فيروز
3

جارة القمر، قيثارة السماء، سفيرة الفنانين العرب، فيروز الرحابنة، ألقاب كثيرة رافقت تلك القامة منذ بداية الشهرة..

لكن قد يكون أبرزها هو اللقب الأخير، فالرحابنة كانوا بوابتها وهي كانت حنجرتهم، تلك الكيمياء السحرية التي خلقت فناً استثنائياً، ونقصد بالرحابنة الأخوين عاصي ومنصور الرحباني بالإضافة إلى الرحباني الابن زياد؛ مسيرة طويلة مليئة بالانعطافات الفنية لا المبدئية ستتعرف على أبرز محطاتها.

بدايات فيروز قبل الرحابنة

في البداية كانت نهاد حداد فتاة تحاول شق طريقها بعيداً عن الفقر، فعملت كمغنية كورس في الإذاعة اللبنانية عام ١٩٤٠ لينتبه لموهبتها الأخوين فليفل وبالتحديد محمد فليفل فيضمها لفرقته التي لم تكن تنشد آنذاك إلا الأغاني الوطنية، ثم لحن لها حليم الرومي أولى أغنياتها بعنوان تركت قلبي وطاوعت حبك عام ١٩٥٠، ليتوالى تعاونهم في عدة أغنيات مثل في جو سحر وجمال وأغنية أحبك مهما أشوف منك واشتركا في غناء أغنية عاشق الورد، لكن لم تجد تلك الأغنيات الصدى الذي يليق بصوت نهاد وقامة حليم الرومي، فقد وجد بعض النقاد أنها لم تكن كافية لإظهار جمال وقدرة صوتها.

بدايات التعاون بين فيروز والأخوين رحباني

فيروز مع عاصي ومنصور الرحباني
عندما عرَّف حليم الرومي عاصي الرحباني على نهاد كان يقنعه أنه سيجد ضالته في صوتها فقد كانت أغنياته وأخيه منصور تُغنى من قبل الكورس دون وجود مغنية رئيسية، فاحتاج لصوت متفرد يكمل بها فرقته، كما كانت نهاد أو فيروز لاحقاً تنتظر الفرصة المرجوة لتخطو خطواتها الثابتة باتجاه المجد، فأصبحت تلميذته النجيبة التي تفوقت في بعض الأحيان على أستاذه.

كانت أولى أغنياتهم معاً بعنوان غروب للشاعر قبلان مكرزل، لتليها مجموعة من الألحان والأغنيات التي بُثت على إذاعات الشرق الأدنى، وإذاعة دمشق، والإذاعة اللبنانية، ليبدأ نجمها بالسطوع برفقة الأخوين رحباني كمؤلفين وملحنين من الطراز الرفيع.

أعمال فيروز والأخوين رحباني مرآة تعكس الحياة البسيطة والبيئة التي ترعرعوا فيها

فيروز في إحدى مسرحياتها
بدأ التعاون الفعلي بينهم مع العمل في المسرح، فكان عاصي ومنصور يلحنان ويؤلفان ويوزعان موسيقياً للفرقة موجود فيروز ذات الدور الرئيسي والأهم دوماً في تلك المسرحيات، اعتمدوا في تأليفهم على بيئة عاشوها وواقع صقل أفكارهم، فكانت ألحانهم وقصصهم مستقاة من الريف والفلوكلور للمحلي اللبناني، من حياة الضيعة ومشاكلها البسيطة، ليسردا للجمهور تلك الإشكاليات المألوفة بطريقة سحرية تعج بالألحان والرقص والغناء .

أبرز مسرحياتهم كانت مسرحية جسر القمر ١٩٦٢، ثم مسرحية الليل والقنديل ١٩٦٣، وبياع الخواتم عام ١٩٦٤ التي تحولت في وقت لاحق إلى فيلم من بطولة فيروز نفسها، بالإضافة لمسرحيات لولو ١٩٧٤، وميس الريم ١٩٧٥.

كما لجأوا إلى تاريخ المنطقة العربية بشكل عام وحولوا قصصاً لشخصيات عاشت بالفعل إلى مسرحيات ملحمية غنائية راقصة كمسرحية أيام فخر الدين ١٩٦٦، وجبال الصوان ١٩٦٩، وبترا عام ١٩٧٧، وكان لبعض مسرحياتهم صبغة سياسية كوميدية أو درامية أحياناً دون الخروج من البيئة الريفية والجبلية، فكانت مسرحية الشخص ١٩٦٨، ومسرحية يعيش يعيش ١٩٧٠، وصح النوم ١٩٧١ وناطورة المفاتيح ١٩٧٢.

لماذا استاء البعض من عودة فيروز بعد غياب 7 سنوات؟

انتشار فن الرحابنة بصوت فيروز في العالم العربي

حظيت الحلة الجديدة للأغنية اللبنانية والعربية الني انتهجها هذا الثلاثي الفريد من نوعه شهرة واسعة فاقت شهرتهم في لبنان وسوريا لتنقلهم إلى كل بيت عربي، فلم يسبق إن طُرحت الأغنية العربية بهذه الأناقة البعيدة عن التكلف والصور الشعرية المعقدة ليجد فيها المواطن العربي ما يعبر عن حبه ووجعه وشغفه وأفكاره حتى.

بدأت حفلات فيروز والرحابنة في بيت الدين في بعلبك وبيروت وساحة الشهداء، ثم إلى دمشق سوريا منذ أوائل الستينات ١٩٦٠ و١٩٦١ و١٩٦٦، حتى معرض دمشق الدولي في العديد من السنوات كحدث دائم خلاله، إلى مسرح بصرى عام ١٩٨٥ أقاموا أيضاً حفلات في القاهرة-مصر وكان أجملها في مسرح الصوت والضوء الأهرامات عام ١٩٨٩، وفي الجزائر وتونس والمغرب والإمارات العربية المتحدة.

لا شك أنها كانت حلة فنية غير مسبوقة، لكن كل ذلك لم يكف فيروز التي كانت تبحث دوماً عن التجدد والعصرية، محاولةً الخروج من الإطار الذي لا يلبث الأخوين الرحباني يضعونها به، فهم فرسان الكلاسيكية والفن الفولكلوري لا يؤمنون بتغيير خلفية ثقافية واجتماعية أطرت أعمالهم وألهمتهم على مدار عقود، لتطفو على السطح خلافاتهم مع السيدة فيروز وصداماتهم المتكررة، فتلعب الصدفة ربما دورها وتفتح لفيروز مساراً فنياً جديداً ومختلفاً عن كل ما قد قدمته ولن يقل أهمية عن أعمالها السابقة.

زياد الرحباني وجه جديد وموهبة نقية لعائلة وجو فني عريق

في بيت يتنفس فناً وجمالاً، نشأ زياد الرحباني لأبوين مبدعين عاصي الرحباني وفيروز، كان الفن هو محور حياته فكان يستمع لأعمال والده وعمه مع اهتمامه المتزايدة بالموسيقى العالمية لسنوات طويلة، والتي ستظهر في وقت لاحق في أعمال كثيرة من تلحينه وتأليفه، كما كان منفتحاً لأنواع الموسيقى الشعبية الشرقية والغربية فيدرسها ويتقن تفاصيلها لتؤثر أيضاً في أعماله، فتأثر بالموسيقى الكردية والأرمنية، والمصرية، والبلقانية، والبرازيلية، والمشرقية اللبنانية، فكان هو نفسه خليطاً من كل ذلك وأكثر وللقارئ أن يتخيل أي إبداع سينتج عن موهبة نقية كموهبة زياد.

أول تعاون بين فيروز وابنها زياد

فيروز وابنها زياد الرحباني
عام ١٩٧٢ وإثر إصابة عاصي الرحباني بنزيف دماغي منعه من التلحين والعمل، انخرط زياد ذو الـ ١٧ عاماً مع الفريق نفسه ليكمل العمل الفني الذي لم يستطع والده إنهاءه، فلحن لفيروز أغنية سألوني الناس من كلمات عمه منصور الرحباني التي وحسب الروايات ناجت عاصي في مرضه، فكان لها نجاح مبهر لينتبه الجميع لذلك الشاب ولموهبته، أدى هذا النجاح لزيادة ثقة والدته فيروز بقدراته لتبدأ بالاعتماد عليه في التلحين والتوزيع الفني ولاحقاً في أغلب مشاريعها الفنية.

فيروز وزياد تجدد وعصرية

بدأت تسري الدماء الجديدة في الفن الرحباني وأغاني فيروز مع تلحين زياد لمقدمة مسرحية ميس الريم عام ١٩٧٣ ومقدمة مسرحية بترا عام ١٩٧٧ بدأ بعدها بتلحين أغنيات وألبومات كاملة لوالدته مثل وحدن عام ١٩٧٩ أجمل تلك الألبومات وأغناها، سمع عبرها الناس فيروز في إطار متجدد ومختلف، تضمنت أغنية البوسطة، وحبيتك تنسيت النوم التي ما تزال تتردد بصوت مئات المؤدين والمغنين، توالت بعدها سلسلة الألبومات من عملهما المشترك فكان معرفتي فيك، وكيفك إنت، مش كاين هيك تكون، ولا كيف، فيروز في بيت الدين.

وكان لا بد من ملاحظة تلك النفحة الغربية التي ميزت زياد وعرَّفته بهوية خاصة به فقط مبعدة خطه عن أعمال الأخوين الرحباني. بالرغم من أن الطابع الغربي أثار حفيظة النقاد وخلّف جدلاً واسعاً في الوسط الفني، لكن وكالمعتاد نجاح تلك الأعمال أغلق بغير رجعة كل ذلك الجدل، صوت فيروز كان أصدح وأقوى من أن تشوبه أي انتقاد للخط المتجدد الذي سارت به، فبعد الاعتماد الكلي والحصري على آلات التخت الشرقي بتنا نسمع فيروز بعد إضافة زياد قدراً ممكناً من الآلات والكتابة الهارمونية بشكل مختلف، لتقترب أغنياتها إلى عالم الجاز مع استخدام المسافات الصوتية والارتجال وطريقة استخدام الآلات النحاسية بدون الاستغناء عن الآلات الشرقية في هارموني قل نظيرها.

ألحان ومختارات من المكتبة العالمية رفعت من قيمة صوت فيروز

لم يؤلف زياد فحسب لفيروز بل بحث مطولاً في مكتبة الموسيقى العالمية لينتقي منها الأجمل ويعيد إنتاج اللحن بملمات عربية وبصوت والدته فيروز، مثل أغنية شو بخاف المقتبسة عن الملحن البرازيلي لويز بونفا، وأغنية بتذكر بالخريف التي اشتهرت عالمياً تحت اسم Autumn leaves للمؤلف جوزيف كوزما، وأغنية بيت صغير بكندا المأخوذة عن أغنية للمغنية لين رينو وزيادة على ذلك عمد إلى إعادة توزيع باقة من أجمل أعمال فيروز والأخوين رحباني بصوت والدته طبعاً، وتم إصداره تحت اسم إلى عاصي عام ١٩٩٥ والذي لاقى بدوره نجاحاً كبيراً.

حفلات فيروز وزياد الرحباني العالمية

فيروز على مسرح الأولمبيا باريس
قدمت فيروز والأخوين عاصي ومنصور قبل بداية عهدها مع زياد حفلات كثيرة حول العالم وعرضت مسرحياتهم أيضاً على عدة مسارح، فلا أحد يستطيع أن ينكر تفردهم وعبقريتهم الموسيقية، لكن ما افتقد أو ربما ابتعد عنه الأخوين جاء زياد الابن ليكمله ليس تلحين وتوزيع بل ذكاء التسويق والاختيار الصائب والجرأة الأمر الذي جعل حفلات فيروز وابنها خارج العالم العربي ذات صفة جماهيرية، فقد دمج بين الآلات الموسيقية العربية والغربية.

من حضر إحدى تلك الحفلات لاحظ ذلك التجانس الثوري بين القانون العود وبين البيانو والتشيللو، كان لصوت فيروز مع البيانو وقعاً خاصاً تردد صداه في أروقة مسارح العالم، بالإضافة إلى الكمنجات والغيتار والآلات النفخية العريضة والحزينة والدرامز والكونترباس مع وجود المزاهر والدفوف الشرقية.

من هذه الحفلات نذكر حفل الأولمبيا باريس ١٩٧٩ الذي يعد من أعظم حفلاتهما معاً عالمياً، وقصر الثقافة والفنون مونتريال كندا ١٩٧١، ورويال فيستيفال هول لندن عام ١٩٨٦، إلى جانب حفلات في هولندا واليونان، وسويسرا، والمكسيك، والبرازيل، والأرجنتين والولايات المتحدة وأستراليا، وحفلات أخرى في كندا وباريس ولندن.

فيروز المتجددة دوماً، رفيقة الألم والعشق والشوق والتمرد والثورة والمقاومة والابتسامة، مع ثبات بداياتها برفقة عاصي ومنصور الذين صقلوا موهبتها وعرّفوها للجمهور العربي وأسكنوها قلوبهم، لم تجد بداً في شق مسار مختلف وتغيير الإطار التقليدي لأعمالها مع الأخوين رحباني ليتلقفها ابنها ويقدمها للعالم كله بالرغم من تباين الآراء حول موسيقاه الغريبة والمدارس الكلاسيكية العالمية التي أثرت بفنه.

3

شاركنا رأيك حول "فيروز الرحابنة: من عاصي ومنصور إلى زياد روح متجددة انطلقت بها للعالمية"