“محمد أمين” مرآة سينمائية للجيل ماضيًا وحاضرًا

أفلام المخرج محمد أمين
1

أن يرى المخرج نفسه وجهةً لأعماله هذا يعنى أنّ العمل سيُمثل فكرًا مرسخًا في عقل المخرج، يعبّر بدوره عن ما يتبناه من مبادئ، وقد تكون أفلامه مرآةً تنعكس عليها ما يشغله من قضايا اجتماعية وسياسية، فأسلوبه في تقديم مثل هذه القضايا أساسه رؤيته العامة لكل ما تدور حوله الحياة، وطغيان فكر المخرج هكذا إمّا أن يتسبب في محوْ شخصية الممثل؛ لأنّه يصعد على الشاشة لتقديم رؤية المخرج فحسب، أو أنّ الموضوع سيذهب لما هو أفضل من هذا، من تجسيد لرؤية المخرج واتّباع أسلوبه، وفي الوقت نفسه يحتفظ الممثل بحضوره المستحق، وهذا بالضبط الجوْ العام الذي يخلقه المخرج محمد أمين في أفلامه.

صورة من فيلم ثقافي
يتكوّن تاريخ محمد أمين الإخراجي من أربعة أفلام قام أيضًا بتأليفهم، فهو ينتمي بهذا إلى مدرسة سينما المؤلف كما يغلب على أفلامه الواقعية في اختياره لموضوعات أفلامه، وأكثر ما يُميّز أفلام أمين الحوار، فدائمًا ما تكون جُمله الحوارية أصدق في التعبير عن القضيّة التي يطرحها دون محاولة لتجميل الواقع، بالإضافة إلى ابتعاده عن الكليشيه لإيصال فكرته، بل إنّه يمتزج مع ممثّليه.

وقد صنع هذا المزيج “فيلم ثقافي” أولى تجاربه السينمائية وأفضلها، بل إنّه من أفضل أفلام الألفية الجديدة التي مسّت الشباب وقتها؛ لمناقشته قضية انتشار مشاهدة أفلام الفيديو الإباحية بين الشباب نتيجةً لتأخر سن الزواج، وانتشار البطالة. كان الفيلم مركزًا حواريًا بشكل أكثر من جيد حتى أنّه لا يمكن محوْ جملة من جملهِ، رغم تشعّب عدة نقاط من فكرته الرئيسية، وحتى الإيفيهات الموجودة لم تكن مبتذلةً بالمرة، وإنما كانت مبتكرةً تظهر سكّة الكوميديا الخاصة بكل وجه شاب في الفيلم، إذا شاهدت الفيلم عشرات المرات لا يمكن أن تملّ، ومن الممكن أن تضحك على إيفيهات لم تضحك عليها من قبل لكونها مصنوعةً من أجل الموقف الخاص بها فقط دون إقحام للكوميديا، فهو فيلم ذو إيقاع مشدود تملأه فكرته، ليس خاويًا أو مجرد فيلم شبابي “والسلام”.

فيلم بنتين من مصر
فالفكرة عند أمين تنطلق من اسم الفيلم ومنه تنبثق محاور أخرى أكثر علاقةً بالفكرة الرئيسية وهي ما تُثري حواره، فإذا توقفنا عند فيلم “بنتين من مصر”، فقد كانت الانطلاقة من هاتين البنتين، ومنها إلى البطالة التي يعاني منها الشباب، وهيَ العامل الرئيسي في تأخّر سن الزواج، والهجرة غير الشرعية التي يلجأ لها الشباب بحثًا عن عمل، ظنًا منهم أنّ هذا هو الحل، وأنّه أفضل من استمرارهم في هذا البلد الذي يلتهم الأحلام، ويقضي على المستقبل، لا يعلمون أنّهم سيصطدمون بالنهاية في الطريق، فيضعنا أمين أمام الأزمة، ويطرح أسبابها، والتي هي في حد ذاتها مشكلات أخرى مولّدة للأزمة التي يعالجها في فيلمه.

فيلم فبراير الأسود
وهوَ الحال نفسه في “فبراير الأسود” ستجد أنّ في فبراير حلّت النكبة بأسرة حسن (خالد صالح)، والتي قد تحل بأي أسرة لا تنتمي إلى الثلاث منظومات الآمنة اللائي تم الإشارة إليهم داخل الفيلم، وهم (منظومة الجهات السيادية، منظومة العدالة، منظومة الثروة) لو أنّك لستَ من هؤلاء، لا تُطالب بأي حق لك في الحياة من الأساس بل واسعى أن تكون من هؤلاء كي تعيش مطمئنًا كما حاولت أسرة حسن، فتعدّدت المحاولات والبؤس واحد، خلال المحاولات تتشعب المحاور الأخرى، مثلًا هناك محورها الرئيسي وهو إهمال العلم والعلماء والعودة بهم إلى الخلف في حين تحتفظ جميع الجهات السيادية بكل حقوقها في الحياة بل وأكثر من حقوقها، كما تم الإشارة إلى عدة محاور أخرى مثل: فساد الإعلام، وتزوير الانتخابات، وإلصاق التهم السياسية للمواطنين، كل هذا تم المرور عليه بأسلوب ساخر في سياق الأحداث دون الشعور بأنّه تطرق لها عنوةً، فكانت كل محاولة من أسرة حسن حتى يصبحوا من الفئات الآمنة تبوء بالفشل بسبب محور من أولئك، بهذه الصورة تصبح أفلام محمد أمين دسمةً بهذا القدر.

فيلم ليلة سقوط بغداد
اختلف “ليلة سقوط بغداد” بعض الشيء – التجربة الثانية لأمين بعد فيلم ثقافي – حيث كانت نقطة الانطلاق نعم من سقوط بغداد، ولكننا ظللنا واقفين عندها ربما لأنّ هذه المرة هو حدث لا بدَّ وأن يهز قلب كل عربي حتى لو لم يكن مواطنًا ثوريًا، فهاهي بغداد سقطت في يد الأمريكان، وهي المصيبة التي قد تصيب أيًّا من الدول العربية، ولا بدّ لها من رادع كما كان يبحث طارق (أحمد عيد) في الفيلم صاحب العقل العبقري غير المُقدَّر في مصر.

مَن قدّره وشعرَ بأهمية وجوده هو من أحس بالمشكلة الكبيرة التي قد تلحق بمصر لو باتت دون سلاح رادع يقف سدًا منيعًا أمام من يرغب في الأذى، فحكومتنا لديها من المشاغل ما يكفيها، إنما حماية مصر هو أمر عارض تتحمل عناءه إذا لزم الأمر فقط، أمّا الآن فمن وجهة نظرهم الوضع لا يتطلب هذا، فأسند أمين في فيلمه مهمة التأمين والحماية لبعض مواطني الدولة ممن يهتمون بأمر بلدهم لكن كما قلنا دون الميل للكليشيه، حيث كانت شخصية طارق مثال لكل الشباب، تخرّج في الجامعة ولم يجد عملًا فأصبح تعاطي المخدرات هو ما يشغل يومه إلى جانب التفكير في الجنس المحروم منه، أي أنّ أمين لم يرسم لأداء هذا الدور شخصيةً مثاليةً تسعى لحياة أفضل من قرارة نفسها، وإنما دائمًا ما يقدم شخصيةً يعرض سلبياتها قبل إيجابياتها كل هذا – كعادة أمين – تم في إطار كوميدي ساخر.

ما يُميّز محمد أمين أيضًا أنّه لا يقف إلى جانب أبطال أعماله بشكل مبالغ فيه لإنصافهم، أو عرضهم على أنّهم مجرد ضحايا، هو فقط يعرض كل الأنماط الموجودة في المجتمع ولمحات عن أسباب وصولهم لمراحل البؤس والإحباط الذي يصيبهم، مثلًا في “فيلم ثقافي” لم يترك الفيلم نوعًا من الشباب إلّا وقدمه، فقدّم الثُلاثي المحبط أبطال العمل أحمد عيد، وأحمد رزق، وفتحي عبد الوهاب على حدٍ سواء، ورغم اشتراك الثلاثي في مواصفات واحدة لكن كلًا منهم كان مكملًا للآخر، كما أوغل شخصية إبراهيم يسري بسلاسة داخل أحداث الفيلم وكأنّها امتداد لحياة الثلاثي المحبط وأمثالهم إذا ظلوا على حالهم دون تمرّد، وقدم شخصية “جمال المكتئب” الناقم على حاله وقام بتلخيصه في جملة واحدة جاءت على لسانه “مبقتش أقدر أتفرج على الدنيا من برا”، وإلى جانب هذا وهؤلاء قدم شخصية طارق شقيق أشرف (فتحي عبد الوهاب) وهو شاب رافض أن يصبح نسخةً من أخيه، رغم أنّ الظروف الصعبة نفسها تسري عليه لكنه قرر أن يصنع مستقبله، ويواجه ظروفه المحبطة، فلم يكن هدف أمين من عرض ظروف الثلاثي المحبط أن يقوم المجتمع بمواساتهم، بل إنّه هدف إلى إظهار الشباب متفاوت في تعامله مع الظروف التي تحيط به، وأنّ قدرات احتمالنا ليست واحدةً، وهنا من المفترض أن يأتي دور المجتمع بمد يد العون لهم لانتشالهم من مستنقعهم الغارقين فيه.

في هذا الإطار أيضًا صوّر أمين شخصيات فيلم “بنتين من مصر” فقدم الفتاتين حنان وداليا اللّتين تعانيان من الأزمة التي يعاني منها نسبة كبيرة من بنات مصر ألا وهي تقدّم العمر بهم دون زواج، وقدّم هنا مرةً أخرى امتدادًا للفتاتين، جارتهما التي تعيش بمفردها، وكما يقول المجتمع فاتها قطار الزواج، يربطهم جميعًا مشاعر الفراغ العاطفي، والحرمان الجنسي، تخلى أمين هذه المرة عن الإطار الكوميدي الساخر، فالأمر لا يحتمل السخرية، هذه المرة كبرت المأساة، حتى أنّه ألقى الضوء على الفراغ العاطفي والجنسي الذي يشعر به الرجال غير القادرين على الزواج مبكرًا، وجعله يتمثل في الشخصية التي قدمها أحمد وفيق، بالفعل أشار أمين إلى هذا مسبقًا في “فيلم ثقافي”، لكن الفرق هذه المرة أنّه وضع أزمة الجنسين جنبًا إلى جنب، فهي مشكلة يعاني منها الجيل بأكمله بعيدًا عن النوع.

محمد أمين مخرج ومؤلف مهموم بقضايا جيله، والأجيال المتعاقبة عليه. خرج أمين بأعماله من التصنيف المخزي للأفلام من حيث أنّها إمّا أن تكون أفلامًا تجاريةً فقط، أو أفلام على مستوى فني عالي لكن إقبال الجمهور عليها ضعيف، فشملت أفلامه الاتجاهين الفني والتجاري معًا، ومن ثم فرؤى أفلامه تنم عن عقلية فنية واعية لصاحبها وإن صادفها بعض الهفوات أو السقطات العابرة، وفي الوقت نفسه تحقق قاعدةً جماهيريةً لا بأس بها تنتظر عودته مرةً أخرى للسينما بوصفه مرآة منصفة لنا.

1

شاركنا رأيك حول "“محمد أمين” مرآة سينمائية للجيل ماضيًا وحاضرًا"

  1. محمدسعيد حسن

    محمد أمين صانع أفلام ذات قيمة مهما تختلف مع رؤيته. هو أحد القلائل الذين يمكن تصنيفهم تحت عنوان سينما المخرج مثله مثل يوسف شاهين فى أفلامه الأخيرة وتوفيق صالح فى مجمل أفلامه (القليلة) على سبيل المثال. فهو مخرج له رؤية ورأى ويحاول الالتصاق بالمجتمع وتحسس هواجسه وأوجاعه. وهذا النوع من الفن تراه قليلاً متقطعا لاهث الأنفاس دائماً فمن يستطيع أن يكسر تابوهات السينما التجارية وأصنامها وموجاتها وانحطاطاتها ليعطيك فنا ذا مذاق وحرفة ليمتعك اللهم إلا قليلا بين الحين والحين..

أضف تعليقًا