فوضى: مسلسل عبري-عربي من نتفليكس، هل تناول الواقع فعلًا؟ أم تحيز لجانب دون الآخر؟

مسلسل فوضى - دورو وأبو أحمد
0

وها هي شبكة نيتفليكس الشهيرة تضرب من جديد يا رفاق. قدمت تلك الشبكة مُسلسلها: فوضى في عام 2018، وأصدرت منه جزأين كاملين. وكل جزء دسم في الواقع، فكان من المتوقع أن يصدر المسلسل بعدد حلقات قليل نظرًا لأن أغلب جمهور الشبكة لا يهتم بالأعمال الفنية الحربية أو التي تمس القضايا السياسية، إلا أن أول جزء أتى صادمًا بعدد حلقات 12 حلقة كاملة، وكل حلقة تتراوح مدتها من 30 إلى 45 دقيقة بالتمام والكمال.

يُعتبر إنتاج هذا المسلسل على الويب خطوة جريئة من الشبكة في الواقع، وذلك نظرًا لمدى حساسية القضية الأيدولوجية التي يطرحها على الجمهور. وبالرغم من ذلك حاز على رضا الجمهور نظرًا للعديد من العوامل، وبفضلها حصل على 13 جائزة وثلاث ترشيحات ضخمة.

فعن ماذا يتحدث مسلسل فوضى يا تُرى؟ هذا ما سنعرفه في مراجعة اليوم!

أقرأ أيضًا: أغنية Baby Shark .. مقدمة للأطفال وتخطت حاجز 2 مليار مشاهدة!

* المراجعة ليس بها حرق على الإطلاق لأحداث المسلسل *

القصة

مسلسل فوضى - دورو وزميله

تدور أحداث مسلسل فوضى في قلب الحياة اليومية للعرب وغير العرب في أورشاليم (القدس)، تحدث الكثير من الأشياء التي تصب كلها في بوتقة العداء المستحكم بين الطرفين. لأن الأول يرى الثاني على أنه مُحتل، وأن الثاني يرى الأول على أنه رافض لحق وجوده في هذه الأرض بحكم التاريخ. فبالتالي هذه قضية قائمة حتى وقتنا هذا وصعبة المراس بشدة، وهذا ما بدأ أحداث المسلسل.

أستاذ العمليات الخاصة ومتخصص الاغتيال المحترف (دورو)، ترك حياة الدماء وقرر أن يبدأ مزرعة عنب صغيرة في منزله بصحبه زوجته وطفليه، ويستخدم إنتاجها في صناعة النبيذ الذي بفضله يستطيع نسيان الماضي ولو قليلًا. لكن دائمًا ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. وكما قال مايكل في The Godfather: “كلما أبتعد عن عالم الجريمة، يحاولون إدخالي فيه مُجددًا”.

يأتي شخص ذو رُتبة مرتفعة في المخابرات إلى (دورو) ليقول له أن الإرهابي (الجهادي) الذي قتله منذ 18 شهرًا، ما زال حيًّا يُرزق. مما جعل (دورو) في صدمة لأنه قتله بنفسه منذ زمن. وهنا يُطلب منه الدخول مُجددًا في عالم الاستخبارات والمهام الخاصة، ليحاول النجاح في ما فشل به سابقًا: التخلص من (أبو أحمد)، الشخص الذي قتل أكثر من 100 جندي وحده!

فهل سيستطيع (دورو) التخلص حقًا من أشباح الماضي، أم أنها ستظل تطارده حتى تُرديه صريع أفكاره؟ هذا ما ستعلموه عند مشاهدة المُسلسل.

لماذا هذا المسلسل حقق هذا النجاح؟

مسلسل فوضى - دورو وزميله وزوجة توفيق

– آلية التصوير المريحة للعين

بعيدًا عن القصة وطريقة تناولها وما إلى ذلك، أبرز ما لفت نظري هو طريقة التصوير في الواقع. من المعروف عن نتفليكس أن أعمالها الفنية تعمد إلى الحِدة في الألوان والتفاصيل، وتبتعد كل البعد عن عدسات التصوير السينمائي ذات الـ 24 إطارًا في الثانية. وأشهر مثال على ذلك هو المسلسل ذو الحلقات ذات الأفكار المنفصلة: Black Mirror. إلا أن مسلسل فوضى خرق تلك القاعدة، وأصبح مسلسل ويب سينمائي نادرًا ما تعمد الشبكة إلى إنتاج أمثاله.

المميز في آلية التصوير تلك أنها تجعل الألوان أبسط وأخف حدة عن درجاتها الطبيعية، فتجد لون الجلد يعمد إلى الدرجة اللونية البرتقالية بعض الشيء، مما يُريح للعين أثناء الرؤية. فبالتالي يجعل ذهن المُشاهد مُنصبًا على الحوار والشخصيات والأحداث المتتابعة، عوضًا عن التركيز في التفاصيل والألوان الحادة.

لكن تلك الآلية لم تستمر طوال المسلسل في الواقع، فإذا قلنا أن الحلقة من مسلسل فوضى عبارة عن 100%، فآلية التصوير تلك تحتل نسبة 90% منها، بينما الـ 10% الباقية تحتلها آلية التصوير ذات الألوان الحادة والتفاصيل الدقيقة. وعلى وجه الخصوص تتضمن تلك الـ 10% المشاهد المُلتقطة بالطائرة من أعلى، وبعض المشاهد الخارجية التي تتطلب إضاءة قليلة فبالتالي يُجبر فريق العمل على إنتاج مشهد عالي التفاصيل لاستغلال كل فوتون ضوء موجود في المشهد.

أقرأ أيضًا: الإعلان عن موعد الموسم الثالث من مسلسل Stranger Things!

– التركيز على الدراما الحياتية

بالرغم من أن المسلسل يبدو من الخارج أنه يتحدث عن السياسة والحروب والصراع بين الفئات المتخاصمة على نفس الأرض، إلا أن مسلسل فوضى في الواقع لا يناقش القضايا السياسية إلا بنسبة 30% فقط، أما باقي الفكرة فتتمحور حول الصراع الدرامي النفسي بين الشخصيات وعائلاتها، وبين الشخصيات ونفسها.

ترك المسلسل الثيمة التقليدية عن أن المهمة المخابراتية التي يجب أن تنتهي مهما كان الثمن، وذهب إلى عرض تأثير ذلك الأمر على الشخصيات نفسها. كيف تتعامل مع الوضع؟ ما ردود الفعل التي تقوم بها مع عائلاتها في ظل كل ذلك الضغط النفسي المهول؟ وما هي المخاوف التي تتربص بها وكيف تحاول التحايل عليها بكل طريقة ممكنة؟

– الاهتمام الشديد بالتفاصيل

عندما يتم إنتاج أعمال يتم سرد فيها الحياة العربية، في الغالب ما يُهمَل الاهتمام بتفاصيل الفولكلور الشعبي العربي بطريقة مُهينة جدًا لصنّاع العمل. إلا أن مسلسل فوضى من وجهة نظري هو أيقونة حيّة في احترام وإظهار تفاصيل الفولكلور العربي العريق.

اهتم المسلسل بإظهار الموسيقى الشعبية للأعراس (وذلك يظهر جدًا في الحلقة الأولى من المسلسل)، واهتم بإظهار البيوت على وضعها الأساسي دون أي تعديل، واهتم بتصوير البشر في حياتهم اليومية دون تزيين أو تحقير. فقط نقل الواقع كما هو، مما رفع المسلسل في نظري جدًا.

والفلكلور ليس الشيء الوحيد الذي اهتم به المسلسل، في الواقع اهتم مسلسل فوضى بالعديد من التفاصيل الفنية الصغيرة جدًا والتي يمكن أن يعتبرها البعض مجرد زوائد لا حاجة لها ولا تؤثر على الحبكة: اهتم المسلسل بالتفاصيل الطبية!

في مشهدٍ ما، توجد شخصية مستلقية على سرير في أحد المستشفيات، ويتصل بها جهاز قياس نبضات القلب، وبجوارها شخصية أخرى تقول لها أن أقرب البشر إليها قد توفي. وهنا نجد أن معدل ضربات القلب كان في البداية طبيعيًّا، ثم ارتفع بالتدريج أثناء إلقاء خبر الموت على مسامع الشخصية الأولى، مما يدل على الألم النفسي التي تعانه منه أثناء المشهد (وكل ذلك صوتيًّا فقط، دون إظهار الجهاز نفسه أو ذبذبات القياس في المشهد). وتلك على وجه الخصوص تفصيلة جعلتني أرفع حاجبًا عن الآخر في استغراب وانبهار.

أقرأ أيضًا: أفضل الأفلام الهندية على شبكة نتفليكس

الشخصيات

مسلسل فوضة - أبطال المسلسل

الشخصيات الرئيسية هي (دورو) و(أبو أحمد). عمد صنّاع العمل إلى إظهار كل شخصية بالطريقة التي فعلًا تُمثل مبادئها ونظرتها للحياة والإنسان. كل واحد منهما يُحب شيئًا ما، كل واحد منهما يُريد أن يعيش سعيدًا، لكن ظروف المجتمع والحياة لا تسمح له أن يعيش كذلك. لذلك أعجبني حقًا بناء هاتان الشخصيتان.

أما باقي الشخصيات فكانت جيدة جدًا في الواقع، أغلب الشخصيات محبوكة بدرجة عالية. حيث شعرت أن الشخصيات الثانوية ليست ثانوية على الإطلاق، وربما يكون دورها أكبر من الشخصيات المحورية كذلك. بالمُجمل كل شخصية كان لها دور في القصة بشكلٍ أو بآخر، ولم تكن هناك شخصية لا فائدة منها كما نرى في الكثير من الأعمال الأخرى.

الإخراج

مسلسل فوضى - زميل دورو

المسلسل من إنتاج الصحفي الإسرائيلي (آفي إسكاروف – Avi Issacharoff) وكاتب السيناريو (ليور راز – Lior Raz) “والذي قام بدور دورو في المسلسل أيضًا”. بينما هو من إخراج (عسّاف برنشتاين – Assaf Bernstein).

يُحب (عسّاف) المشاهد الداخلية جدًا، فهو يتمكن من استخدام الكاميرا للتقرّب من وجه الشخصية واستغلال الإضاءة المحدودة في تلك المشاهد لجعل تركيز المُتفرج ينصب بالكامل على تعابير وجه الشخصية، مما يجعل المشاهد أكثر إنغماسية وقوّة.

أقرأ أيضًا: أفضل مسلسلات كورية عن الاضطرابات النفسية

التمثيل

مسلسل فوضى - زوجة أخو توفيق

التمثيل بالمُجمل جيّد، ليس بالخارق وليس بالسيء، بل هو جيّد. وتلك المعيارية تنطبق على الأبطال أكثر مما تنطبق على الشخصيات الثانوية. في الواقع كان تمثيل شخصية (دورو) و(أبو أحمد) مصطنعًا في بعض المشاهد، ولم أشعر أن هذا حقيقي، بل هو اصطناع لمشهد خيالي (وهذا لا يجب أن يظهر على الشاشة أبدًا). بينما تمثيل بعض الشخصيات الأخرى مثل (والدة أبو أحمد) كان متقنًا جدًا، خصوصًا في مشاهد البكاء والنحيب.

الذي جعل ضعف التمثيل لا يظهر بشدة هو الاهتمام الدقيق بكل العناصر الفنية الأخرى من إخراج وإضاءة وصوت ومونتاج وما إلى ذلك. لكن في المُجمل التمثيل نقطة لا تنتقص كثيرًا من حق المسلسل الذي هو بشكلٍ عام أصبح من مفضلاتي.

الموسيقى

المقاطع الموسيقية الأصلية بالمُجمل كانت رائعة وأعجبتني، وهنا بالأعلى أطرح لكم الأغنية الرئيسية للمُسلسل من غناء وتلحين أبطال المسلسل أنفسهم بمزيج من العربية والعبرية جعل من الأغنية شيئًا تشعر بتميّزه بمجرد سماعه.

وأخيرًا، هل تناول المسلسل صورة العرب الحقيقية فعلًا؟

في الواقع لا. تحيّز المسلسل كثيرًا إلى الجانب العِبري على الجانب العَربي، وأظهر العرب على أنهم مجرد جماعات تسعى للانتقام (وهذا بالرغم من أنه حافظ على الجانب الدرامي في الفصيل العَربي). وفي المُجمل تستخلص من المسلسل أن العرب هم المُخطوؤن وأن صورتهم أسوأ بكثير من غيرهم. هذا نوع من ازدواجية المعايير في الواقع، وهنا افتقر المسلسل إلى عدم الحياد وانتقص من تقييمه بشدة عندي.

والآن هل تعتقد أن المسلسل تناول الواقع فعلًا؟ أم أنه مُجرد مسرحية هزلية لتحسين صورة فصيل على حساب تشويه صورة الآخر؟

أقرأ أيضًا: أفضل أفلام 2018 .. كنوز من الفن والمتعة والتسلية أضاءت عامي السينمائي

0

شاركنا رأيك حول "فوضى: مسلسل عبري-عربي من نتفليكس، هل تناول الواقع فعلًا؟ أم تحيز لجانب دون الآخر؟"