انطباع ورؤية عن مانجا العمارة: أول مانجا مصرية ورقية على الإطلاق!

مانجا العمارة
0

بالتأكيد الفن الرئيسي الذي يميز اليابان عن سائر دول العالم ذات الفنون القوية. هو فن الأنمي، وذلك الفن لهو مجرد تطوير وتلميع لفن أرصن عنه بمراحل، فن المانجا. والمانجا هي الفن الذي يجمع بين الحبكة القوية، الرسم المتقن، والأسلوب الإخراجي الجيد.

سر قوة المانجا يكمن في كونها بالأبيض والأسود فقط، وأنّ أحداثها مدموجة في إطارات مُتتابعة ومتقاطعة بشكلٍ يجعلك تعيش تجربةً شعوريةً فريدةً مع الحدث، مختلفةً تمامًا عن الحالة النظيرة لها في العمل المرئي.

فن المانجا بدأ باليابان ومنه تم إلهام جميع فناني العالم حصرًا، وشرعوا في تقليده ورسم مانجاتهم الخاصة.

هذا منذ عقود طويلة ونتجت عنه أعمال عبقرية غير يابانية، لكن اليوم لدينا شخص أخذ الخطوة أخيرًا في تحويل مانجته الإلكترونية إلى مانجا ورقية مطبوعة يمكن أن تحملها بين يديك، وتقرأها بشغف قراءة الكتب ذو النشوة السامية. اليوم سنتحدث عن المانجاكا المصري “شادي سيد عتّاب”، ومانجته التي أحدثت ضجّةً بالآونة الأخيرة: مانجا «العمارة»!

*ملاحظة: كل الصور الموجودة هنا من مكتبتي الخاصة


قبل أي شيء، ماذا تحتاج كي تطبع مانجا في مصر؟!

مانجا Death note - مانجا Boku no hero academia

طباعة المانجا إذا كانت مُترجمةً، فأنت بالطبع تحتاج إلى شراء حقوق النشر من الدار اليابانية أولًا، ثم الشروع في نشرها. لكن إذا كانت المانجا من رسمك وتأليفك، فهذه الخطوة لاغية. الآن عندما تقرر أن تنشر هذه المانجا حقًا في صورة كتاب ورقي مطبوع، أنت توضع بين مطرقة المبيعات وسندان التمويل، فالمانجا ليست سلعةً ثقافيةً في مصر. لذلك، لن يُخاطر صاحب دار نشر أن ينشر لك عملك، وهو لا يضمن ألّا تأتيه تكاليف الطباعة مرةً أخرى في صورة مكاسب مادية، فهذا يضعك أسفل سندان التمويل، ففي هذه الحالة يجب عليك أنت نفسك أن تدخر مبلغ الطباعة بالكامل، وتكاليف التوزيع وما إلى ذلك كي تغري صاحب الدار بأنّه لن يخسر شيئًا إذا نشر لك عملك تحت اسم داره.

فلنفترض أنّ المانجا تمت الموافقة عليها، والآن نحن نُجهّز لطباعتها. سنقابل عائقًا قويّا، ألا وهو أنّ تكلفة الطباعة الخاصة بالمانجا تحديدًا تفوق تكلفة طباعة الكتب العادية بالضعف على الأقل، فأنت في المانجا تحتاج إلى نثر الكثير من الحبر في كل صفحة، فهذا يزيد من كمية وتكلفة الحبر المُستخدم. بجانب أنّك تحتاج إلى ورق سميك كيلا يظهر حبر الصفحة الأولى متداخلًا مع حبر الصفحة الثانية، ويتم تدمير وجهيّ الورقة تمامًا.

لذلك، الورق السميك تكلفته أعلى بالطبع من الورق العادي، ففي العادة ورق طباعة الكتب الأصلية يكون 80 جرامًا، لكن ورق طباعة المانجا يجب أن يزيد عن ذلك بكثير، فالوزن المتعارف عليه باليابان هو 135 جرام.

هذه كانت لمحةً بسيطةً عن الصعوبات التي تواجه أي أحد قد يأخذ خطوة نشر نوع جديد من الثقافة في مصر والدول العربية عمومًا، خصوصًا إذا كان ذلك الفن مُكلفًّا مثل فن المانجا.


فكرة مانجا العمارة

مانجا العمارة - سامي وأمه

الفكرة قد تبدو تقليديةً جدًا، لكن هذا لا نستطيع الحكم عليه؛ لأنّ المانجا لم يصدر منها حتى الآن إلّا فصلًا واحدًا فقط بشكلٍ ورقي. في حين أنّ المانجات التي تُنشر في العادة تكون في صورة مجلد به من 5 إلى 7 فصول على الأكثر في حوال 200 صفحة بالكامل، أمّا هذه المانجا في حدود 50 صفحة على الأكثر. لذلك، التسرع في الحكم ليس موضوعيًّا هنا، لكن من وجهة نظري أرى أنّ طريقة التقديم مختلفة هذه المرة، فالقصة تتمحور حول الشاب “سامي” الذي يبحث مع خطيبته ووالدته عن شقة للزواج، ووجدوا شقة ذات سعر جيد وإمكانيات جبّارة، وذهبوا جميعًا لمُعاينتها سويًّا.

وأثناء مُعاينتهم للشقة تحدث العديد من المواقف المرعبة، والتي يجد الأبطال نفسهم في معمعتها فجأةً بشكلٍ منفصل عن بعضهم البعض. كل شخص تظهر له مخاوفه الخاصة وأقسى المواقف والأحداث في حياته تتجسد أمامه في صورة ماديّة مجمدة للدماء في العروق. ببساطة الميزة هنا أنّ الكاتب أزاح الفكرة التقليدية عن العمارة الشهيرة بالإسكندرية: عمارة رشدي، فحول هذه العمارة نُسِجت العديد من القصص والأقاويل عن أنّ الجان يسكنونها ويلحقون الأذى بكل من يقطن بها. لكن شادي جعل صورة هذا الأذى ليست ماديًّا بشكل مباشر، بل تعتمد على التأثير والإيحاء العقلي. كيف؟ هذا ما ستعلمه عند اقتناء وقراءة المانجا.


تقييم للرسم وأسلوب التقديم

مانجا العمارة - بواب العمارة

الرسم من وجهة نظري بالتأكيد ليس بالمذري وليس بالخارق، فشادي هنا يقف على الحافة بين المتوسط، والفوق المتوسط بقليل. أعجبتني بشدة الكيانات المُرعبة والخيالية التي ابتكرها في مسار الأحداث.

فأشكالهم مع تعابير وجوههم بجانب ظهورهم المفاجِئ أمام الشخصيات، هذه حقًا عوامل إرعاب مميزة بشدة. أنا أزيد من مديح هذه النقطة على وجه الخصوص؛ لأنّني من محبي الوجوه التي تعتليها النظرات السادية وتعابير الوجه التي تقول بشكلٍ مباشر: “مرحبًا بك في الجحيم!”. كل هذا قدمه لي المانجاكا، وإنّي على هذا لشاكر جدًا في حقيقة الأمر.

بجانب أنّ الزوايا الإخراجية كانت جيدةً، لكن أرى أنّها تحتاج إلى تحسين. المانجا أيضًا اتبعت الأسلوب التقليدي جدًا في الرسم، أي أنّ المربعات والمستطيلات بجانب بعضها وأسفل بعضها ليس إلّا، ففي هذه الفترة الحديثة من أيام المانجا يعمد الكثير من الرسامين إلى عمل تقسيمات مختلفة للصفحات، فأغلبهم يستعملون الأسلوب المزجي بين المساحات الصلبة ذات الأشكال الهندسية المعروفة، والمساحات المُتقاطعة معهم بكامل، فينتج عن هذا الأسلوب صفحات ذات أُطر متداخلة بشكلٍ يزيد من قوة المشهد المطروح. أبرز مثال لهذا الأسلوب هي مانجا Death Note ومانجا Boku no hero academia.


انطباع عام

المانجا بالرغم من كون لغتها هي العاميّة المصرية، إلّا أنّ سائر العناصر الفنية قد طغت على كرهي للاستيعاض عن الفصحى الرصينة بهذه اللكنة المُحرفة. بالنسبة لي مانجا العمارة تُعتبر بدايةً مُبشرةً جدًا لفن المانجا العريق أن يخطو أولى خطواته في مصر والبلاد العربية بشكل قانوني ودقيق، أتمنى حقًا أن يُكمل المانجاكا عمله في أسرع وقت ليصدر لنا الجزء الثاني، الذي أرنو أن يكون ذا عدد صفحات، وفصول أكثر من هذا الجزء الذي بين يدي الآن.

0

شاركنا رأيك حول "انطباع ورؤية عن مانجا العمارة: أول مانجا مصرية ورقية على الإطلاق!"