مسلسل قيد مجهول
0

قد لا يخفى على أحد فقدان الدراما السّورية روح الإبداع والجرأة التي سبق وأن أثارت إعجاب الجمهور العربيّ سابقاً، إذ تراجعت هذه الدراما مع هجرة العديد من الفنّانين السّوريين خارج البلاد أو توجّههم نحو الدراما العربيّة المشتركة؛ وتحوّلت بمعظمها إلى دراما تجاريّة تقدّم قصصاً مستهلكة أثارت في كثيرٍ من الأحيان تندّر الشارع السّوري وسخريته.

لكن إن كُنت عزيزي القارئ ممّن يؤمنون بأنّ الفنّ يُخلق من رحم الأزمات؛ فلتصبر وقتاً أطول قليلاً على السينما/الدراما السّوريّة إذ أنّ لديها قصصاً كثيرة تعرضها للعالم بعد دخول الحرب السّورية عامها الحادي عشر؛ وإن لم يكن مسلسل “قيد مجهول” أوّل الغيث القادم فهو حتماً سحابة أولى لا يُمكن تجاهلها!

قصّة مسلسل قيد مجهول 

يتكوّن مسلسل قيد مجهول من ثمان حلقات فقط؛ نتعرّف فيها على “سمير” الذي يؤدّي دوره الممثل عبد المنعم عمايري؛ وهو رجل أربعينيّ يجعلك تشعر نحوه بتعاطف ممزوج باحتقار خفيّ إذ تبدو شخصيّته مهزوزة وضعيفة إلى أبعد حدّ؛ وعلى الرغم من كونه متزوّج ولديه ابنة إلّا أنّنا نراه مضطرباً متلعثماً يشكّ في خيانة زوجته التي تلعب دورها الممثلة “نظلي الروّاس” دون أن يجرؤ على سؤالها أو مواجهتها.

ومن العدم تقريباً تظهر أمامنا الشخصيّة الأخرى الأساسيّة في هذا العمل وهي شخصيّة “يزن” التي يلعب دورها الممثّل “باسل خيّاط” والتي يُمكن القول إنّها الشخصيّة المُضادّة لشخصيّة “سمير”؛ إذ أنّ “يزن” واثق من نفسه مندفع في حياته حدّ الطيش، ودون مبرّر مُقنع نجد “يزن” و”سمير” صديقان؛ تشكّل علاقتهما والتفاعل فيما بينهما المحرّك الأساسيّ لأحداث المسلسل.

وبالطريقة نفسها التي ظهرت فيها شخصيّة “يزن” نجد أنفسنا وسط عالم من الأثرياء وأمراء الحرب السّوريين؛ نلاحق خيوط جريمة قتل الفنّانة “رند” ورجل الأعمال “مُثنّى” مع مُحقّقين يظهران بشكل متكرّر ليضجراننا بنقاش غالباً ما يكون غير مفهوم أو غير ذا جدوى حول القضيّة، إذ أنّ السيناريو يبدو في النهاية مُستنداً على الصدفة في سير الأحداث ومليئاً بالثغرات التي حاول الإخراج تغطيتها بمهارة شديدة.

يُمكننا القول إنّ قصّة “قيد مجهول” هي محاولة أخرى من محاولات الدراما تسليط الضوء على مرض الفصام أو اضطراب الهوية التوافقي كما سُمّي في المسلسل، ولعلّ هذه المحاولة لم تكن الأنجح خاصّةً مع وجود أعمال عظيمة سلّطت الضوء على هذا المرض مثل فيلم المخرج الأمريكيّ ديفيد فينشر “fight club” أو الأعمال العديدة المأخوذة عن رواية الكاتبة الإنكليزيّة أغاثا كريستي “خداع المرايا”، إلّا أنّ ما يُحسب لهذا المسلسل ليس فقط جرأته في طرح قضيّة لم نعتد طرحها في الأعمال العربيّة وإنّما قدرته على عرض سوريي ما بعد الأزمة في سياق بوليسيّ اجتماعيّ بعيد عن المظاهر المباشرة للحرب والدمار؛ أي أنّ الأزمة لم تكن العمود الفقريّ لهذا العمل وهو ما اشتاق إليه السوريّون الذين ملّوا من رؤية أنفسهم مُعذّبين وضحايا على الشاشات، وبالتأكيد فإن إبداع عمايري وخياط وغيرهم من الممثلين منح العمل مصداقية وأعطاه قيمة إضافيّة لا يمكن إغفالها.

الإخراج

منذ البداية يبدو هذا العمل مختلفاً عمّا اعتدناه في الدراما السوريّة؛ إذ أنّ الأحداث تتوالى بسرعة واللقطات الزائدة التي لا تُضيف للقصّة تكاد تكون معدومة، كما يبدو واضحاً الاهتمام بالتفاصيل بدءاً من الديكورات والأزياء حتى الجوّ العام الذي يوحي بأنّ الأحداث تجري في دمشق بين منطقتيّ باب توما وساحة المرجة تحديداً؛ رغم أنّ العمل صُوّر في بيروت نظراً “لأمور إنتاجيّة” بحسب تعبير مخرج العمل السدير مسعود.

واعتبر مسعود أنّ “قيد مجهول” يشبه السينما إلى حدّ ما بالطريقة التي قُدّم فيها؛ فهو يتميّز بعنصر التشويق إسوةً بالمسلسلات العالميّة التي تُعرض على المنصات الإلكترونيّة، كما أرجع مسعود نجاح العمل إلى جوّ التعاون الذي ساد موقع التصوير، وعدّ جميع من شارك في المسلسل من كُتّاب وممثّلين وفنّيين شركاءً في نجاح المشروع.

ولعلّ أكثر ما أثار انتباه المشاهدين احتواء المسلسل على العديد من الإسقاطات الرمزيّة الملامسة للواقع السّوري، فعلى سبيل المثال من المشاهد القليلة التي نرى فيها “سمير” و”يزن” مُتفّقان مشهد بحثهما سويّاً عن هويّة “سمير” الشخصيّة التي رُميت بين أكوام النفايات عن طريق الخطأ، أو المشاهد التي تظهر فيها شخصيّة “رحاب” التي تلعب دورها الممثلة هيا مرعشلي والتي صُوّرت بطريقة دفعتنا إلى الحكم عليها واعتبارها امرأة انتهازيّة قبل أن تتكشّف قصّتها ونفهم أنها مجرّد امرأة مستضعفة يستغلّها رئيسها في العمل في ظلّ انعدام قانون يحميها.

كما لم يُضع مسعود فرصة في عرض الفوارق بين طبقات سورييّ ما بعد الحرب؛ فسبر نفسيّة أثرياء الحرب السّورية وعقليّتهم الفوقيّة وجشعهم في مشاهد عديدة، إذ نجد مثلاً أحد التجّار مُستعدّاً لإبرام صفقة عمل مع المتّهم المحتمل في جريمة قتل أخيه، أو نجد في مشهد آخر رجل الأعمال “مثنّى” يقارن بين قيمة تحفة أنتيكا يملكها وقيمة حياة “سمير” الجاهل على حدّ تعبيره؛ ولا يتوانى عن التعدّي عليه وصفعه أمام ضيوفه؛ وهو ما يمنح “سمير” المبرر لقتله فيما بعد في تنبّؤ واضح لما ستحول إليه الأحوال إن استمرّ الوضع الاقتصادي في سوريا على ما هو عليه.

انتقادات مسلسل قيد مجهول

مسلسل قيد مجهول

تعرّض مسلسل قيد مجهول منذ بداية عرضه في 18 آذار/ مارس إلى انتقادات عديدة بسبب جرأته التي لم يعتدها المشاهد العربيّ، فأثارت إحدى لقطات المسلسل التي تعرض شخصيّة “سمير” في حمّام منزله جدلاً واسعاً وأصبحت بين ليلة وضحاها موضوعاً رائجاً على مواقع التواصل الاجتماعي، إلّا أنّ الممثل عبد المنعم عمايري اكتفى بأن قال: “لست أنا من مثّل هذا المشهد وإنما سمير” موضّحاً أن الشخصيّة كانت تتطلّب منه ذلك.

وكان عمايري قد صرّح سابقاً في إحدى لقاءاته أنّه تواءم مع شخصيّة “سمير” إلى درجة كبيرة ممّا سبب له أزمة نفسيّة ودفعه إلى مراجعة طبيب نفسيّ بعد انتهاء التصوير، إلّا أنّه كان راضياً في النهاية عن ردود الفعل على المسلسل واعتبر أنّ “قيد مجهول” أنصفه ومنحه حقّه.

يُذكر أنّ مسلسل قيد مجهول هو التجربة التلفزيونيّة الأولى للمخرج السدير مسعود ابن الممثل السّوري غسان مسعود؛ وهو من مواليد عام 1994 وخريج قسم الإخراج في الجامعة اللبنانيّة الدولية وكليّة العلاقات الدولية والعلوم الدبلوماسية في جامعة القلمون السوريّة، وسبق له أن مثّل في عدد من الأعمال التلفزيونيّة مثل مسلسل “حلاوة الروح” ومسلسل “أحمر” كما سبق له أن أخرج عدداً من الأفلام السينمائيّة والإعلانات التلفزيونيّة.
رغم الانتقادات الواسعة التي أثارها المسلسل إلّا أنّه لا يُمكن إنكار إعادته الدراما السوريّة إلى الواجهة بعد حالة الركود التي كانت تمرّ فيها؛ إذ تمّت دبلجته إلى عدّة لغات ليتمّ عرضه عالميّاً كما عدّه كثيرون نقلة نوعيّة من أسلوب المماطلة والـ 30 حلقة التقليديّ إلى أسلوب التكثيف والتشويق الذي يحترم عقل المشاهد ووقته.

أقرأ أيضًا: ين السبعينات والتسعينات: أفلام من الحقبة الذهبيّة للسينما السّورية

0

شاركنا رأيك حول "مسلسل قيد مجهول من العربية إلى اللغات الأجنبية: هل أعاد الدراما السورية لسابق عهدها؟"