دارين أرنوفسكي وناتالي بورتمان أثناء تصوير فيلم Black swan
0

منذ بداية الألفية الثالثة لمع اسم المخرج والمنتج والكاتب الأمريكي دارين أرنوفسكي في عالم صناعة السينما. عادةً ما تثير أفلامه الجدل والنقاش، حقق معادلة صعبة بكون أفلامه فنية أكثر من كونها تجارية ولكن مع ذلك نجحت أغلب أفلامه على مستوى شباك التذاكر أو على المستوى الجماهيري. يبرُع في ترجمة ما يدور داخل العقل إلى مَشاهد سينمائية.

المخرج دارين أرنوفسكي

شارك أرنوفسكي في كتابة خمسة من أفلامه البالغ عددها سبعة. هنالك عناصر مميزة عادةً ما تجدها في أفلامه، مثل الموسيقار كلينت مانسيل وإبداعاته القوية، وتركيزه على انحرافات النفس البشرية بشكل عام وعلى الهوس بشكل خاص، والمَشاهد الصعبة المليئة بالبؤس والمعاناة والألم.

يخلق جوًا من الإثارة باستخدام بعض التكنيكات في التصوير كالكاميرا التي تُثَبَت في الممثل والتنويع بين اللقطات القريبة والكادرات الواسعة، وأخرى في المونتاج كالقطع السريع أو ما يعرف بـ “Hip hop montage”، ليناسب أفلامه الدرامية ذات الطابع المأساوي التي سنستعرضها لكم في هذا المقال حسب ترتيبها الزمني.

Pi

بوستر فيلم Pi

عبقري الرياضيات ماكس مهووس بالأرقام وبنظرياتها ومقتنع تمامًا أن كل شيء في هذا الكون يمكن تفسيره عن طريق الأرقام بطريقة ما. لا يمتلك حياة اجتماعية ولا يمارس حياته بشكل طبيعي بل كل ما يشغل حياته هو محاولة التوصل إلى شيفرة ما ستساعد على فهم الطبيعة بشكل أسهل وتوقع ما يجري. مما يجعله هدفًا لمنظمات مختلفة تريد الوصول لتلك الشيفرة من أجل أغراض مختلفة.

يقضي ماكس وقته بين حاسوبه العملاق الذي يشغل مساحة كبيرة من شقته، وأستاذه السابق الذي استسلم قبله ولم يتوصل للشيفرة، ومطاردات من جهات مختلفة للحصول على الشيفرة. ووسط هذا يعاني من آلام فظيعة في رأسه، وهلاوس مرعبة، وإغماءات مفاجئة. ليلجأ إلى تدمير نتائجه وإفراغ رأسه تمامًا.

تم إنتاج هذا الفيلم بميزانية عبارة عن مساهمات من أصدقاء أرنوفسكي وعائلته. كما تم تصوير المشاهد الخارجية بوجود شخص يراقب المكان تحسبًا لقدوم الشرطة لعدم امتلاكهم التصاريح. قرر أرنوفسكي صبغه بالأبيض والأسود ليغطي بعض الأخطاء التي كانت سببها الميزانية وأشياء أخرى. لكن كل ذلك لم يمنع إنتاج فيلم مثير ودسم.

Requiem for a Dream

بوستر فيلم Requiem for a dream

يروي الفيلم قصة أربعة أشخاص، هاري وأمه وصديقه وحبيبته، يجمعهم سيطرة الإدمان عليهم وموت أحلامهم تحت تأثيره. يباشر الفيلم مشكلة الإدمان وخطورته النفسية والعضوية وتلاعبه بالإنسان وإذلاله ثم قذفه في الهاوية.

يتكون الفيلم من ثلاثة فصول، أولهم الصيف الذي يتضمن ازدهارهم وصعودهم ومداعبة أحلامهم، ثم الخريف والتدهور والسقوط، وأخيرًا الشتاء وملاقاة كلّ منهم مصيره وموت كل شيء.

نجح أرنوفسكي في جعل الفيلم يشد المُشاهد إلى عالمه ويجعله يتفاعل معه، سواء بالرثاء لحالهم، أو الانتشاء بانتصاراتهم التي تنهار حابسةً أنفاس المشاهدين، أو الحزن الشديد على مصائرهم في النهاية. إخراج وتصوير وتمثيل وموسيقا وسيناريو خلقوا عاصفة شديدة اقنعت الجميع خصوصًا من لم يرضوا عن فيلمه الأول Pi.

العديد من المَشاهد الطويلة المعبرة التي تصور الهروب والحماس والهوس والعذاب. دراما مأساوية شديدة تعبر عن توجه أرنوفسكي الذي ترجمه إلى مشاهد ليس من السهل على الجميع مشاهدتها، لما تتضمنه من عنف ودمار وبؤس شديد يتركون الأثر في نفس كل من يشاهده.

أقرأ أيضًا: روايات تثير شهيتك للقراءة: أفضل روايات الرعب الصادرة في عام 2020

The Fountain

بوستر فيلم The fountain

ثلاثة أشخاص باسم متشابه في ثلاثة عوالم متوازية وثلاثة أزمنة مختلفة -الماضي والحاضر والمستقبل- يبحث كل منهم عن سر الخلود المتعلق بشجرة الحياة وعصارتها. فارس في دولة قديمة يحاول الوصول لتلك الشجرة من أجل ملكته، وباحث يختبر الأشجار المختلفة من أجل زوجته التي تحتضر، ومسافر عبر الفضاء بحوزته تلك الشجرة.

عَمِل أرنوفسكي على هذا الفيلم بعد تشخيص والديه بمرض السرطان، حيث اختبر لأول مرة إمكانية فقد شخص عزيز عليه وبدأ يتساءل عن البقاء والخلود. فيلم معقد بشدة سيتطلب منك قراءة تفسيره ومشاهدته أكثر من مرة.

حاول أرنوفسكي أن يحد من استخدام التكنولوجيا قدر الإمكان في إخراج بعض اللقطات. لم ترض الشركة المنتجة عنه بالكامل ولم توله أهمية كبيرة، وكان بمثابة مسألة شخصية تدور داخل عقل أرنوفسكي قام بعرضها في فيلم.

The Wrestler

بوستر فيلم The wrestler

قصة راندي الرجل الذي قضى حياته كمصارع محترف ولديه شهرة كبيرة ورصيد في عالم المصارعة، ولكنه خسر كل ما هو ليس متعلقًا بالمصارعة. حيث تَقدَم في السن وأصبح يعاني من مشاكل مادية والأهم من ذلك لا أسرة له ولا أصدقاء.

يحاول العمل على إصلاح الجانب الأخير بالتواصل مع ابنته التي لم يهتم بها طوال حياته وبالتقرب إلى امرأة تعمل كراقصة تعري في أحد الملاهي الليلية، خصوصًا بعدما أصبحت ظروفه الصحية لا تسمح له بممارسة المصارعة مرة أخرى.

باعتقادي هذا الفيلم هو أبسط أفلام أرنوفسكي، يكشف جزءًا من عالم المصارعة وجزءًا آخر من العلاقات الإنسانية وجزءًا أهم من النفس ورغباتها. فكان راندي لا يشعر بالحياة إلا في ممارسته للمصارعة رغم خطورة ذلك على صحته، خاصة أنها الشيء الوحيد الذي ظل فاتحًا له ذراعه طوال الوقت. الفيلم لا يخلو من المَشاهد الجميلة ويجعل المتفرج يتأثر بالبطل، ويجعله يفكر في حياته.

Black Swan

بوستر فيلم Black Swan

نينا راقصة باليه تصاب بالهوس وتفقد ذاتها حينما تحصل على الدور الرئيسي في عرض بحيرة البجع، وتسعى لإتقانه والتمكن منه خاصةً أنه يتطلب أداء شخصيتين متناقضتين هما البجعة البيضاء والبجعة السوداء.

تعاني نينا من ضغوطات عديدة تتحكم فيها من مصادر مختلفة، الأم الراقصة السابقة وقلقها على ابنتها، والمدرب الذي لا يهتم بالراقصة كإنسان بقدر ما يهتم بالدور المطلوب، وتلك المهنة بحد ذاتها التي تستهلك صاحبها وتستنزفه.

برع أرنوفسكي في تجسيد الهوس وكيف يؤثر على الإنسان ويُقلق حياته ويضعه في نهاية خطيرة، فنجد نينا التي تقوم بدورها ناتالي بورتمان تصارع نفسها وتؤذيها وتتخيل أشياء ليس لها وجود وتتصرف على أساسها وفي النهاية يسيطر عليها هوسها. وبرع أيضًا في العديد من اللقطات مثل تَنَقُل نينا بين شخصيتي البجعة السوداء والبجعة البيضاء، وتحولها في النهاية إلى بجعة سوداء على المسرح.

Noah

بوستر فيلم Noah

قصة النبي نوح والطوفان الذي سيُهلك البشرية ولكن بسيناريو مختلف. حيث يُكَلَف نوح ببناء سفينة عملاقة وضم جميع الحيوانات إليها استعدادًا للأمطار الغزيرة والماء الذي سيقضي على كل ما وجه الأرض تطهيرًا لها.

لكن عكس النصوص الدينية، لا يصطحب نوح من البشر إلا عائلته ويخبرهم أنهم آخر من سيحيا على وجه الأرض، ظنًا منه أن الإله يريد بداية جديدة للكون في سلام وجمال بعيدًا عن البشر وخرابهم وأنانيتهم. لكن أفراد عائلته يختلفون معه مما يزيد العبء عليه.

لطالما أُعجب أرنوفسكي بشخصية نوح ونظر إليه نظرة مختلفة للتحديات التي وضع بها، فأظهره كإنسان أكثر من كونه نبيًا وركز على مشاعره المتضاربة والاختبارات التي يوضع بها وكيف يتفاعل معها. أثار الفيلم الجدل وتم منع عرضه في بعض الدول لتناوله قصة ورموز دينية بشكل محرف، لكنه يلقي نظرة عميقة على القصة بمنظور إنساني.

Mother!

بوستر فيلم Mother!

كاتب يعيش مع زوجته في منزلهم الخاص يبدأ بالسماح إلى الغرباء بدخول البيت رويدًا رويدًا حتى تصل الأمور إلى مرحلة لا يمكن السيطرة عليها. لا يكتفي الكاتب الأناني بزوجته الجميلة وحبها له وحملها لابنه، بل يريد إحاطة نفسه بالمعجبين حتى وإن كان ثمن ذلك هو تدميرهم للمنزل وإيذائهم لزوجته وقتله لابنه.

يشير أرنوفسكي بالكاتب (خافيير بارديم) إلى الإله، وبالزوجة (جينيفر لورانس) إلى الطبيعة الأم غالبًا، وبدخلاء المنزل إلى الجنس البشري. الفيلم يضع مُشاهده في حالة من التوتر لقساوته وصعوبة مَشاهده التي تُصَوِّر فوضوية الجنس البشري وممارساته البشعة. ظهر ذلك واضحًا طوال الفيلم وخاصةً في مشهد الفوضى الذي استمر طويلًا وخَرَّب فيه مختلف الغرباء المنزل بلا هدف.

كما برع أرنوفسكي في الرمزيات التي يعج بها الفيلم، كقتل قابيل لهابيل وعدم توقف بقعة الدم التي نتجت، كنايةً عن استمرارية القتل والدماء، ورمزية الطوفان، ورمزية آدم والتفاحة وغيرهم. فيلم قوي يستحق نظرة حيادية.

تلك هي مسيرة أرنوفسكي السينمائية التي سبقها عدد من الأفلام القصيرة. ويتبعها حاليًا رحلة إنتاجية بين منتج ومنتج منفذ. ترشح خلالها إلى الأوسكار مرة واحدة ولم يحرزها، لكنه فاز بالعديد من الجوائز الأخرى. مسيرة أغلبها تعبر عن أفكاره الشخصية، وسواء كنت تتفق معها أو تختلف فلا يمكن إنكار أنه مخرج مبدع وذو أفلام عميقة وأسلوب متميز.

أقرأ أيضًا: أفضل أفلام دراما في عام 2020 حتى الآن، قائمة متجددة بأفضل إصدارات السينما

0

شاركنا رأيك حول "دليل أفلام المخرج Darren Aronofsky.. دراما سوداوية تثير تفكيرك"