مسلسل الاختيار
0

منذ الإعلان عن نية صناعه لبدء العمل فيه، توجهت أنظار الجميع باهتمام إلى محتوى ذلك المسلسل الذي سيتناول سيرة أحد شهداء القوات المسلحة “أحمد منسي”، الذي استشهد في شمال سيناء عام 2017، وأفراد كتيبته بمنطقة مربع البرث.

ولم يكن هذا التركيز والاهتمام مُنصب فقط على فضول الكثيرين لمعرفة سيرة ذلك القائد، الذي يلقبه زملائه وقادته بـ “الأسطورة”، ولكن كونه أول عمل درامي سيتناول تلك الفترة من تاريخ مصر، التي لم يتطرق أحد إليها من قبل، وشهدت تغييرات سياسية هامة، فضلًا عن العمليات الإرهابية التي أودت بحياة كثير من أبناء القوات المسلحة والشرطة، وأيضًا المدنيين.

وقبل الحديث عن تفاصيل صناعته، دعونا نذكر أهم المعلومات عن مسلسل “الاختيار” والقائمين عليه.

“الاختيار” هو مسلسل درامي مصري، وهو يعد أول مسلسل حربي يتم إنتاجه في مصر، ويمكن القول بأنه ينتمي لفئة الديكودراما، كونه يوثق أحداث حقيقية بتفاصيلها، ويُعرض ضمن خريطة مسلسلات شهر رمضان لعام 2020، والمسلسل يتناول قصة حياة أحد ضباط الصاعقة المصرية وهو العقيد أ.ح “أحمد صابر منسي”، ضابط الصاعقة الذي استشهد في سيناء عام 2017، ويتطرق المسلسل لبعض القصص البطولية لشهداء آخرين، وبعض العمليات الحقيقية، خاصة التي تلت سقوط حكم الإخوان في مصر عام 2013.

كما يعرض تفاصيل حياة الإرهابي “هشام العشماوي”، والذي عمل ضابطًا بالقوات المسلحة قبل إنضمامه للجماعات التكفيرية، وخطط لكثير من العمليات الإرهابية ضد عناصر الجيش والشرطة، وتمكنت القوات الأمنية من القبض عليه.

المسلسل من تأليف “باهر دويدار”، وإخراج “بيتر ميمي”، وهو من إنتاج شركة “سينرجي”، وقام ببطولته: أمير كرارة، أحمد العوضي، دينا فؤاد، سارة عادل، أحمد فؤاد سليم، ضياء عبد الخالق، محمود حافظ، وعدد كبير من ضيوف الشرف الذين يشاركون في المسلسل على مدار حلقاته المتتالية.

بخلاف أبطال المسلسلات .. نجوم تألقوا في سماء دراما رمضان 2020

الاختيار… فكرة بسيطة بألف معنى

في كل خطوة من خطوات حياتك، ستجد نفسك أمام طريقين، وأنت فقط من سيكون عليه الإختيار في أيهما ستسير، تلك كانت الفكرة الأساسية التي اعتمد عليه صناع المسلسل في عملهم، فمن خلال عرضهم لحياة ضابطين من القوات المسلحة، اختار أحدهم الاستمرار في طريقه الذي رسمه لنفسه منذ البداية في حماية وطنه، بينما اختار الآخر طريق التطرف والعنف ضد أبناء وطنه، فالمسلسل هنا يعرض الصراع الأزلي بين الخير والشر، والاختيار بين أحد الطريقين هى الرسالة التي يقدمها.

ونجد أن كلا الخطين الدراميين لشخصية “منسي” سواء حياته الشخصية، وتعاملاته مع من حوله، ودوره في العمليات القتالية والتكتيكية، وكذلك لمحات عن بعض الشهداء وحياتهم، والخط الآخر نجد “عشماوي” وطبيعة حياته، وفكر الجماعات التكفيرية، وترتيباتهم المسبقة للعمليات، كلا الخطين يسيران بشكل متوازي، مع وجود بعض المشاهد التي نراها تجمع “منسي” و”عشماوي” ليعرض الاختلاف بين تفكير وشخصية كل منهم.

منسي وعشماوي

وإضافة إلى الخطين الرئيسيين للأبطال نجد خطوطًا أخرى، مثل الأسرة المصرية البسيطة من الصعيد، للمجند “سعد” وشقيقه “عبد الله” والأم، والتي أظهرت ماذا كان يدور داخل البيوت المصرية وخاصة البسطاء عن تلك الفترة، ومدى تفاعلهم معها، وآرائهم الفطرية حول الدين والإيمان بالله، وحب الوطن بمعناه المترسخ بداخلهم لأجيال متلاحقة، وغيرها من المعاني التي عبروا عنها بتلقائية شديدة.

وقد ظهرت قوة وبلاغة الحوار بين الشخصيات، والذي تضمن عرض مواضيع لم يتم التطرق إليها من قبل، خاصة عن تلك العقيدة التي تكونت لدى الجماعات التكفيرية، وطريقة تفكيرهم وتحليلهم للأمور، والأساليب التي استخدموها لنشر هذا الفكر والسيطرة على عقول أتباعهم.

مشهد من مسلسل الاختيار

والكثير من هذه الجمل الحوارية التي كتبها “باهر دويدار”، استطاع “بيتر ميمي” ترجمتها في صورة بصرية بشكل أكثر من رائع، يزيد من حماسك وتفاعلك مع الأحداث وتوحدك مع الشخصيات، وبهذا يصبح لدينا عاملان قويان أساسيان وهم الكتابة والصورة البصرية، اللذان انسجما معًا بشكل رائع.

اختيارات الممثلين لتجسيد حياة الأبطال

يعد هذا العنصر واحد من أهم العناصر التي تعتمد عليها كثير من الأعمال الفنية لضمان نجاحها، فإرتباط المشاهدين بشخصية الأبطال ومدى صدقهم في تقديم أدوارهم، يشكل عاملًا أساسيًا وهامًا في قدرتهم على جذب المشاهد، وجعله يواصل متابعة العمل للنهاية، وهذه ليست بالمهمة السهلة أبدًا.

وهذا بالطبع ما شغل بال بطل العمل “أمير كرارة”، الذي يجسد شخصية قائد وشهيد، يراه الكثيرين “أسطورة” في الصاعقة المصرية والقوات المسلحة بشكل عام لبطولاته التي حققها، ويحظى بشعبية كبيرة بين الناس لحُسن أخلاقه وتدينه ومساعدته لمن حوله، فهو يعد رمزًا لشهداء مصر، فالكل يتابع وينتظر كيف سيؤدي “كرارة” هذه الشخصية، خاصة مع بعض الهجوم الذي تعرض له منذ الإعلان عن تجسيده للدور، كونه لا يشبه كثيرًا الشخصية الحقيقية.

أمير كرارة

لذلك فالمهمة هذه المرة ليست سهلة على الإطلاق، وهذا ما قد ينعكس على أدائه في هذا العمل بكل تأكيد، إلا أننا رأيناه يقدم السهل الممتنع، فكان هادئًا، ثابتًا، دون مبالغة في انفعالاته، وكأنه يتحسس طريقه بهدوء للوصول إلى قلوب مشاهديه، وهذا ما نجح فيه حتى الآن في المسلسل، فظهر بأداء متميز في كثير من مشاهد المسلسل، خاصة المشاهد التي تجمعه مع النجم “أحمد فؤاد سليم” الذي يجسد دور والد الشهيد “منسي”، فضلًا عن بنيته الجسدية وخبراته السابقة بأدوار الأكشن والحركة، والتي ساعدته بشكل كبير على تجسيد دور مقاتل بالصاعقة المصرية.

أمير كرارة في شخصية المنسي

وفي الدور السلبي أو عنصر الشر، نجد “أحمد العوضي” الممثل الشاب الذي يجسد شخصية الإرهابي “هشام العشماوي”، والذي لمع نجمه مؤخرًا بعد عدة أدوار قدمها في السينما والتليفزيون، فنجده يخطو بتجسيده هذه الشخصية خطوة جديدة قوية وهامة في طريق النجومية، وربما تكون نقطة إنطلاقته الحقيقية.

ورغم بعض الإنتقادات التي تعرض لها حتى الآن، من مبالغة في انفعالاته، وأدائه لدور الإرهابي المتجهم، العابس دائمًا، إلا أنني لا أرى أن ذلك ضعفًا في إمكانيته التمثيلية، وأن هذا يعد جزءًا من التركيبة النفسية للشخصية، وطرق تعبيرها عن انفعالاتها، والتي تدفعك دفعًا لتكرهه، وهذا في حد ذاته نجاح، بالإضافة إلى تجسيده بشكل جيد جدًا للصراع النفسي بداخل الشخصية، بين ما تعلمه في الجيش وتدريبه للجنود، وبين الفكر المسيطر عليه وقتله لأبرياء لا ذنب لهم.

احمد العوضي

ولا نغفل أيضًا الدور الرائع الذي قدمته النجمة “إنعام سالوسة”، والتي تجسد الأم المصرية البسيطة، وابنها “سعد” الذي يجسده “محمود حافظ”، وأحاديثهم فيما بينهم، والتي مثلت الوعي الشعبي في تلك الفترة، فكان حوارهم صادق وتلقائي بشكل كبير.

مشاركة عدد من ضيوف الشرف في العمل من خلال تجسيدهم لشخصيات حقيقية، سواء قيادات أو شهداء من الضباط والمجندين، أضاف ثقلًا وثقة في العمل، وظهروا بأداء متميز جدًا مثل: محمد إمام، وآسر ياسين، وهو ما دفع الكثيرين للبحث والقراءة ومعرفة حكايات الأبطال الحقيقيين الذين تم ذكرهم، وهو نجاح لهؤلاء الممثلين في قدرتهم على خلق هذا التعاطف.

محمد إمام

أما باقي الأدوار خاصة الممثلين الشباب المجندين، فكان إختيارهم موفقًا بشكل كبير، فتشعر وكأنك أمام جنود حقيقيين وليس ممثلين، وهذا ما عزز من مصداقية العمل لدى المشاهد.

جرأة كبيرة وتنفيذ يحاكي الواقع

ربما أكثر ما يميز “الاختيار” هو ذلك المزج الكبير بين المواد الأرشيفية والمشاهد التمثيلية، فكان سر النجاح الذي حققه حتى الآن، وهو دليل على ذكاء مخرجه “بيتر ميمي”، الذي نجح بشكل كبير في خلق حالة من المصداقية العالية لدى المشاهد، بمساعدة فريق المونتاج في المسلسل، وذلك من خلال مزج المشاهد الحقيقية سواء للعمليات الإرهابية في سيناء، أو في مظاهرات رابعة العدوية، أو في عملية إغتيال وزير الداخلية، حتى في أدق التفاصيل، ترى محاكاة للحقيقة داخل المشهد، الأمر الذي يجعلك لوهلة تتساءل، هل كان هذا مشهد حقيقي أم تمثيل!

وأيضًا في دمجه لمشاهد حقيقية للشهيد “منسي” في تدريباته، وفي تقديمه المساعدات لأهل سيناء، وحتى في المشاهد التي تجمعه بـ “عشماوي”، فصورة “منسي” دائمًا هى ما تظهر أمامك، وما سيبقى في ذهنك ستكون صورة البطل الحقيقي، وكذلك للعناصر الإرهابية، فلا يغفل عن صور من اعترافات “عشماوي” أو فيديو منفذ عملية الإغتيال.

منسي وأهل سيناء

فأنت في هذه الحالة أمام مسلسل توثيقي لما حدث في الحقيقة بتفاصيلها، أكثر من كونه مسلسل درامي يعرض خيال مؤلفه ورؤية مخرجه، وهذا الأمر يعطي إحساس للمشاهد بأن ما نشاهده ليست مجرد مشاهد تمثيلية، ولكنها محاكاة لواقع ربما لم يشاهده كثيرين منا، ولم يعرفوا عنه شيئًا من قبل، وهذا ما أراده بالضبط مخرج العمل.

وبالطبع لا يمكن إغفال مشاهد المعارك التي تم تنفيذها بمهارة عالية جدًا، وبشكل يحاكي الواقع أيضًا بشهادة كثير من العسكريين، والتي ظهرت في المواجهات بين القوات المسلحة والتكفيريين، والعمليات الإرهابية على الكمائن، فكل شيء محسوب بدقة كبيرة وبشكل لا يُصدق، والذي أتوقع أن يظهر بشكل أكثر قوة وتأثيرًا في الحلقات القادمة، وخاصة في الحلقات الأخيرة، التي ستحكي قصة إستشهاد أبطال كمين مربع البرث، وصمودهم الذي استمر لساعات.

المعارك

لمسات المخرج جاءت أيضًا في المشاهد الدرامية التي تظهر الحياة الشخصية للأبطال، والتي لم تخلو من عنصر الواقعية أيضًا التي تلمسها في حوارهم وطريقة حياتهم، فكان العمل متوازن بين مشاهد القتال والأكشن، وبين المشاهد الدرامية والإنسانية داخل العمل، وحتى في اللمحات الكوميدية التي أضافها المخرج.

المشاهد الدرامية

وأيضًا في مشاهد التصوير الليلي وفي وقت الفجر، فكانت موفقة جدًا، تستطيع رؤية ما يحدث بشكل جيد مع الشعور بالوقت الذي يتم تنفيذ العمليات فيه، إلي جانب أسلوب “ميمي” المعتاد في التشويق، خاصة في المشهد الأخير لكل حلقة، وقدرته بأن يجعلك تنتظر الحلقة التالية.

حالة جديدة وبطل جديد

“الاختيار” أعاد من جديد للمشاهدين ذكريات الدراما الوطنية التي قُدمت في السنوات الماضية، مثل مسلسلات: رأفت الهجان، ودموع في عيون وقحة، والعميل 1001 وغيرها من الأعمال، التي تناولت بطولات مختلفة لأبطالها، إلا أن البطل هذه المرة هو واحد من أبناء الجيل الحالي، وهذا ما زاد ارتباط الناس به وحبهم له، وأصبح قدوة جديدة للشباب والأطفال، فكما ذكر التاريخ من قبل بطولات “إبراهيم الرفاعي”، و”عبد المنعم رياض”، يُذكر الآن إسم “منسي” الذي لا يُنسى، فهذه الأرض الطاهرة هى منبع دائمًا للأبطال والمحاربين، وفي كل زمان سنجد أبطال جدد، يشبهون هؤلاء الأساطير في التاريخ العسكري الحافل بالأبطال.

من المسرح إلى أحد نجوم رمضان .. دنيا ماهر في ثوب نجلاء

أحمد منسي

كما أنه أول عمل يتناول حياة المقاتلين في سيناء، وكيف تمت العمليات الإرهابية، وكيف كانت المواجهات الدائرة هناك، وهذا أمر كان غائب عن أغلب الناس التي كانت تستمع فقط إلى أنباء سقوط شهداء أو حدوث مداهمات، دون أن تدرك تمامًا كيف كان يحدث هذا الأمر، إلى جانب إظهار الصورة الحقيقية والفكر الحقيقي للتكفيريين.

وهذه التجربة تثبت نجاح هذا النوع من الأعمال الحربية، سواء التليفزيون أو السينما كما شاهدنا مع فيلم “الممر”، مما سيشجع كثير من المنتجين على تكرار التجربة، والحديث عن بطولات أخرى للشهداء، سواء من القوات المسلحة والشرطة أو بطولات أهل سيناء أو غيرهم.

0

شاركنا رأيك حول "منسي لكنه لا يُنسى .. ملحمة وطنية لبطولات شهداء جسدها مسلسل الاختيار"