الوسيم والمتمرد والحاوي.. فاروق الفيشاوي كما عرفته

فاروق الفيشاوي
0

“مينفعش يبقى حاجة غير ممثل”، تلك هي الجملة السحرية التي قالها عبد الرحيم الزرقاني لتلميذه فاروق الفيشاوي في بداية مشواره الفني، وكانت بوابة دخوله عالم النجومية، ففي سنوات قليلة أصبح الفيشاوي من أهم نجوم جيله، ولمع نجمه سريعًا بخطوات ثابتة دؤوبة، واستطاع أن يجد له مكانًا وسط نجوم سبقوه، أبرزهم عادل إمام ونور الشريف ومحمود عبد العزيز.

رحل فاروق الفيشاوي اليوم بعد رحلة سريعة مع السرطان، الذي واجهه وأعلن عن إصابته به بشجاعة وثبات، غادرَنا الفنان الوسيم الجدع المثقف المحبوب الخدوم الكريم، كما وصفه كل من تعامل معه من الوسط الفني أو خارجه، تاركًا إرثًا فنيًا عظيمًا يقترب من 300 عمل فني، تنوع ما بين السينما والتلفاز والمسرح والإذاعة.

اعترِف أن فاروق الفيشاوي لم يكن ممثلي المفضل، ولا أُجزم بأنني شاهدت مجمل أعماله، ولكنني اليوم بعد علمي بخبر وفاته، اكتشفت أنني أُكن له قدرًا كبيرًا من المحبة والتقدير، وأنا أراجع في مخيلتي أعماله التي شاهدتها واستمتعت بها بالطبع، أدركت أننا خسرنا فنانًا مميزًا ذا طابع ومذاق خاص.

رأيته في الحقيقة مرة وحيدة منذ عام ونصف، في ندوة عن صديقه الراحل سيد حجاب ضمن فعاليات معرض القاهرة للكتاب 2018، لأول مرة أراه عن قرب وألاحظ اللمعة في عينيه وحضوره الطاغي، أبهرني بقراءته قصيدة لحجاب بنطق سليم للغة العربية الفصحى وأُعجبت بثقافته، وتمنيت التقاط صورة معه ولكن تزاحم الجمهور حوله منعني.

“الحاوي والجوكر والزيبق”

ألقاب عديدة أُطلقت على فاروق الفيشاوي ولكني أرى أن أكثرها دقة هي الحاوي -وبالمصادفة هو اسم مسلسل شهير له- إذ نراه يتنقل ما بين الأدوار والشخصيات المختلفة بسلاسة وإتقان، مثلما يتنقل الحاوي ما بين حيلة وأخرى ونحن نشاهده ونصفق له في استمتاع وانبهار، فكان الراحل مثل الجوكر يصلح لأداء كل الأدوار.

هناك مقولة يرددها المصريون أن لكل إنسان من اسمه نصيب، وهذا ما حدث مع الفيشاوي عندما قدّم لنا مسلسله الشهير “علي الزيبق”، فأصبح من ألقابه الزيبق وهو وصف أيضًا له، فكما أن مادة الزئبق لا تستطع أن تُمسك بها بسهولة، نجد الفيشاوي مثلها لا نستطع أن نحصره في قالب فني محدد أو شخصية بعينها.

لم يعتمد على وسامته في اختيار أدواره بل تمرد عليها، وحرص على التنوع فيما قدمه، فهو الضابط الصارم في “المشبوه”، والأخ المستغل الأناني في “ليلة القبض على فاطمة”، والرومانسي الذي يقطر عذوبة في “غوايش”، والجاسوس في “حكمت فهمي”، والأخرس في “الجراج”، والصهيوني في “فتاة من إسرائيل”، والشاب الوصولي في “لا تسألني من أنا”.

فاروق الفيشاوي ووحش الشاشة

ارتبط فاروق الفيشاوي بعلاقة وثيقة مع وحش الشاشة فريد شوقي، نتجت عن تعاونهما في العديد من الأفلام أبرزها: قضية عم أحمد، والأستاذ يعرف أكثر، وفتوة الجبل، ووحوش الميناء، وكان من أقرب أبناء جيله للملك، قال عنه الفيشاوي: “كان أبويا وأخويا وابني”، بتلك الكلمات وصف حبه وتأثره بواحد من أهم فناني الوطن العربي، الذي تعلّم منه الكثير بالطبع.

كوميديا فاروق الفيشاوي

أهمية فاروق الفيشاوي في رأيي تأتي كما قلت من تنوع أدواره، وتحديدًا قدرته على تقديم اللون الكوميدي وسط ممثلين كوميديانات في الأساس أمثال سمير غانم والمنتصر بالله وأحمد آدم، كان من الممكن أن يظهر أداؤه بجانبهم باهتًا ضعيفًا لأنه لا يُصنف كممثل كوميدي مثلهم، ولكنه أبدع كعادته.

ضحكنا معه في مسرحية البرنسيسة بمشاركة محمود الجندي وليلى علوي، وكذلك في فيلمي “تجيبها كده تجيلها كده هي كده” و “يا تحب يا تقب”، وأبدع بصحبة الرائعة إسعاد يونس في فيلم كوميدي يميل إلى الفانتازيا اسمه “غرام وانتقام بالساطور”.

فكرت في اختيار عمل فني أنهي به الحديث عن  فاروق الفيشاوي كما عرفته كـ مشاهِدة، فوقعت في حيرة إذ وجدتني معجبة بمعظم ما شاهدته له، ثم اكتشفت أنني أحب أدائه بشدة في “أبنائي الأعزاء شكرًا”، ربما لأنه من أوائل الأعمال التي عرّفتني عليه، “ماجد” الابن الأصغر لبابا عبده، المتسلط الذي عندما ضاقت به الدنيا لم يجد إلا حضن والده، فارتمى فيه ورجع لرشده..

0

شاركنا رأيك حول "الوسيم والمتمرد والحاوي.. فاروق الفيشاوي كما عرفته"

أضف تعليقًا