فيلم Dunkirk … صفعة لكل من ظن أنّ الدهر قد أكل على أفلام الحرب العالمية الثانية

فيلم Dunkirk
4

منذ أن تم الإعلان عن بداية تصوير فيلم Dunkirk وعشاق السينما ينتظرون بترقب شديد ظهور تحفة كريستوفر نولان الجديدة، هذا الأخير الذي أصبح مرادفًا للسينما الراقية التي تجمع بين متعة المشاهدة والعبقرية السينمائية. لكن هذا الترقب كان مصحوبًا بنوع من القلق والحذر، فهل من الممكن أن يقدم نولان أفضل مما قدمه بالفعل؟ هل من الممكن أن يتفوق على نفسه وعلى أفلامه التي وجدت مكانها بكل سهولة بين لوائح أفضل الأفلام على الإطلاق؟

كانت هذه هي الأسئلة التي كانت تراودني لأنّني -كالجميع- أحب نولان. لكن سمعته المرتبطة بالأفلام الممتازة جعلت التوقعات الدائرة حول فيلمه الجديد تبلغ مستويات عالية جدًا بشكل مبالغ فيه لدرجة تجعلنا نصاب بالإحباط إذا كان الفيلم “جيدًا”؛ لأنّنا لن نرضى سوى بالنتيجة الممتازة والأسطورية كالعادة، إلّا أنّني بعد مشاهدتي للفيلم صدمت لكونه قد تجاوز هذه التوقعات بالفعل، وعلي أن أعترف أنّني للمرة الأولى أشعر أنّني محظوظة لأنّني ولدت في هذا الزمن بالتحديد، لا لشيء إلّا لأنه زمن ولادة أعمال نولان التي تذكرنا في كل مرة بالسبب الذي يجعلنا نحب السينما.

لقطة طويلة

بوستر فيلم Dunkirk

منذ الوهلة الأولى التي يبدأ فيها الفيلم تجد نفسك بالفعل في عمقه، فلا وجود لمقدمة أولية لفهم إطار القصة، ولا وجود لمشاهد تمهيدية للحدث “الأهم” والرئيسي للفيلم، فالفيلم لا يسمح لك حتى بالاسترخاء  لفهم الجو العام للفيلم في انتظار بداية الأحداث، بل إنّه يتمكن من كسب تركيزك التام من أول مشهد، وصدقني لن تتمكن من إبعاد عينيك أو الالتفات بعيدًا عن الشاشة ولو للحظة واحدة منذ بداية الفيلم حتى نهايته، وياليته لا ينتهي !

تدور أحداث الفيلم الذي تم إنتاجه بشكل مشترك بين الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، فرنسا وهولندا، حول عملية دينامو أو انسحاب دانكيرك التي تطلب سحب القوات البريطانية وتمكينهم من الفرار من شاطئ دانكيرك بعد أن تمت محاصرتهم من طرف القوات الألمانية عقب هزيمتهم على يد هذه الأخيرة في معركة فرنسا سنة 1940، ولهذا فقد ركز الفيلم على هذا الحدث فقط ولا شيء غيره، بمعنى أنّ الفيلم بأكمله يدور حول عملية إنقاذ وترحيل الجنود البريطانيين، دون الحاجة إلى إظهار المعركة التي أدت إلى هذا الانسحاب أو صور المصابين والأموات، فقط عملية انسحاب دانكيرك! هذا هو “الحدث الأهم”، ولا شيء غيره، بل إنّنا طوال مدة الفيلم لا نشاهد جنديًا ألمانيًا واحدًا، بل ما نشاهده هو أشبه بلقطة طويلة دون بداية أو أحداث في الوسط لتفصل بين أحداث هذا الانسحاب؛ وذلك لأنّه -مرة أخرى- هو الحدث الرئيسي و”الوحيد” للفيلم.

من هو البطل؟

ممثلي فيلم Dunkirk

سأجيب دون مقدمات المشاهد هو البطل! نعم. هذا صحيح، لا يوجد بطل في هذا الفيلم، صحيح أنّ هناك بعض الشخصيات الرئيسية هنا وهناك لكنها ليست أبطالًا للفيلم، نحن هم الأبطال، وهنا ليس الأمر بتشبيه بل أنا أقصد ذلك بالفعل، ففي الواقع يمكن حساب الحوار الدائر بين الشخصيات على رؤوس الأصابع. لكن الفيلم يجبرنا نحن على أن نشعر وكأنّنا داخل أحداث الفيلم بالفعل. أنا لا أمزح، فقط تخيل أنّك قد وضعت نظارات الواقع الافتراضي، هل تلاحظ كيف يبدو ما تراه واقعيًا جدًا؟

هكذا يبدو فيلم دانكيرك! فالفيلم عبارة عن تجربة سينمائية فريدة وخاطفة للأنفاس أكثر من كونه فيلمًا يحكي قصة حقيقية كغيره من الأفلام الحربية، وهو ما يتمثل أيضًا على مستوى تصميم الصوت، فكل شيء يبدو حقيقيًا جدًا: صوت الرصاص، صوت الطائرات، صوت الانفجار وصوت المياه، كلها تبدو واقعية بشكل يجعلك تشعر وكأنّك شخصية من شخصيات الفيلم، وكأنّك أنت أيضًا تواجه الخطر وترغب فقط في الفرار من هذا المكان الملعون والوصول إلى بر الأمان.

فيلم Dunkirk حربي أم رعب نفسي؟

بوستر فيلم Dunkirk

على الرغم من تشكيك الكثيرين في القدرة على صنع فيلم حربي بتصنيف PG-13، تمكن نولان من فعل ذلك، وبنتيجة خرافية دون أن يحتاج لأي مشاهد دامية أو أشلاء متطايرة هنا وهناك أو صور الضحايا والأموات، ودون أن يظهر لنا أي مشهد يحكي فيه أحد الجنود عن الويلات التي عاناها أو عن العائلة التي تنتظره بشوق، وقد تمكن كريستوفر من تحقيق هذه المعادلة الصعبة عن طريق اللجوء إلى تقديم الفيلم بالأساس تحت غطاء التشويق والرعب النفسي.

فيلم Dunkirk يأخذنا بصحبة موسيقى هانز زيمر الهائلة في رحلة إلى العمق النفسي لأشخاصٍ مهزومين جائعين ومتعبين لا يريدون شيئًا سوى الهرب والوصول للوطن، في الوقت الذي تقوم فيه القوات الألمانية بفعل كل ما في وسعها لإحباط هذا الهرب، وقتلهم على الشاطئ، مما يجعلنا نعيش معهم مشاعر الخوف، الأمل، الإحباط وحتى الخزي باعتبار أنّهم جنودٌ تم إرسالهم للدفاع عن الوطن. لكنهم هم الذين أصبحوا في حاجة إلى من ينقذهم.

كما ذكرت سابقًا الحوار في هذا الفيلم محدود جدًا، ونحن بالكاد نعرف أسماء بعض الشخصيات. هذا إذا اعتبرنا أنّه قد تم ذكرها أصلًا، والسبب أنّ هوية هذه الشخصيات لا تهم، فهم غير مميزين ولا فرق بينهم وبين الجنود الآخرين، أمّا نقص الحوار فيعود للواقعية التي تطبع الفيلم، فمن الطبيعي والمتوقع أن يغيب الكلام في ظروف مماثلة يحاول كل فرد فيها النجاة بنفسه، وقد ساهمت هذه الواقعية المخيفة بشكل كبير في إضفاء الطابع القاسي والمرعب على الفيلم، باعتبار أنّ ما يخيف في هذا الفيلم ليست هي المعارك، بل هي الحرب النفسية التي يعيش فيها هؤلاء الجنود الذين يتشبثون بالأمل في كل لحظة قبل أن يتم انتزاعه منهم في اللحظة التالية.

لمسة نولان

اخراج كريستوفر نولان فيلم Dunkirk

بما أنّك تشاهد فيلمًا لكريستوفر نولان فلا تتوقع إلّا أن يقوم باللهو بعقلك بعض الشيء، وإجبارك على وضع تركيزك الشديد على الفيلم حتى تتمكن من فهمه والاستمتاع به بشكل كامل، تمامًا كما سبق له أن فعل مع أفلام Memento ،Inception، و Interstallar، حيث قام في Dunkirk بتقسيم أحداث الفيلم إلى ثلاثة أزمنة مختلفة وثلاثة أماكن مختلفة، وتقديم عدد كبير من الأحداث من ثلاث زوايا ووجهات نظر مختلفة، بحيث أنّ أحداث الفيلم تدور بين الأرض والسماء والبحر.

في الأرض، نتابع لمدة أسبوع محاولات هرب الجنود وترقبهم لوصول المساعدة، في السماء نتابع لمدة ساعة ثلاثة طيارين بريطانيين نحو فرنسا لإغاثة الجنود، وفي البحر نتابع لمدة يوم رحلة مالك قارب سياحي إلى دانكيرك تلبيةً لطلب تشيرشل أن يقوم البحارون المدنيون بالتوجه لفرنسا لإنقاذ الجنود، وأفضل أن لا أقوم بالشرح بشكل أكبر حتى لا أحرق عليكم مفاجآت الفيلم.

بالنسبة للشخصيات (الكثيرة جدًا)، أود الإشارة بالأساس إلى توم هاردي (الذي تم تغطية وجهه مرة أخرى في هذا الفيلم)، والذي قدم دورًا سهلًا ممتنعًا باعتبار أنّ معظم انفعالاته وتحركاته كانت ظاهرة على مستوى عينيه وحاجبيه فقط، كما أود الإشارة إلى فيون وايتهيد الذي من المرتقب أن نشاهده في أفلام كثيرة مستقبلًا بعد الأداء القوي -الدافئ الذي قدمه، كما أود الإشارة إلى هاري ستايلز عضو فرقة One Direction الذي لم أكن أتوقع منه أي شيء، إلّا أنّه فاجَأني بأداء لا بأس به في الحالة العادية،  لكنه يعتبر ممتازًا بالنسبة لشخص لا يملك أي تجربة تمثيلية.

في النهاية، رجائي إليك عزيزي القارئ هو أن تتوجه إلى قاعة السينما -إذا كنت تملك الإمكانيات لفعل ذلك- لمشاهدة الفيلم، بدل أن تظلمه بمشاهدته في المنزل، فكما ذكرت تكمن روعة Dunkirk بالأساس في تأثيراته الصوتية والبصرية التي تم استعمال طائرات وسفن حقيقية من أجل اكتمال روعتها وتأثيرها، والتجربة السينمائية المختلفة التي صمم خصيصًا من أجلها، والتي لا يمكن تقديرها والاستمتاع بها إلّا في قاعة السينما، المكان الذي يملك الإمكانيات الكاملة ليعرض لك الفيلم تمامًا كما من المفترض أن تشاهده.

4

شاركنا رأيك حول "فيلم Dunkirk … صفعة لكل من ظن أنّ الدهر قد أكل على أفلام الحرب العالمية الثانية"