دانييل داي لويس .. دينيرو البريطاني!

0

يتمتع بصفتين تجعلانه موضع حسد في الوسط الفني الاوروبي والأمريكي فلديه الجاذبية من جهة والموهبة من جهة أُخرى، إنه البريطاني دانييل داي لويس أو كما أطلق عليه النقّاد لقب “دينيرو البريطاني”. أول ممثل من أصول غير أميركية حائز على ثلاثة أوسكارات والممثل الوحيد الحائز على جائزة أفضل ممثل في دور رئيسي لثلاث مرات، ومُنح مؤخراً من قبل الأمير ويليام لقب الفارس تقديراً لما قدمّه للسينما طوال مسيرته.

8

منبوذ

اكتشف داي لويس قدرته على التمثيل مبكراً إذ كان بمقدوره تغيير لكنته الإيرلندية بما يتوافق مع لكنة السكان المحليين في بريطانيا وتبنّي عاداتهم وتقاليدهم حتى يصبح من الصعب تمييزه بينهم وذلك أثناء تنقله مع والديه في المملكة المتحدة. هو ايرلندي نصف يهودي انجليزي وهذه الصفة كانت تسبب له الكثير من الضيق والازعاج من قبل زملائه في المدرسة فانكفأ على ذاته وأصبح ذو شخصية كتومة وهادئة، وبدلاً من الإنخراط في المجتمع عاش حياةً بديلة في عالم خيالي ابتدعه بنفسه مما ساعده لاحقاً أثناء الغوص بعمق في الشخصيات التي لعبها.

صرّح داي لويس في إحدى المقابلات:

“إن لم يكن مسموحاً لي بالتمثيل لن يكون لدي مكان ما في المجتمع”.

1

انتقائيّ

كثيراً ما نلحظ فجوات زمنية طويلة بعض الشيء بين أعماله، على سبيل المثال:

من العام 1993 إلى الـ 1996
1997 إلى الـ 2002
2002 إلى الـ 2005
2009 إلى الـ 2012

السبب في ذلك يعود إلى أنه انتقائي جداً في أدواره ويمضي وقتاً طويلاً ويبذل جهداً كبيراً في التحضير لها. استغرق تحضيره لدوره في فيلم جيم شيريدن The Boxer ثلاثة أعوام قام اثنائها بالتمارين والحمية ليظهر بهيئة ملاكم حقيقي وهو الفيلم الرياضي الوحيد الذي قام به. ترشّح الفيلم لثلاثة جوائز غولدن غلوب، وقد كان لداي لويس تعاونات سابقة مع شيريدن في فلميه My Left Foot و In The Name Of the Father.

3

غالباً ما يفضّل داي لويس تجسيد شخصيات واقعية ييبذل جهداً كبيراً في التحضير لها، كالفنان كريستي براون في My Left Foot والسجين جيري كونلون في In The Name Of The Father و بيل الجزار في Gangs Of New York وطبعاً الرئيس الأميركي ابراهام لينكولن في Lincoln.

من المعروف عنه تعلّقه بالشخصيات التي يؤدي دورها ورفضه الخروج منها حتى خارج أوقات التصوير إذ انه واصل التحدث مع نفسه باللكنة “النيويوركية” اثناء تصوير فيلم Gangs Of New York، وأرهق طاقم العمل الذين أجبرهم على دفعه في كرسيّه المدولب وإطعامه عند تصوير My Left Foot، حيث رفض مغادرة شخصية الفنان المُقعد حتى بعد الانتهاء من التصوير.

بداية الشهرة

still-of-juliette-binoche-and-daniel-day-lewis-in-the-unbearable-lightness-of-being-(1988)-large-picture

أول محطاته كانت في الثمانينيات بأدوار غير ملحوظة في بعض المسلسلات المغمورة، شهدنا أول دور بارز له في فيلم للمخرج فيليب كوفمان المقتبس عن الرواية الشهيرة للكاتب ميلان كونديرا The Unbearable Lightness Of Being الذي لعب فيه دور الطبيب توم الى جانب الحسناء الفرنسية جولييت بينوش.

لم يلق الفيلم آنذاك الاستقبال المتوقع بين الجماهير الذين توقعوا رؤية تجسيد دقيق للأحداث وفقاً لما قرؤوا في رواية كونديرا فتركهم الفيلم مشوشين وغير قادرين على اتخاذ موقف منه، وكوني لم أخاطر في قراءة الرواية لمستُ في الفيلم عملاً لطيفاً في سبر أغوار شخصية المرأة العاطفية من جهة وشخصية والرجل الحسي من جهة أخرى وفرز الاختلافات بينهما بشكل مبطّن، وقد تناول الفيلم مواضيعاً أخرى هامة كالثورة والعزلة التي يعاني منها الإنسان المتعطش للعلم والثقافة في مجتمع سطحيّ تملؤه المظاهر. ترشح الفيلم لأوسكارين عن أفضل نص وأفضل تصوير.

77hj0ebhr8XA790vUJZmLyPX1T2

نال داي لويس أول أوسكار له في تجسيد دور كريستي براون في فيلم للمخرج جيم شيريدن My Left Foot المقتبس عن قصة واقعية من حياة الفنان الايرلندي المُقعد كريستي براون. عانى داي لويس من كسرين في عظام الصدر أثناء تأديته للدور وذلك جرّاء وضعية الانحناء المستمرة التي كان يجب أن يبقى فيها طوال مدة التصوير مما جعل أوسكاره مُكتسباً عن جدارة جسدية أيضاً.

لا استطيع انكار صعوبة الدور الذي أداه داي لويس إلا انني شعرت ببعض الملل في بعض الأحيان لدى مشاهدتي للفيلم والحياة الرتيبة التي عاشها كريستي براون قبل اكتشاف موهبته من قبل المجتمع كرسّام وفنان، إذ أن مشاهدة داي لويس وهو يبدع على الشاشة هو ما ابقاني مستمرة حتى نهاية العرض.

أفلام سينمائية لعبت الشوكولاتة بها دور البطولة!

in-the-name-of-the-father

تحفة أفلام السجون In The Name Of The Father ارتقت بداي لويس الى مرتبة فنية أخرى، فإنه وبرأيي المتواضع أكثر أدواره حنكةً، جسّد فيه دور السجين جيري كونلون الذي زُجّ به في السجن ظلماً، حتى ولو أنه لم يحظَ بأوسكار عن دوره في الفيلم بعد ترشيحه الثاني في عالم هذه الجائزة إلا أنه من أكثر الأفلام التي ترسخ في ذاكرة المشاهد وخصيصاً المشهد الذي يزور فيه والد جيري الممثل (بيت بوستلوايت) ابنه في السجن، يستقبله الأخير بوابل من العتاب والتذمر ملقياً اللوم على والده الذي أوصله الى تلك المرحلة من الفشل.

لم أستطع إلا أن أحبس انفاسي اثناء ذلك المشهد مبهورة بصدق تعابير وجهه ولكنة أهل “بيلفاست” التي اتقنها داي لويس-وهو المعروف بتعدد اللهجات وخصيصا تلك التي في المملكة المتحدة وايرلندا، مشهد خالد في تاريخ سينما السجون. حضّر داي لويس لدوره في الفيلم بمكوثه في زنزانة لفترة ما قبل البدء بالتصوير وطلب من طاقم العمل رشّه بالماء وشتمه وتعنيفه لفظياً وذلك للولوج الى نفسية السجين المضطهد. ترشح الفيلم لسبعة جوائز أوسكار إحداها لداي لويس عن دور البطولة.

ميريل ستريب “شحرورة” هوليوود الاستثنائية

still-of-winona-ryder-and-daniel-day-lewis-in-the-crucible-large-picture1

في العام 1996 التقى داي لويس بزوجته ريبيكا ميلر ابنة الأديب الأميركي الكبير آرثر ميلر أثناء تصويره للفيلم التاريخي The Crucible المقتبس عن مسرحية تحمل نفس الاسم للأخير المستوحاة عن أحداث حقيقية عن ممارسة السحر والشعوذة والإعدامات التي تلتها في القرن السابع عشر.

شاركته البطولة واينونا رايدر بعد أن هزمت عدة متنافسات على الدور بينهن درو باريمور، كيت وينسلت، كيرستن دانست، جنيفر لوف هيويت. استُقبل الفيلم استقبالا عادياً كالمسرحية إلا انه ترشح لجائزتي أوسكار احداهما لأفضل نص أصلي للكاتب آرثر ميلر، وجائزة أفضل ممثلة في دور مساعد للنجمة جوان آلين.

ترعرع داي لويس متأثراً بروبيرت دينيرو مشاهداً فيلمه Taxi Driver مرات عدة، وتطلع الى دينيرو كنموذج يُحتذى به.

حيث قال:

“شكّل فيلم Taxi Driver لي ومضةً عما ستكون عليه حال أميركا، لقد أردتُ أن أروي قصصاً أمريكية مثله”.

Daniel-Day-Lewis

حل داي لويس وبمحض الصدفة مكان دي نيرو في تأدية دور بيل الجزار في فيلم سكورسيزي Gangs Of New York الذي تطلّب جهداً كبيراً من دانييل داي لويس وهو بدوره من أجل الدخول بمزاج عنيف وعصبيّ، واستمع الى موسيقى مغني الراب الأميركي الشهير “امينيم” قبل البدء بالتصوير واتقن لكنة اهل نيويورك.

اصابته أيضاً نزلات بردية متكررة لرفضه وضع ملابسٍ ثقيلة على جسده في شتاء ايطاليا القاسي لأنه “لم تكن هنالك معاطف سميكة في القرن الثامن عشر” كما صرّح داي لويس وهو اكثر الأدوار التي التصقت صورتها باسمه (بيل الجزار ذو العين الزجاجية). رُشح الفيلم لعشرة جوائز أوسكار إثنان منهما من نصيب سكورسيزي و داي لويس إلا ان كلاهما لم يفز بأي منها.

الإعلان عن نتائج جوائز الغولدن غلوب 2015

daniel-day-lewis-as-daniel-plainview

في العام 2005 تعاون داي لويس مع زوجته ريبيكا ميلر التي كتبت واخرجت فيلمها الدرامي تحت عنوان The Ballad Of Jack And Rose في محاولة لمعالجة موضوع العزلة والحياة بعيداً عن البشر والقذارة الاجتماعية. شاركته البطولة في الفيلم الممثلة كاثرين كينير، والممثل الصاعد حينها بول دانو الذي لمس فيه داي لويس موهبة استثنائية فاقترحه لدور بول سانداي في أسطورية بول توماس اندرسون There Will Be Blood.

كان هذا العمل ثاني عمل يسبغ على نجمنا أوسكاره المُستحق لتجسيده شخصية دانييل الاقطاعي الذي ذاق الأمرين ليصل الى مرتبة من الثراء غير آبه بالدماء التي تراق خلال عملية اكتشاف أماكن آبار النفط وحفرها، رُسمت شخصية دانييل بشكل دقيق فهو من النوع الذي لا يمكن التعاطف معه تماماً كشخصية اليهودي شايلوك في مسرحية شكسبير تاجر البندقية.

إلّا أنه وبدهاء شكسبير نفسه جعلنا المخرج بول توماس اندرسون نتعاطف معه عندما أبدى الرجل المادي ذو القلب الحجري “دانييل” نوعاً من مشاعر العطف والأبوّة تجاه ابنه المتبنى كاشفاً عن جانب إنساني مختبئ بداخله-ولو بشكل مؤقت بعد أن أُصيب الابن إصابة بالغة أدت إلى فقدانه السمع فنرى-في مشهد لا يتكرر مرة كل حقبة الأب حاضناً ولده وهما ملطخان بالنفط، محاولاً أن يُهدّئ من روعه في مشهد تقشعر له الأبدان. حاز الفيلم على جائزتي أوسكار إحداهما لداي لويس عن دور البطولة.

JENsd

المحطة الأخيرة في مسيرة داي لويس الفنية كانت مع صانع الأفلام المتميّز ستيفن سبيلبيرغ في Lincoln. داي لويس هو بطل سبيلبرغ الوحيد الذي حظي بأوسكار عن تمثيله لدور رئيسي في الفيلم إلا أننا كثيراً ما نبادر في سؤال انفسنا: “من ظهر في فيلم لينكولن؟”

يقولون أنه الأسطورة دانييل داي لويس، أما أنا لا يمكنني الجزم حتى الآن إن كنت شاهدت الرئيس ابراهام لينكولن أم أحداً يجسد شخصيته التاريخية، وإن كان بالفعل ممثلاً فإذاً قد صدقوا حين قالوا أنه أسطورة، من نبرة الصوت للضحكة لحركة اليدين للمشية للنظرة لثورة الغضب النابعة من ثقل ما يحمله من آلام وأسى على إنسانيتنا، يمكنني أن أصف أي ممثل أجاد تفصيلاً واحداً مما ذكرت بالعبقرية، أما أن يجيد كل تفصيل فهذا شخص واحد واسمه دانييل داي لويس. صدّق من لقبّه بدينيرو البريطاني.

مشاهدة ممتعة لبعض المشاهد الاستثنائية لأفلام هذا المبدع الهائل: 

Lincoln (Movie Clip) – Euclid

There Will Be Blood (Movie Clip) – Bury you underground Eli

Gangs of New York – Honorable Men

My Left Foot (Movie Clip) – The Coal Scene

Daniel Day Lewis – The Ultimate Tribute

0

شاركنا رأيك حول "دانييل داي لويس .. دينيرو البريطاني!"