صورة الأديب المصري أحمد خالد توفيق "العراب"
2

لطالما انتشرت الاتهامات للأعمال الفنية الناجحة في الوطن العربي -خاصة في الآونة الأخيرة- بالاقتباس من الأعمال الأجنبية، خاصة المنتجة في هوليوود سواء الأفلام أو الروايات العالمية، وكأن الإبداع والابتكار أصبح حكرًا على صناع السينما والتلفزيون في هوليوود وحدها دون سواها، وهذا ادعاء باطل دون شك.

أما إذا تشابهت فكرة أو حتى حدث في عمل من إنتاج هوليوود مع أحد الأفلام أو الروايات المصرية الأقدم منه والأسبق في الظهور للجمهور نجد الجميع يشيح بنظره بعيدًا وكأن فكرة الاقتباس من الأعمال المصرية أو العربية هو أمر مستحيل حدوثه، رافعين شعار “عقدة الخواجة” الذي دائمًا ما نعتقد أنه يمتلك في جعبته ما يفوق ما نقدمه بمراحل، أما أكثر المشجعين للفن العربي فربما يكتفي بقول إن الأمر مجرد توارد أفكار لا أكثر ولا أقل.

لكن الأمر يعود للساحة مرة أخرى وبطريقة مختلفة في الواقعة التي تحدث عنها الكاتب المصري أحمد خالد مصطفى عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي Facebook، حيث قال إن هذه المرة لم يتم اقتباس رواية مصرية للأديب المصري الراحل أحمد خالد توفيق فحسب، بل أيضًا الحبكة الخاصة بالقصة واقتباس اسم الرواية وجعله عنوانًا لحلقة تلفزيونية في المسلسل الشهيرة Black Mirror والذي تفخر به الشركة العملاقة نتفليكس! نعم ما قرأته صحيح.

منشور الأديب المصري أحمد خالد مصطفى عن سرقة قصة المتحف الأسود

تناول فكرة لأحمد خالد توفيق في مسلسل Black Mirror، سرقة أم اقتباس أم مجرد صدفة؟

تعود الواقعة إلى العام 2017، حيث قامت شركة نتفليكس بإنتاج حلقة بعنوان Black Museum ضمن حلقات الموسم الرابع لمسلسل التشويق والغموض Black Mirror، وتم عرض المسلسل في 29 ديسمبر من نفس العام، ونالت الحلقة إعجاب المشاهدين للدرجة التي جعلتها تحصد على تقييم 8.7 على موقع IMDB، وهذه الحلقة تحمل نفس اسم قصة أسطورة المتحف الأسود من سلسلة ما وراء الطبيعة والمنتجة من دار نشر المؤسسة العربية الحديثة.

وبمتابعة الحلقة جيدًا ومقارنتها بالقصة التي حملت رقم 60 من سلسلة ما وراء الطبيعة والصادرة قبل حوالي 10 أعوام من تاريخ عرض الحلقة نجد التشابه الكبير بينهما، حيث تحكي القصة عن متحف غريب اسمه المتحف الأسود يقوم بطل القصة رفعت إسماعيل بزيارته ومعرفة أسرار وحكايات المقتنيات الملعونة الموضوعة في فاترينات زجاجية، وهي تعتبر ضمن حلقات الرعب التي قدمها العظيم الراحل أحمد خالد توفيق عبر سلسلة ما وراء الطبيعة.

وأحداث حلقة المسلسل تدور حول زيارة البطلة إلى متحف في مكان مجهول يحمل اسم المتحف الأسود أيضًا، ويحتوي على أغراض ملعونة معروضة في فاترينات زجاجية وتدور الأحداث بنفس الطريقة السردية الخاصة بالقصة، حيث تنتقل الأحداث من لعنة إلى أخرى وهكذا حتى نهاية الحلقة، مما لا يدع مجالًا واحدًا للشك بأن مؤلف الحلقة قد عرف بأسطورة المتحف الأسود وقام بسرقة فكرتها دون أن يذكر اسم أحمد خالد توفيق من الأساس.

كيف تتم سرقة قصة أسطورة المتحف الأسود والتي لم تترجم أبدًا؟!

ربما يبدو الأمر مستغربًا جدًا لكنه منطقي لدرجة كبيرة خاصة إذا ما شاهدنا الحلقة وقمنا بمقارنتها مع أحداث القصة، أما بخصوص أنه لم تتم ترجمة أسطورة المتحف الأسود إلى الإنجليزية على نطاق واسع إلا أن نفس الأمر ينطبق على كافة روايات سلسلة ما وراء الطبيعة والتي قامت شركة نتفليكس بشراء حقوق إنتاجها كمسلسل تلفزيوني في العام 2019 وبعد مدة من وفاة أحمد خالد توفيق في إبريل 2018.

فلماذا قامت شركة نتفليكس إذن بشراء حقوق سلسلة ما وراء الطبيعة التي لم تتم ترجمة قصصها إلى الإنجليزية أبدًا، وتقديمها في مسلسل تلفزيوني عبر شبكتها على الإنترنت في نهاية العام الجاري 2020، لماذا تخاطر شركة نتفليكس بإنتاج مسلسل لمؤلف راحل لم يتم إنتاج أي أعمال تلفزيونية أو سينمائية له من قبل؟

صورة شخصية رفعت اسماعيل بطل سلسلة قصص ما وراء الطبيعة التي ستنتجها نتفلكس

لماذا لم تقم نتفليكس بإنتاج عمل عربي مترجم بدلًا من سلسلة ما وراء الطبيعة الشهيرة لبطلها رفعت إسماعيل والتي اشتهر بكتابتها العراب أحمد خالد توفيق، هل تقوم نتفليكس الأمريكية بالوثوق في أعمال أحمد خالد توفيق أم أنه قد سبق لهم تجربة النجاح معه دون أن يدري هو نفسه، وذلك من خلال حلقة المتحف الأسود وعرفوا أن الرجل لديه أفكار رائعة بحق.

إذًا فقد كانت لدى شركة نتفليكس معرفة مسبقة بأعمال الكاتب أحمد خالد توفيق، وقاموا بدراسة أفكاره جيدًا قبل التعاقد على شراء حقوق إنتاج مسلسل لقصصه، ومن هذه الزاوية يبدو الأمر منطقيًا جدًا وغير مستبعد أبدًا، فالعراب ليس أقل من الأدباء العالميين الذي يتم اقتباس أعمالهم، وكفانا تفاخرًا بالأدب الغربي وحده، فلدينا من العظماء ما نفاخر به أمام الأمم، فنحن بلد نوبل في الأدب فلا ننسى نجيب محفوظ.

أفضل كتب وروايات الأديب د. أحمد خالد توفيق

الأديب المصري العالمي نجيب محفوظ، الحاصل على جائزة نوبل في الآداب

هل سرقت نتفليكس قصة أسطورة المتحف الأسود أم اقتبست فكرتها؟

مما لا شك فيه أن شركة نتفليكس قد قامت بشراء حقوق إنتاج سلسلة ما وراء الطبيعة في مسلسل تلفزيوني من الأساس، لكن لا يجب أن ننسى أن هذا الشراء تم بعد وفاة العراب أحمد خالد توفيق في عام 2018، والحلقة التي يتهم البعض نتفليكس بسرقتها ومنهم الأديب المصري أحمد خالد مصطفى، قد صدرت في عام 2017 وهي الفترة التي لم تمتلك فيها الشركة حقوق القصة.

النقطة الثانية والتي يجب ألا نغفلها وهي أن من شروط الاقتباس أن يتم ذكر صاحب الفكرة الأصلية نفسه، وهو أمر معتاد وشائع في العالم أجمع، فمثلًا في مصر تم إنتاج فيلم الأخوة الأعداء عام 1974 للمخرج حسام الدين مصطفى وتم ذكر اقتباس القصة من رواية الأخوة كرامازوف للأديب الروسي فيودور دوستويفسكي واعترف جميع الأبطال بذلك علنًا، وهو ما لم يتم فعله في حلقة المتحف الأسود الصادرة عن نتفليكس.

فإذا صدقت التخمينات الكثيرة بأن فكرة حلقة المتحف الأسود هي بالفعل مستوحاة بطريقة أو بأخرى من قصة ما وراء الطبيعة التي حملت نفس الاسم وهو الأمر الأقرب إلى الصحة في ضوء المعطيات السابقة، فعندها يعتبر الأمر سرقة للعراب أحمد خالد توفيق والذي لم يحصل على تقدير معنوي على الأقل عن الحلقة التي أذيعت عام 2017.

هل العراب أقل تقديرًا لدينا من ملك الرعب؟

ولا يجب أن نأخذ الأمر ببساطة عندما نتحدث عن سرقة فكرة لأديب مصري، فمن منا لا يعرف الأديب الأمريكي الشهير ستيفن كينج والذي تم إنتاج معظم أعماله تقريبًا في السينما والتلفزيون، ويحتفي به الشعب الأمريكي كثيرًا لدرجة تلقيبه بملك الرعب، فهل العراب أحمد خالد توفيق أقل شأنًا في وجهة نظرنا كعرب؟ وهو الرجل الذي فخر بأنه جعل الشباب يقرأون.

يجب أن نعطي الرجل حقه حتى بعد رحيله عن عالمنا، فهو عراب أدب الرعب في الشرق الأوسط والذي فتح الباب على مصراعيه لجيل كبير من الأدباء الذين تأثروا به صغارًا وطمحوا أن يسيروا على الدرب الذي رسمه بكلماته، يجب أن ندافع عن كل حقوق الأدباء والفنانين المصريين والعرب وأن نعطيهم المكانة الكبيرة التي يستحقون.

المقولة الشهيرة للأديب المصري أحمد خالد توفيق

هل هوليوود بعيدة عن سرقة الأفكار من بلدان العالم؟

ولا يجب أن ننسى أن هوليوود ليست الجنة الموعودة للسينما والتلفزيون، وينبغي أن نتذكر جيدًا أن هناك الكثير من الأعمال التي قامت العديد من شركات الإنتاج الكبرى هناك باقتباسها دون خجل، ولعل المثال الأبرز هو قصة فيلم الأسد الملك التي يتهمهم النقاد في اليابان بسرقتها نصًا من مسلسل الأنمي المعروف عربيًا باسم الليث الأبيض.

ومرورًا بالعديد من القصص الأخرى التي تمت سرقتها دون اعتبار لأحد، ولهذا لا يجب أن نقلل من شأن الفن العربي من أدب وسينما وتلفزيون، وأن ندافع عن الحقوق المعنوية لمبدعينا لو وجد شك مهما كبر أو صغر بأنه تمت سرقة أفكارهم، فهذا أقل ما نقدمه لهم من دعم وتقدير، سلامٌ على روح العراب أحمد خالد توفيق.

2

شاركنا رأيك حول "هل سرقت نتفليكس قصة لأحمد خالد توفيق قبل إنتاج مسلسل ما وراء الطبيعة؟"