وما يقال من الأطفال خلال تسجيلاتهم في برنامجه الإذاعي، وجاءت الموسيقى ملائمة جدًا للأحداث ولم تخرج من إطار العمل، بل أضفت عليه في كثير من الأحيان روح الحنين والألفة والتعاطف مع الأبطال.

فيلم هيا هيا

صرخة النهاية.. رسالة للإنسان بشكل عام

يمكن أن نعتبر أنه بالرغم من وجود رواية إنسانية في فيلم "هيا هيا"، إلا أنه يمكن الجزم بأن الأطفال هم أبطال القصة الحقيقية، سواء ابن شقيقة البطل، أو الأطفال الذين قاموا بالتسجيل الصوتي في البرنامج الإذاعي، لتأتي النهاية بأن يطلب "خواكين"، من نجل شقيقته أن يصرخ وأن يعبر عن غضبه لابتعاد والدته عنه لفترة أطول، مؤكدًا له أنه من حقه التعبير عن غضبه وألا يتكتم بهذا الغضب بداخله، وأن يعبر عن مكنونه الإنساني.