استطاع مسلسل “كسر عضم” تحقيق التماعة خاصة في حياة الفنان “فايز قزق”، لدرجة أضحت تحفته ذات الأثر الواضح تلفزيونيًا، في مسيرته المهنية. فعلى الرغم من حجم موهبته الكبير، واقتناع الجماهير والنقاد بمدى أهميته كمتقمص حقيقي لشتى الأدوار عبر سنين مضت، ومقدار ما يمتلك من أدوات تخوله اللعب والتفرد، إلا أن نجوميته كانت نائمة في الزمن الغابر، ولعل أصحاب رؤوس الأموال من لهم كلمة في تلميع صورة الممثلين، ومنحهم الفرصة المواتية للظهور والبروز، عبر إنتاجاتهم الدرامية، لعبوا دورًا في ذلك.

شاء القدر أن يكون هذا العام، عامه، وأن يصير من خلال موسم دراما رمضان 2022، من أبرز الممثلين وأكثرهم شعبية في الدراما السورية، طوال أيام الشهر الفضيل، وتريند حسب لغة السوشيال ميديا، وفي مفهوم النجومية البراقة اليوم.

فايز قزق: حالة الممثل وجوهريتها

لا يأبه بالدور الرئيسي، ولا يشكل له عقدة، إن تحصل عليه أم لا، يختار شخصياته بعيدًا عن المساحة وهالة النجومية التي من الممكن أن تحققها له، فهو لا يجيد اقتناص الأدوار البراقة غير المجدية لحالة الممثل وجوهريته.

هو يتبع مقولة مفادها “ليس هناك دور صغير ودور كبير، وإنما هناك ممثل صغير وممثل كبير“ لصاحبها الممثل والمخرج “قسطنطين ستانسلافسكي” أحد أهم مؤسسي المسرح الحديث. وهو أيضًا ابن المسرح، تتلمذ هناك وتشرب الفن من جذوره، يعد من الدراسين الأوائل في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، تخرج في ثمانينات القرن المنصرم (أول دفعة تخرجت في ذلك الصرح التعليمي).

تعلم، وصار لاحقًا معلمًا ومشرفًا على تخريج أهم الأسماء الفنية في الدراما السورية.. اعتلاه طالبًا، وممثلًا، ومخرجًا، وأستاذًا، أي حفر في الصخر اسمه كممثل مسرحي، وفي فن التمثيل ككل.

على الرغم من عدد مشاركاته التلفزيونية الكبير، لكنْ عند ذكر اسمه في الإعلام أو في مجالس العامة، يتحدثون عن أثره في المسرح والسينما أكثر. مع أن رصيده السينمائي شحيح مقارنةً بالمسرح والتلفزيون، لكن على الأقل هناك عملان خلّداه في الفن السابع، ومازالا على بال كل من يعشق هذا الفن، كما يعدان من أهم الأفلام السينمائية المنجزة سوريًا، هما “رسائل شفهية” عام 1991، و“ما يطلبه المستمعون” عام 2003، للمخرج “عبد اللطيف عبد الحميد”.

وفي المسرح عشقه السرمدي الأبدي، والمكان الذي علمه ألف باء الحرفة، وكيفية توليف كل شخصية، قدم عشرات المسرحيات لعل أشهرها عربيًا مسرحية “حمام بغدادي“ للمخرج “جواد الأسدي”، شاركه حالة التوهج المسرحي فيها على صعيد الأداء المتقن الراحل “نضال سيجري”.

إلا أن شركات الإنتاج لم تلتفت إلى كل تلك الخبرة المتراكمة، والموهبة المتقدة بشغف الحب؛ فبقي اسمه خارج دائرة الاقتراحات لأدوار البطولة المطلقة، حيث ظلت تبحث عن شيء آخر يوازي حالة البهرجة والانبهار اللحظي الذي يحققه التلفزيون، أو لنقل في سورية تحديدًا لم تكلف نفسها عناء التجديد والتجريب، فهي لم تتخلَّ عن فكرة تكرار الوجوه التي تسند لها الأدوار الأولى، بذريعة سهولة التسويق.

كسر عضم.. من أبرز أدوار الفنان فايز قزق

لحسن الحظ أن نص مسلسل “كسر عضم” عرض على أكثر من نجم، وتم رفضه لسبب أو لآخر، أتطرق هنا في الحديث إلى شخصية “حكم الصياد”، التي تم إسنادها بدايةً للنجمين المخضرمين “بسام كوسا” و“رشيد عساف”، وبعد سلسلة من الاعتذارات، أخيرًا تم اعتماد الفنان القدير “فايز قزق” لتأدية الدور، وكان هذا العمل بمثابة دور العمر، نتيجة النجومية التي اكتسبها في أثناء عرض المسلسل.

الأمر الذي يؤكد أن الموهبة في أي مجال ومنها الدراما، لا تكفي للنجاح -بمفهومه الجماهيري- إن لم يتوفر نص جيد متمكن، ومخرج بارع يعرف آلية قيادة الممثل، وإظهار أدواته الإبداعية وتوظيفها في مكانها الصحيح، مثل “رشا شربتجي”.

وهذان العنصران كانا متوفرين في مسلسل شركة “كلاكيت للإنتاج والتوزيع الفني”، أي أن خلطة التميز متاحة أمام أي ممثل مهما تفاوتت قدرته على التقمص والتبني الدرامي. فما بالك إن كان هذا الفنان هو “فايز قزق”، المسرحي العتيق، صاحب الشخصيات المتبناة "للعضم"، باختلافاتها الاجتماعية، والفكرية، والإنسانية، وتعقيداتها النفسية، واحتياجاتها العاطفية، ولغته الجسمانية.

شخصية أثقلت روحه

يقضي الفنان السوري عمره حائرًا، واقعًا بين نارين، بين تقديم فنٍ يشبه أحلامه وتصوراته، يتمكن عبره إبداع عوالمه الخاصة التي تضمن له عملية الخلق والابتكار، وذلك لإثبات نفسه وإشباع رغباته الدفينة في التميز والإبداع، وبين تأمين احتياجاته المعيشية اليومية بواسطة الأجر المادي الذي يتحصل عليه من خلال مهنة التمثيل، ما يبرر أحيانًا انحرافه عن المسار المهني الذي اعتاد عليه الناس.

والفنان قزق لديه بعض الاختيارات الدرامية التي تشوبها بعض الشوائب، والتي يستهجنها كل من يدرك ماهية فنه، ورؤيته الخاصة لهذه المهنة.

شخصية الحكم وكما أسلفنا سابقًا حققت المعادلة التي يرغبها أي فنان، وهي النص والإخراج الجيدان، والإنتاج المحترم، وأضف أيضًا أنه دور له مساحته في اللعب والتأثير على سير الأحداث.

حكم الصياد الملقب بأبو ريان، أحد أصحاب السلطة والنفوذ في البلد، وأقبح أوجه الفساد، يعيث خرابًا في روح كل من يقابله، لا يمكن لأحد مجابهة ظلمه وجبروته، لا شيء يكسره، سوى أولاده.

كسر عضم” مسلسل مكنه الحصول على مساحة هائلة من الضوء، وفي ذات الوقت شخصية جاءت على قدر حجم موهبته، ذهب معها بالأداء إلى درجاتٍ متقدمة من التبني الصادق، بعد أن أثقل روحه بواقعيتها، ترجم بقدرة لافتة الخير والشر، من خلال مواقف تقطع بها الشخصية عبر مشاهد درامية ذات حساسية عالية، ولا سيما بعض اللحظات التي تكشف الستار عن إنسانيته المنسية، المركونة في ظلامٍ دامس بقرارٍ منه.

الحالة الفنية التي خلقها القدير “فايز قزق“ ضمن موسم دراما رمضان 2022، أثبتت أن النجومية ليست حكرًا على أحد، ولا تتطلب مقاييس جمالية خاصة، كل ما يجب توفره نص جيد، وإخراج متقن، وإنتاج يتبنى النص، وممثل يلعب، تمامًا كما نجمنا، يمثل من رأسه حتى أخمص قدميه.

اقرأ أيضاً: الجوكر وآل باتشينو العرب.. هل أنصفت تلك الألقاب موهبة بسام كوسا رغم رفضه لها؟