فيلم الناظر.. ملحمة كوميدية مضادة للملل

فيلم الناظر .. ملحمة كوميدية مضادة للملل
2

يوجد مدرستين لصنع عملاً كوميديًا مضحكًا، إما الاعتماد على النجم الكوميدي الأوحد الذي يفجر الضحكات الهستيرية ويكون بيديه وحده مفتاح العمل، يغلق الضحك وقت ما يشاء ويفتحه عندما يشاء، وفي هذه الحالة لا يؤخذ باقي عناصر الفيلم من سيناريو وممثلين مساعدين وموسيقى وحتى إخراج بعين الاعتبار، بل تتضافر كل هذه العناصر السابقة لتكون أدوات في يد النجم الأوحد ووسائل لمساعدته لقول قفشاته المضحكة ونكاته المرحة، ولصنع المواقف التي تبرز أكثر المهارة الكوميدية للنجم وقدرته على انتزاع الضحكات، وأيضًا صقل أسطورة هذا النجم أكثر وتثبيت مكانته في قلوب وعقول المشاهدين أكثر وأكثر ليزداد في الأعمال المقبلة غرورًا وصلفًا ويظن أن مجرد وجوده هو ما سيجذب المشاهدين ويثير ضحكاتهم حتى وإن صنع أي فيلم في الدنيا فوجوده – مجرد وجوده –  هو الفَنّ وليس العمل أو الأداء أو العناصر الأخرى.

وأتباع هذه المدرسة معروفين ومشهورين وهناك العديد من الأمثلة التي تعد نماذج لهذه المدرسة، ولكن للأسف، هذه النوعية من الأفلام لا تستمر طويلاً، فقد تصاب بالملل بعد مشاهدتها أكثر من مرة، وربما مرة واحدة تكون كافية لاتخاذ قرار عدم مشاهدتها مرة أخرى، وهذا النجم نفسه تبهت صورته ويخفت بريقه بعد سنوات قليلة بسبب اعتماده على نفس الأساليب التي حفظها المشاهد وعدم قدرته على الإتيان بجديد، ويكون قد بلغ في بعض الأحيان من الغرور والصلف إلى عدم قدرته على اعتماد طريقة جديدة للإضحاك أو الخروج من جلده بل يمشي يشتم ويلعن في المشاهدين الذين لا يفهمون فنه وفي المؤلفين الذين لا يستوعبون رؤيته التي عفا عليها الزمن وكرهها المشاهد، وفي المخرجين الذين يرفضون أن يتدخل النجم في شيء غير دوره والالتزام بوظيفته كممثل فقط وألا يتعدى على مهام الآخرين.

وهناك المدرسة الأخرى، وهي التي تعتمد تضافر كل عناصر الفيلم من سيناريو وإخراج وتمثيل وموسيقى ومونتاج من أجل إخراج عمل فني متكامل متماسك، وإجادة كل عنصر من هذه العناصر تأدية مهمته، دون أي إخلال بأي عنصر من هذه العناصر حتى يخرج فيلمًا مثاليًا من الممكن أن نشاهده عشرات المرات دون أن نشعر بالملل، ونحفظ نكاته عن ظهر قلب وتعيش مواقفه وأحداثه وشخصياته معنا لسنوات وسنوات وربما لا نستطيع أن نقتلعها من أذهاننا أبدًا.

وأبرز نموذج يقفز إلى ذهني بمجرد التفكير في هذه المدرسة، النموذج المثالي الذي استطاع تحقيق هذه المعادلة الصعبة وهي إجادة كل عنصر من عناصر الفيلم مهمته وبلوغ درجة الإتقان إلى هذه الدرجة، هو أيقونة الفيلم الكوميدي المعاصر، والذي أعتبره من أفضل الأفلام الكوميدية على الإطلاق ومن أفضل أفلام السينما العربية عمومًا، فيلم الناظر.

أيقونة الأفلام الكوميدية المعاصرة: فيلم الناظر

لا أدري أي شيطان هذا الذي تلبس شريف عرفة وجعله يخرج فيلمًا بكل هذا الإحكام والإتقان، حالة مثالية من الإبداع الفني بلا أدنى مبالغة، سيمفونية كوميدية ممتعة ومشوقة ولن تستطيع الإمساك بنفسك من كثرة الضحك والابتهاج أثناء مشاهدة الفيلم حتى أنني أحيانًا أصفه لعلاج المزاج السيئ وأنصح به لجعل الحالة النفسية أفضل.

بالطبع كانت هناك عناصر أخرى في الفيلم استطاعت أن تخرج الفيلم بهذه الصورة المتكاملة، الحقيقة أن كل عنصر من عناصر الفيلم الأخرى أدت مهمتها بإتقان غير مسبوق ومهارة منقطعة النظير ولكن كل هذا ما كان يمكن تجميعه في هذه اللوحة السينمائية المتكاملة لولا مخرج فذ وواعي مثل شريف عرفة.

لإيضاح هذا يمكنك أن تقارن على سبيل المثال بين شخصية “اللمبي” التي أداها الفنان محمد سعد تحت إدارة شريف عرفه رغم مشاهدها القليلة، ونفس الشخصية التي أداها نفس الممثل ولكن تحت إدارة المخرج “وائل إحسان” في فيلم كامل يحمل اسم الشخصية وتظهر الشخصية في كل مشاهد الفيلم تقريبًا.

ولكن أقول هنا أن هناك حالة ما ألهمت شريف عرفة ليصنع هذه التحفة السينمائية غير المسبوقة، لأن نفس فريق العمل القصة والإخراج لشريف عرفة والسيناريو لأحمد عبد الله والبطولة لعلاء ولي الدين قبل “الناظر” قد أصدر “عبود على الحدود” الذي كان فيلم جيد، كوميدي ومضحك فعلاً لكن ليس بمستوى فيلم الناظر، وأصدر هذا الفريق بعد “الناظر” فيلم بعنوان “ابن عز” ولكنه لا يرقى لا لمستوى الناظر ولا لمستوى عبود ولا لأي مستوى في الحقيقة، لأنه من أكثر الأفلام الرديئة في السينما المصرية ولن تقوى على تكملته حتى، لا مشاهدته مرة أخرى.

فيلم الناظر - بوستر

لقد كان فيلم الناظر حالة إبداعية غير مسبوقة، يمكنك أن ترى الفيلم كل يوم نفس المشاهد ونفس الحوار وتضحك بنفس الدرجة، ولن ينتابك الملل لحظة.. إن محاولة تفكيك هذا الفيلم وعرضه على ميزان النقد ولو في شكل ثناء ومدح أشبه بتفكيك سيمفونية موسيقية كلاسيكية عظيمة إلى حروف موسيقية ومفاتيح صولو، هذا الفيلم لا ينتابك بعده سوى الوجوم التام ولا يمكنك الحديث عنه سوى بإيفيهاته، ولكن ربما أمتلك من البجاحة ما يجعلني أقول أن الاهتمام بكل عنصر من عناصر الفيلم، وأهمها الشخصيات، والممثلين الذين سيؤدون هذه الشخصيات هو سر نجاح الفيلم بشكل موضوعي.

فكتابة القصة من قِبل المخرج شريف عرفة جعلته يعرف جيدًا ما يريده من الفيلم، وثمة تفاهم بينه وبين السيناريست جعل الشخصيات تخرج بكل هذا الإتقان والإحكام، لا توجد شخصية أخذت أكتر من حقها ولا توجد شخصية ظلمت ولم تعطَ الاهتمام المطلوب، بداية من شخصية “عاطف” التي أداها باقتدار الفنان أحمد حلمي، وهي شخصية لشاب لا يبالي بأي شيء ولا يكترث بأي شيء، ولا يشغل باله شيء ولا يثير أعصابه شيء، لذلك فهو لا يعلق في ذاكرة أحد ولا يترك أثرًا في ذهن أحد، فلا عجب ألا يذكره أحد ولا يهتم به أحد، والغريب أن هذا نفسه لا يثير أحزانه.

كانت شخصية عاطف عظيمة بما يكفي وفي نفس الوقت لم تسطُ على الأدوار الأخرى، هذه الأدوار التي لا يمكن نسيانها أبدًا مهما بلغ صغر حجمها، دور السيد ضاهي وكيل المدرسة الذي أداه باقتدار أيضًا الفنان حسن حسني، شخصية زكريا الدرديري التي أداها الفنان يوسف عيد، رغم صغر مساحة الدور، في مشهدين أو ثلاث تقريبًا فقط إلا أننا نذكر جيدًا الحوار الذي دار وإفيهات الثلاث مشاهد بالحرف، ومن لا يذكر إفيه: “زكريا الدرديري مدرس تاريخ وفرنساوي على ما يجيبوا مدرس فرنساوي”، شخصيات ميس انشراح ومدير المنطقة التعليمية وشخصية مديرة مدرسة البنات.

أما القنبلة الحقيقية كانت شخصية الست جواهر والتي أداها علاء ولي الدين نفسه بجبروتها ولؤمها وتسلطها وحيلها وجسدها المترهل وحبها لابنها بهذا الشكل، أدى علاء هذه الشخصية ليثبت موهبته التي لا يشكك فيها أحد حتى أننا ظننا أننا أمام شخصية امرأة حقيقية.

وعلى الرغم من أن الفيلم تزحف على هامشه قضية التعليم وإعادة النظر في طريقة التعليم في المدارس والسخرية من الطرق القديمة المعتادة والتي مل منها التلاميذ والمدرسين، فإن هذه القضية لم تتحول إلى وعظ مباشر ولا حتى غير مباشر بأي شكل ولم ينحدر الفيلم إلى مستوى الشعارات أو حمل لواء “الفن الهادف” وغيرها، بل أكمل الفيلم بقيادة دماغ شريف عرفة طريقه نحو غايته الفنية من الفيلم الكوميدي وهو الإضحاك ثم الإضحاك ثم الإضحاك، ولا تنازل عن هذه الغاية كغاية أساسية.

أجمل ما في فيلم الناظر حقيقة هو اهتمامه بكل التفاصيل مهما بلغ صغرها وذلك ليجعل الفيلم عظيمًا كل هذا القدر، إجمالاً لكل الأشياء الجميلة التي من الممكن أن تقال عنه والتي من الممكن أن تستعيض عنها بمشاهدة الفيلم مباشرة، وهو متوفر على اليوتيوب بجودة جيدة بالمناسبة، أنه قد تم منح كل شيء في الفيلم حقه، حتى السيناريو كان ذكيًا والحوار كان أذكى، لم يترك جملة حوارية تمر هكذا دون أن يُرد عليها بطريقة كوميدية، كل المواقف كانت مضحكة ولم يكن هناك أي شيء في غير سياقه.

كانت كل مشاهد الفيلم في مكانها المضبوط، كل جملة وكل موقف، ليس هناك أي افتعال في التمثيل أو مبالغة أو برود أو جمود، كل الممثلين كان أدائهم رائعًا بنفس الدرجة تقريبًا لذلك عندما أشبه الفيلم بسيمفونية فإن وجه الشبه أن كلاهما أعضاء الفرقة الموسيقية ومؤدين أدوار فيلم الناظر يعملون بنفس التناغم كي يخرجون هذه التحفة الفنية العظيمة، والتي لن تجود السينما بعمل كوميدي كما كان هذا العمل العظيم.

واثق أن فيلم الناظر سينظر له النقاد بعد بضعة أعوام كواحد من أجمل ما أنتجت السينما العربية عامةً، وسيصبح واحدًا من الكلاسيكيات التي ترتكز عليها السينما المصرية وتقوم بها وتعلو وترتفع.

ولكن لا شك أن إيفيهاته وجمله الحوارية قد وجدت طريقها بالفعل إلى الحياة العامة، وأصبحت تستخدم بين الشباب بالفعل ولا يكاد يختلف اثنان على أن هذا الفيلم من أفضل الأفلام الكوميدية التي من الممكن أن تشاهدها في حياتك.

فيلم الناظر كاملًا من يوتيوب

2

شاركنا رأيك حول "فيلم الناظر.. ملحمة كوميدية مضادة للملل"

أضف تعليقًا