بوستر فيلم الفيل الأزرق
0

في الستينات كانت السينما المصرية تعتمد على الإنتاج الأدبي الغني كمًا وكيفًا في هذه الحقبة، ويرجع لذلك لعدة عوامل أهمها عدم شيوع تعلم فن السيناريو ونقص كتّاب السيناريو المحترفين في مقابل غزارة المشهد الأدبي وامتلائه بكتّاب من أصحاب القامات الأدبية العملاقة. وعندما أُنشئ التليفزيون المصري وبدأ بثه في منتصف الستينات تتبع نفس خط سير السينما واستمر في النهل من النهر الأدبي المصري. 

الآن وبعد هذه المرحلة الزمنية بحوالي ستة عقود كاملة تعود السينما والدراما التيليفزيونية للنهل من معين الأدب، وفي هذا المقال نحاول من خلال أراجيك تتبع الظاهرة والوقوف على أسبابها وربطها بمعطيات العصر.

أصل وصورة … أشهر الأفلام المصرية المقتبسة عن أفلام أجنبية

ذات – صنع الله إبراهيم

بالطبع كانت هناك محاولات للتعامل مع النص الأدبي وتحويله إلى عمل درامي قبل مسلسل ذات المأخوذ عن رواية بنفس الاسم للأديب الكبير صُنع الله إبراهيم، والذي أُذيع لأول مرة في عام ٢٠١٣ ولاقى إعجاب واستحسان الجماهير والنقاد، وقد كتبت له السيناريو مريم ناعوم ومن إخراج القدير خيري بشارة وكاملة أبو ذكري.

يتناول العمل رحلة زمنية عبر عصور مصر لكفاح وتطور المرأة المصرية مع تغيير التحديات التي تقابلها. ولأن كتابة عمل بمثل هذه الموسوعية والخلفية التاريخية العريضة التي تصل لحوالي مئة عام يحتاج إلى كاتب قد عاصر هذه الوقائع ويحتاج أيضًا إلى سرد تفصيلي، فقد كان من الحتمي الاقتباس من عمل أدبي لأن إنجاز مثل هذا العمل سوف يكون شبه مستحيل ليقوم به كاتب سيناريو، وبالتالي كانت مهمة مريم ناعوم إلى حد ما أسهل في توصيل المطلوب وهو ما نجحت فيه بامتياز.

أدباء الستينات مرة أخرى

ما بين عامي ٢٠١٦ و ٢٠١٧ يعود عمالقة أدب الستينات إلى المشهد مرة أخرى، ويتم إنتاج ثلاثة مسلسلات مقتبسة من ثلاث روايات ناجحة جدًا، وهي ”أفراح القبة“، ”واحة الغروب“ و ”لا تطفئ الشمس“ للكُتّاب نجيب محفوظ، بهاء طاهر وإحسان عبد القدوس. ويتصدى محمد أمين راضي لكتابة سيناريو الأولى ومريم ناعوم وهالة الزغندي للثانية بينما تكفل تامر حبيب بكتابة مسلسل لا تطفئ الشمس.

وبالنظر على مستوى كتابة المسلسلات الثلاث، فإننا نجد تميّزًا شديدًا واجتهادًا من كتاب السيناريو لتوصيل أفكار الروائيين لجمهور جديد عبر وسيط جديد في زمن مختلف تمامًا. وللمرة الثانية بعد ”ذات“ يتم استخدام الأزمنة والأماكن التي تحدث فيها هذه الروايات لكي تعبر عما يحدث حولنا الآن، برغم حفاظ راضي وناعوم/الزغندي على نفس الزمن وتعديل تامر حبيب الأحداث إلى الوقت الحاضر.

وكانت هذه إشارة أخرى لكي يستمر المنتجون في البحث عن نصوص روائية لكي يتم إنتاجها طالما لاقت هذه الأعمال القبول لدى المشاهد.

التحوّل إلى الأكثر مبيعًا

صدرت رواية الفيل الأزرق لأحمد مراد في عام ٢٠١٢ وحققت  مبيعات أعلى ونجاحات فلكية بين قراء من جميع الأعمار، ما أغرى الكثير المنتجين لشرائها وبالفعل قام المنتج كامل علي بإنتاج الفيلم وحقق نجاحًا خياليًا في عرضه عام ٢٠١٤، وهو من إخراج مروان حامد وتأليف أحمد مراد نفسه.

في عام ٢٠١٤ صدرت رواية هيبتا للكاتب محمد صادق لكي تتصدر قائمة المبيعات في مصر لشهور عديدة خصوصًا بين جمهور القراء من المراهقين والبنات. يشتريها المنتج هاني أسامة وبالاشتراك مع محمد حفظي يقومون بتحويلها إلى فيلم سينمائي عام ٢٠١٦ حيث تصلح حبكتها لرواد السينما الذين تغلب عليهم نفس هذه المرحلة العُمرية، وبالفعل تحقق نفس النجاح وتصل إلى إيرادات تقدر بـ ٢٧ مليون جنيه مصري. قام بكتابة السيناريو وائل حمدي وأخرجه هادي الباجوري.

ثم يعود مراد مرة أخرى وتتحول روايته تراب الماس -والتي نشرت في ٢٠١٠- إلى فيلم سينمائي في عام ٢٠١٨، بعد تعطلها عند النجم أحمد حلمي خمسة سنوات قبل أن ينتهي التعاقد ويصبح مراد حرًا في اختيار شركة جديدة وهي ”نيو سينشري“، لتقوم بإنتاج الفيلم محققًا إجمالي إيرادات حوالي ٣١ مليون جنيه مصري وهو تقريبًا نفس إيرادات الفيل الأزرق ولكن بمراعاة فرق  العملة فإن الفيل الأزرق يتفوق.

وفي العام ٢٠١٩ يكتب مراد جزءًا ثانيًا من فيلم الفيل الأزرق مباشرةً بدون أن يكون هناك عمل روائي، ويصبح الفيلم أعلى إيرادات في تاريخ السينما المصرية (بصرف النظر عن فروق العملة) بإجمالي إيرادات ١٠٣ مليون جنيه. وهكذا يحقق مراد معادلة جديدة وهي كتابة سيناريو أفلامه بنفسه وهو ما قد أفاد بلا شك أفلامه الثلاثة المذكورة أعلاه.

مسلسلات تلفزيونية مقتبسة عن أفلام سينمائية شهيرة

العرّاب

في لقاء تليفزيوني قبل عدة سنوات للكاتب أحمد خالد توفيق، يقوم المخرج عمرو سلامة بمداخلة تليفونية ويعده بأن سلسلة ما وراء الطبيعة سوف تتحول في يوم ما إلى مسلسل تليفزيوني يقوم بإخراجه، ويظل الحلم معلقًا ويصل عمرو إلى اتفاق مع شبكة نتفليكس الشهيرة لإنتاج المسلسل، ولكن بعد وفاة دكتور أحمد خالد توفيق بحوالي سنة.

سلسلة ما وراء الطبيعة كانت السبب في تشجيع جيل كامل على القراءة، وهي لا تزال تحقق مبيعات خيالية منذ أن بدأت في أواخر التسعينات، وهي من نوع التشويق الذي يلاقي قبولًا جيدًا جدًا عند جماهير المنصات الرقمية، وهكذا تلاقت الأهداف وبدأ سلامة التصوير ولم يتحدد بعد موعد العرض.

وفي شهر رمضان من العام المنقضي قامت منصة ”فيو“ بشراء حقوق استغلال مجموعة قصصية أخرى للعرّاب كما يحب قراء أحمد خالد توفيق تسميته وهي بعنوان ”زودياك“. وبطاقم ممثلين من الشباب والوجوه الجديدة حقق المسلسل نجاحًا مبهرًا برغم أنه كان حصريًا على شاشتها، ومرة أخرى تنتصر توليفة ”الأكثر مبيعًا“ مع الجمهور المستهدف من الشباب تحت الخامسة والعشرين.

المنصات الرقمية

مع ظهور المنصات الرقمية العديدة في السنوات الثلاث الأخيرة بدأت تظهر وظيفة جديدة لها مسميات عديدة مثل مطوّر المحتوى أو المشرف على المحتوى أو مدير عام قراءة النصوص، وتكون مهمته تحديد ما سوف يتم الموافقة عليه وإنتاجه بالتنسيق مع قسم التسويق.

ومن هنا ظهرت مجموعة جديدة من الأفكار والمعتقدات التي أصبحت تتحكم في سوق الإنتاج بشكل كبير، ومصدرها هو غرف الاجتماعات التي تجمع هذَين الكيانين، والتي أصبح منها -بلا شك- العودة للأعمال الأدبية.

مع دخول منصة شاهد للعبة -وهي من أوائل هذه المنصات ولكن قامت بتجديد شكلها وخفضت اشتراكها الشهري لأربعة عشر جنيها فقط- اختارت رواية شبه منسيّة للكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد ”في كل أسبوع يوم جمعة“ لكي تصير مسلسلًا أسبوعيًا بنفس الاسم يعرض حصريًا على منصتها، وهو من إخراج محمد شاكر وتأليف ورشة كتابة تضم إياد إبراهيم وسمر عبد الناصر ومحمد هشام عبية.

لو كان الهدف هو اختيار عمل للكاتب الكبير فإن ”ثلاثية الإسكندرية“ هي الأولى، ولكن اتجاه السوق يسير ناحية موضوع الإنترنت وما يحدث فيه وهو فكرة رواية ”من كل أسبوع يوم جمعة“، كما أن نوعية التشويق هي التي تجتذب فئة المشاهدة المطلوبة تحت سن العشرين، ولذلك كان هذا هو الاختيار، ولقد بدا المسلسل متماسكًا جدًا وجيدًا من الناحية الفنية ولاقى نجاحًا وصدىً طيّبًا.

التسويق والعرض والطلب

فرضت الرواية الأدبية نفسها على صناعة الدراما في العقد الأخير، وأصبحت أحد العوامل التي قد تساهم بشكل كبير في نجاح مسلسل أو فيلم بشرط أن تتبع معايير السوق من حيث التركيز على الجمهور المستهدف ووجود عنصر التشويق والتحكم في الميزانية. كما أن هذا التوجه لم يعد بسبب نقص في مواهب كتابة السيناريو، ولكن لأن صناعة الترفيه تتغيّر ولكن دومًا تخضع للعرض والطلب والتسويق وبعد ظهور المنصات الرقمية يمكننا أن نضف إليها ”التوجه“.

0

شاركنا رأيك حول "طوفان من الأعمال الدرامية المصرية المقتبسة عن أعمال أدبية .. هل نشهد عودة الزمن الجميل؟"