سينما الواقع؛ رحلة في عالم المهمشين مع ثلاثية فلليني

1

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

بينما كانت هوليوود منشغلة – كعادتها – بتقديم سينما تعتمد على التخدير والإبهار البصري في الخمسينيات أخذ يتبلور في السينما الإيطالية اتجاه الواقعية الجديدة الذي يعكس الواقع دون زيف أو تجميل بل ينفذ إلى طبقات المهمشين والمنبوذين ليعالج قضايا الشارع خارج القصور الفخمة وصورة الحياة المثالية والرومانسية الساحرة.

فيديريكو فلليني الذي يُعدّ تلميذاً نجيباً لمدرسة الواقعية الجديدة التي بدأت في الأربعينيات وقطباً من أقطابها في الخمسينيات قدّم خلال هذا العقد ثلاثيته العظيمة من واقع حياة المهمشين في المجتمع الإيطالي، ثلاثية درامية حول قسوة الحياة والوحدة والمعاناة.

مثّلت هذه الأفلام الثلاثة تعاوناً مثمراً بين (فلليني – جوليتا ماسينا) الزوجين اللذين صنعا معاً أفلاماً خلدتها ذاكرة السينما، جوليتا التي وصفها فلليني في مذكراته بملهمته الخاصة قدّمت أدواراً متقنة بدرجة عالية، استطاعت من خلال بساطة تعبيرات وجهها التي لا تخلو من لمحة الحزن والمعاناة وحركات الجسد الساذجة أن تأسر المُشاهد وتجعله ينجذب لها.

على الرغم من انشغال العالم وقتها بنموذج نجمة الإغراء الجميلة الذي صنعته هوليوود وقدمته في قالب “مارلين مونرو” كانت السينما الإيطالية تصنع عالمها الخاص بمفردات الواقعية الجديدة التي أوجدت اتجاهاً للدفع بممثلين ذوي مواصفات مختلفة وغير محترفين في بعض الأحيان لأدوار البطولة وتغلب البساطة في الصورة على المؤثرات البصرية المبهرة.

يرسم فلليني ثلاث لوحات سينمائية متناغمة يسيطر عليها جو هادئ وحزين، تحمل طابع إنساني مشترك يستعرضه من خلال شخصيات تعيش على هامش المجتمع تعاني خذلان الحياة وتعرض رمادية الواقع بعيداً عن الأبيض النقي والأسود القاتم، لتخرج تركيبة معقدة للنفس البشرية بتفاصيل الألم والأمل، الحلم والهزيمة، الخير والشر.

La Strada – 1954

la_strada_cinema_poster_by_april_mo-d4kt3is

في فيلم “La Strada” تتضائل كل العناصر ليصبح الإنسان مركز الفيلم وكأن فلليني أراد أن يأخذ جلسومينا وزومبانو من كواليس الحياة الخلفية ليضعهما في صدارة لوحته السينمائية التي ستبقى الإشادة بها مستمرة لتستحق عن جدارة جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي عام 1957.

زومبانو رجل يُقدّم عروضاً لسيرك متنقل فيعيش حياة غير مستقرة متنقلاً من مدينة إلى أخرى، بينما تعتمد عروضه على إظهار القوّة نجد أنه يعاني من الوحدة وفراغ لا يجعل لحياتة قيمة أو معنى. استطاع أنطوني كوين أن يقدم أداء مميّز لتركيبة زومبانو التي تعكس من الخارج بناء جسدياً قوياً وملامح جافة، بينما تحمل في داخلها بحث عن مشاعر رقيقة تخفف ثقل الحياة وتضفي إليها روح و معنى.

تشتبك حياته مع جلسومينا التي يشتريها من أسرة فقيرة مقابل مبلغ صغير من المال لتعمل مساعدة له، تجمع شخصية جلسومينا البساطة والحزن والسخرية في ملامحها وتحمل الشكل النقيّ للطبيعة البشرية الذي لم تلوثه الحياة. تتمكن جوليتا ماسينا من خلال تلك الشخصية بناء جسوراً مع المشاهد ليشعر باتصال يتعدّى حدود الشفقة على تلك الفتاة الساذجة التي رغم سوء المعاملة التي تلقاها تبقى على طبيعتها الوفيّة المخلصة فترفض أن تترك زومبانو الذي مثّل لها كل ما تعرفه في الحياة حتى لا يعاني من الوحدة.

بين الحلم بحياة أفضل ومحاولة الصراع مع الحياة من أجل البقاء ترحل جلسومينا عن العالم بهدوء كطيف خفيف مرّ دون أن يترك أثر لتصف فتاة رحيلها قائلة “وفي صباح يوم ما لم تستيقظ جلسومينا.”، ينتهي الفيلم و لكن بالتأكيد سيبقى وجه جلسومينا بكل ما يحمله من ملائكية لا تخلو من لمحة حزن عالقاً في ذهنك.

1


Il Bidone – 1955

il-bidone-aka-the-swindle-poster-art-1955-E5M6FF

ينتقل فلليني إلى الريف الإيطالي وجانب آخر يعيش على هامش المجتمع حيث مجموعات الاحتيال الصغيرة التي تكسب معيشتها من خداع البسطاء من أجل مكاسب قليلة تمكنها من الحياة، أوجستو رجل في نهاية عقده الخامس يقود مجموعة من شابين آخرين يقومان معاً بعمليات احتيال على الفلاحين، بينما يمتلك رفاقه طموحاً لحياة أخرى فيحلم روبرتو بأن يحتفظ بملغ من المال ويصبح مغنياً ويقرر بيكاسو أن يكمل في ممارسة موهبته كرسام ليحافظ على أسرته المكونة من زوجة وابن، لا يجد أوجستو الذي يعيش وحيداً ما يعيش من أجله سوى الاستمرار في عمليات الاحتيال التي اعتاد عليها.

تترك جوليتا ماسينا هنا صدارة المشهد لبرودريك كراوفورد الذي قدّم من خلال شخصية أوجستو مزيجاً من الخير والشر، صراعٌ داخلي يحياه بين قناعة بمسيرة حياته الخاطئة التي خسر معها كل شيء وتركته وحيداً بعيداً عن زوجته وابنته والإقدام على تغييرها بعد الاعتياد على هذه الطريقة في الحياة وقد صار يشارف على النهاية. ربما ترى أن أوجستو لا يستحق التعاطف الذي اكتسبته جلسومينا، لكن التقييم الأخلاقي لم يكن مطروحاً عند فلليني الذي ركّز على الجانب الإنساني في شخصياته.

 تظهر ابنة أوجستو من جديد لتكون بمثابة فرصة ليغيّر حياته ولكنه يفشل في محاولة أخيرة من أجل مساعدة ابنته، لتستمر الرحلة بعيداً عن مثالية النهايات السعيدة، يأتي مشهد النهاية تاركاً أوجستو الذي يحاول أن يصرخ يرحل وحيداً بينما يستمر العالم في سريانه دون الالتفات إليه.

2


Le notti di Cabiria – 1957

LES NUITS DE CABIRIA-DE NACHTEN VAN CABIRIA - Belgian Poster

فلليني الذي خالف كل التوقعات بإكمال سلسلة بشخصية جلسومينا التي انجذب إليها الكثيرون حتى أراد “والت ديزني” آنذاك أن يحولها لشخصية كرتونية في أفلامه، يعود ليبعثها من جديد في شخصية كابريا بائعة الهوى التي تعيش على هامش المجتمع في حي فقير بروما ولكنها غير مثيلاتها تمتلك بيت صغير ومبلغ من المال استطاعت أن تحفظ لنفسها بهم شيئاَ من التميّز والقوّة.

تُقدّم جوليتا من خلال كابريا شخصية مختلفة كثيراً عن جلسومينا، نجد في كابريا شخصية حالمة متفائلة تصرّ أن تعافر مع الحياة وترفض أن تبقى مجرّد ريشة خفيفة تحملها الرياح أينما شاءت بل تمتلك هدف ورغبة قوية في صناعة واقع مختلف تنتصر به على الظروف القاسية التي وجدت نفسها محاطة بها.

تخوض كابريا صراعها مع الحياة بقلبٍ يبحث عن حب حقيقي ينتشلها من هذا المحيط الذي طالما وجدته غير مناسب لها. وبينما نعيش مع كابريا لياليها نجد أنها محاصرة بخذلان الحياة بمشهد افتتاحي على شاطئ بحيرة يسرق فيه حبيبها الأموال التي تحملها ويلقي بها في البحيرة تاركاً إياها للغرق حتى ينقذها الأهالي، ومشهد ختامي يتكرر فيه خداع الحبيب الذي ظنت أنها وجدته أخيراً وتركت كل شيء من أجله، بينهما ترفض الحياة أن تكتمل لها ليلة تتحقق لها سعادة مؤقتة حين تلتقي بممثل مشهور يتركها حين تعود له حبيبته.

 كابريا الشخصية المتفائلة الرومانسية التي تحاول على الرغم من كل الظروف وسخرية زميلاتها الإصرار على تحقيق المعجزة، تنهي الفيلم بلقطة عبقرية اجتمعت فيها على ملامح وجهها كل المشاعر المختلطة لتصنع مزيجاً من واقع خارجي قاسي وشخصية حالمة.

3


على هامش الحياة يعيش هؤلاء الذين لا يحدثون ضجيجاً في حياتهم ولا يتركون أثراً عند رحيلهم. وإلى هذا الهامش كانت الرحلة مع كاميرا فلليني التي لم تأخذنا إلى مقعد المتفرج في سيرك يشاهد عالم فاتن وجذاب يجد فيه إثارة يفتقدها في حياته الهادئة المستقرة، ولا إلى مقعد القاضي الذي يصدر أحكام أخلاقية ويحمل في يده صكاً يسميه حق الحياة أو أمراً يرسل بأوجستو وكابريا إلى الحلقة الثامنة من جحيم دانتي، بل يجعلنا جزءً من هذا العالم نعايش مع شخصياته صراعهم مع الحياة ونترك تلك المثالية المدعاة التي تضع معايير زائفة لتصنيف البشر لنجد قدراً من الإنسانية في مقابل المعاناة.

1

شاركنا رأيك حول "سينما الواقع؛ رحلة في عالم المهمشين مع ثلاثية فلليني"

أضف تعليقًا