Fatherhood
0
كتبت “غيردا ليرنر” في أحد أهم كتبها “نشأة النظام الأبوي” في فصل بعنوان الأصول الصفحة 31 من النسخة الإلكترونية: “يركز الشرح التقليدي على قدرة المرأة التناسلية، ويرى في الأمومة هدف المرأة الرئيسي في الحياة، ويعرّف ضمنياً النسوة اللواتي لا يصرن أمهات كمنحرفات. وقدْ تم النظر إلى وظيفة المرأة الأمومية كضرورة للنوع، بما أن المجتمعات لمّ تكن قادرة على الاستمرار والوصول إلى الحداثة من دون تكريس أغلبية النساء معظم حيواتهن كبالغات في الحمل والتربية. وهكذا تم النظر إلى التقسيم الجنسي للعمل، المستند إلى فروق بيولوجية، كوظيفي وعادل”. تقسيم الأدوار هذا الذي دافع عنه طرح تقليدي لم نتجاوزه في أغلب دول العالم ما زال يقيد المرأة ويلزمها بمهمة الاعتناء بالأطفال وتربيتهم بنفسها في ظل غياب شبه كلي للطرف الآخر المشارك في عملية الإنجاب لكن إن قلبنا الآية وغابت الأم لسبب أو لآخر، كيف سيتعامل الأب مع غيابها في حضرة كائن صغير شديد البكاء؟ هذا ما سنعرفه في فيلم Fatherhood.

يومين قبل “عيد الأب”، تعرض نتفليكس فيلم “Fatherhood”

شهدت العديد من الأعمال السينمائية إن لم تكن كلها مشاكل في العرض جرّاء انتشار فيروس كورونا، جعلتها تفشل في كل مرة في الوصول إلى المشاهد والاستمتاع بسماع ردود الأفعال المتناقضة. كان من بين هذه الأعمال، فيلم “Fatherhood” الأمريكي للمخرج “بول ويتز” الذي كان من المفترض عرضه يوم 3 أبريل سنة 2020. لكن حرفية منصة “نتفليكس” التي ظلت تتعامل مع هذه الظرفية العامة بذكاء شديد حتى تقرب السينما من المشاهد المحتجز في غرفته أعلنت عرض هذا الفيلم الذي جمع الكوميديا بالدراما وفكك علاقة الأب بطفله يومين قبل عيد الأب، مروجة للعمل من جهة ومنادية بمشاهدته احتفاءً بالآباء من جهة أخرى.

لم يقتصر الترويج لهذا العمل على دراسة موعد عرضه إذ كان وجود كوميدي كبير كـ “كافن هارت” كفيلاً بالتسويق لهذا الفيلم وتشجيع الجميع على اكتشافه. وقد نجح هذا الممثل العالمي في الارتقاء بالعمل الذي اعتبره المشاهدون مرآة لآداء “هارت” المتميز الذي لم يكن الفيلم لينجح لولاه. شارك كذلك في هذا الفيلم كل من “ألفريه وودارد” التي قامت بدور الجدة “ماريان” و”مِيلودي هارد” التي لعبت دور الطفلة “مادي” ونجحت كلتاهما في مجاراة “هارت” وتقريب هذه القصة من قصة تراجيدية حقيقية عاشها الكاتب الأمريكي “ماثيو لوجلين”، تحدث فيها عن يومياته مع طفلته حديثة الولادة بعد رحيل زوجته “ليز”. كان الكتاب بعنوان “قبلتان لمادي” وتم نشره في أبريل 2011 ليكون بذلك في المرتبة الرابعة والعشرين في قائمة نيويورك تايمز لأكثر الكتب مبيعاً.

أقرأ أيضًا: في عصر غابة المعلومات: كيف يمكن للتربية الجنسية للأطفال والإجابة عن أسئلهم المحرجة أن توفر الحماية النفسية والمجتمعية لهم

من “two kisses for Maddy” إلى “Fatherhood” قصة أب وبنت خلقا ليواجها العالم معاً

Fatherhood

لا يترك لنا الفيلم مجالاً للتقرب من الجميلة “ليز” كثيراً حتى يعلن منذ الدقائق الأولى رحيلها بعد ولادة طفلتها “مادي” بأيام نتيجة لإصابتها بانسداد رئوي مفاجئ. هذا الحدث المأساوي المختزل في موت الأم والذي تزامن مع حلول حدث مبهج وهو قدوم “مادي” إلى هذا العالم يقلب حياة “ماثيو” رأساً على عقب ويزج به في وضعية لم يتخيلها من قبل. فبينما يحمل بين ذراعيه طفلة لم يتجاوز عمرها بضعة أيام، لا يكف المقربون منه عن تذكيره بصعوبة الأمر وبعدم جهازيته للاعتناء بصغيرته. وهنا يطرح الفيلم فكرة لطيفة تدحض كل الأطروحات المثالية التي تحكم على الآباء والأمهات بالأرق والتوتر والاكتئاب وتجعلهم ينظرون إلى تصرفاتهم من زاوية الرفض وعدم الرضا ويعتبرون أنفسهم آباءً وأمهات سيئين.

Fatherhood
كيفين هارت فيلم Fatherhood

يتحدى “ماثيو” عائلته الموسعة ويحاول قدر الإمكان إسعاد “مادي” التي ظهرت في الفيلم في مراحل عمرية مختلفة. هكذا تستمر رحلته مع فتاته وتتأرجح بين لحظات التعب ودموع اليأس وضحكات الرضا وفرحة الخطوات الأولى ويرسم بذلك الفيلم حياة الآباء الذين تجبرهم الأقدار على خوض تجربة الأبوة وحيدين، داحضاً بكل بساطة تلك الأطروحة التقليدية التي تقول بعجز الأب في تربية الأطفال وارتباطها حصراً بالأم. إضافة إلى ذلك الخط الذي يجمع “مادي” بوالدها، يشير الفيلم إلى خط مواز له وهو العلاقات الأخرى التي يقيمها الأب والتي لا يمكن أن تأثر سلباً على عالمهما إن كانت تنظمها ضوابط واضحة. هذه الفكرة هي فكرة تقليدية رائجة جداً، إذ يحرم الأب الأعزب وبدرجة أهم الأم العزباء من حقهما في العيش وفي الخروج من إطار العلاقة الأولى ويعتبرونها تعارض سعادة الطفل وحسن تكوينه.

لا شك أن تربية طفل في ظل غياب الطرف الآخر الذي اخترنا أن يشاركنا هذه المهمة تجربة قاسية لا يمكن أن نتخيلها دون أن نعيش تفاصيلها، لكنها تظل تجربة يقحم الفرد فيها ويحاول بعد ذلك تحويلها -تماماً كما فعل “كافن هارت” في هذا الفيلم- من إطارها المألم والصعب إلى إطار أشمل تمتزج فيه الدموع بالضحك. ويلعب الأصدقاء والزملاء المتفهمون والمتعاونون دوراً مهماً في هذه الصيرورة. فنجد دعم صديقي “ماثيو” له في كل مراحل حياته وتواجدهما الدائم والمريح إلى جانب “مادي” واضحاً في أغلب مشاهد الفيلم.
يصالحنا هذا الفيلم مع ذواتنا الناقصة وشكوكنا المتزايدة كما يصالح “ماثيو” مع ذاته ومع تقلباته وضغوط الحياة التي تمارس عليه ويدحض كل تلك الأطروحات الجاهزة التي تخيف الآباء وتمنعهم من القيام بدورهم الطبيعي في الاعتناء بأطفالهم وتقاسم كل مهام الحياة المشتركة مع الأمهات. ولعل أهم ما قدمه لنا هذا العمل ومخرجه هو الوجه الآخر لـ “كافن هارت” الذي اعتدنا رؤيته في الأفلام الكوميدية والذي أبكانا حين تقمص دور “ماثيو”، الأب المحب.

أقرأ أيضًا: نينتيندو تربح دعوى قضائية بـ 2.1 مليون دولار ضد أحد أكبر مواقع القرصنة!

0

شاركنا رأيك حول "ليست الأمومة وظيفة بيولوجية مرتبطة بالأنثى: فيلم “Fatherhood” يدعم هذا الطرح!"