مُراجعة فيلم Ford V Ferrari: صراع ميكانيكي وسرعة فائقة في مضمارٍ طويل

0

الركض العادي وراء الأحلام العادية، أما سباق السيارات فهو العدو خلف الأحلام الفارة من واقع بُطء الإنسان. فن القيادة لا يكمن في الضغط على المقود، والوصول لأكبر سُرعة ممكنة. فن القيادة يكمن بمهارة القائد في التوحد مع السيارة، التخلي عن كون السائق حُر في المكان والزمان، فيما يحاول أن يختزل ذاته المادية والروحية في مركبة تنطلق بسرعة أكبر من قدرة الشخص على الاستيعاب. عندما يُدير المقود، ويضغط الوقود، فيتعزز صوت الإطارات، وترتفع حرارة المُحركات، وتتخفف المركبة من حمولتها بزخم القوة الميكانيكية الدافعة؛ يهتز قلب السائق فرحاً، ويُدرك أنه لا يتزعم مُجرد سيارة، بل تلتهب نفسه بدلالة أنه يقود نفسه، كعقل مُدبر للمركبة، وليس قائد مُنعزل في برجه العاجي، القائد الحقيقي لا يتعالى على مركبته، بل يهتدي بأنه يُدير نفسه أولاً قبل السيارة. يضبط عواطفه قبل أن يضبط سرعة الإطارات. فالثانية الواحدة في مضمار السباق تحدد مصير المركبة، ومُنتهى السائق، فالقيادة في المضمار هي تحد للموت، هي التحليق في الفراغ الكامن بين الموت والحياة.

التعاون الأول بين النجمين مات ديمون وكريستيان بيل يرفع سقف التوقعات لفيلم Ford v Ferrari

سباق (لو مان 24)  Ford V Ferrari

في وقتٍ كانت سباقات السُرعة والفرار هي السائدة في أوروبا وأنحاء العالم، وتحديداً في عام 1923 قرر القائمين على السباقات في “نادي السيارات الرياضية”، خلق ما يُسمى بسباق (لو مان 24) وأقروا فيه الاختلاف، سواء في المضمار أو في تصميم السيارات، فحينما كانت السُرعة هي العُنصر الأساسي الذي يُركز عليه صُناع السيارات، أضحى عُنصر “قوة التحمل” هو السائد، فالسباق الذي يدوم لمدة 24 ساعة كاملة، رسخ مفهوم السيارة المُتكاملة، من حيث كُل شيء، استهلاك الوقود، السُرعة، الحرارة، قوة الاحتمال، وصمود المكابح، لذلك استوجب على المصممين ابتكار طريقة ديناميكية في السير، تتحكم بشكل أفضل في استقرار وثبات السيارة عند المنعطفات.

والجدير بالذكر أن السباق يُقام في شهر (يونيو) من كُل عام، لذلك يقع المُتنافسين في السباق تحت ضغط الظروف المُناخية القاسية، من حرارة وأمطار، لا يتوقف عندها السباق.

قصة فيلم  Ford V Ferrari

مُقتبسة عن أحداث حقيقية، تبدأ القصة من عند المُتسابق القديم ومصمم السيارات (كارول شيلبي) الذي يُحبطه الطبيب بتدهور حالته المرضية، وبُناءً على ذلك يُجهض كُل محاولة منه للعودة إلى السباق، ثم تأخذنا لمُنحنى آخر يدور حول المُتسابق الرائع (كين مايلز) الذي بدوره يحاول جاهداً الفرار من شظف العيش الذي يذوب فيه بسبب حبه للسباقات، وتحوله بكُل جُهده وعمله لتصميم سيارة يدخل بها السباقات، وذلك بسبب عدم ثقة الرُعاة فيه، ويرجع ذلك لرأسه الصلدة وشخصيته المُجحفة، وفي خضم تلك المعارك الحياتية العادية، تثور شركة (فورد) للسيارات بسبب انخفاض واضح في مُعدل المبيعات، ويلتمس جيش موظفيه أن يوجدوا حلاً لمثل تلك الأمور السخيفة، وهُنا يأتي دور (لي ياكوكا) الموظف بشركة (فورد) لكي يصيغ ويستحدث مُتقبل شركة (فورد) العملاقة، بيد أن تلك المرة، مصيرهم مُرتبط بغريمهم الذي يُشرف على الإفلاس، العملاق الإيطالي (فيراري) والذي يتبع منهجية مختلفة تماماً عن (فورد) وهي المُنافسة وحصد الجوائز في السباقات، وصناعة التاريخ الأسطوري المبني على إنجاز مُحقق في حلبة السباق، وعندما ينظر الناس العاديون إلى شوق بيع السيارات، سيوجه الكثير منهم عنايتهم لمضمار السباق، لأن العقل يربط بين الاثنين بشكل تلقائي. ومن هنا يُقنع (لي ياكوكا) الشركة بشراء (فراري)، إنما كبرياء العملاق الإيطالي لا يسمح له أن يقع فريسة للمال، فيأبى البيع، وتضطر (فورد) لجمع فريق تحت إشراف (كارول شيلبي) المُتسابق المُخضرم، وهو بدوره يميل على صديقه القديم الخبرة (كين مايلز) وهو الأخر يجد في ذلك فُرصة لتحقيق ما كان يصبوا إليه، ومن هُنا تتطور الأحداث.

الإطار الإنتاجي للفيلم

الفيلم تم إنتاجه ليكون تابع لشركة (Twentieth Century Fox) ولكن في الوقت بين إنتاج الفيلم وعرضه، تم إبرام عقد بيع الشركة لـ (ديزني)، ومنها خرج الفيلم كإنتاج (ديزني) على الرغم من أن في المُقدمة، ما قبل الفيلم، ظهرت شركة (Twentieth Century Fox) ولكن في الحقيقة أضحت (ديزني) هي المُهيمنة. الفيلم الذي تجاوزت ميزانيته السبعة وتسعون مليوناً، قد حقق أرباح عالمية بما يجاوز 223 مليون دولار. وقد تكفل الإنتاج ببناء مضمار كامل، وهياكل سيارات، ومُعدات وغيرها مما يلزم الفيلم.

فيلم Ford v Ferrari يتصدر سباق شباك التذاكر ويزيح ملائكة تشارلي!

الصراع الخفي بين الرأس المالية والشيوعية

الفيلم لا ينطوي فقط على حركة المُنافسة بين فريقي سباقات مشهورين، ولكنه ينتقل من مُجرد سباق إنتاجي، وإثبات جدارة تقنية وحرفية؛ إلى شيء أكبر منزلة وأعمق أثراً، أنه الصراع الخفي الذي كان يدور بين الرأس المالية الأمريكية الهائلة بمنهجيتها البرغماتية، وأسلوبها المادي القارص، وبين الشيوعية السائدة آنذاك بقوتها المركزية، وفضائها الشمولي. (الحزب الشيوعي الإيطالي) الذي لا أرتاب في كونه كان أكبر الأحزاب في إيطاليا خلال تلك الحقبة. وكانت المسألة أكبر من كون سيارات (فيراري) أفضل وأسرع من مركبات (فورد) بل كان الأمر أشبه بمن الأفضل؟ كُل فريق يُمثل طائفة وجناح كامل من الأفكار والمناهج، والجميع يصوب نظره، على من سيحظى باللفة المثالية، وسيقضي على الآخر، وينتصر لفكره.

نمطية الشخصيات، والقضاء على مثيولوجيا السباقات

ركزت القصة على شخصياتها بشكل أكبر من المُعتاد، وعلى الرغم من أن الفيلم لم ينهب قوته من شخصية واحدة، وأنا أقصد هُنا أنه ليس من أفلام دراسة الحالة التي تستنبط قوتها وتسلط ضوئها على شخصية واحدة، بل فيلم يدور حول محورين أو ثلاثة، وأظن أن السباقات كانت محور الرحى التي يدور حولها الشخوص جميعاً. ولكن للأسف وقعت أغلب الشخصيات في فخ التنميط والتكرار، فالشخصيات التي نجدها هُنا لا تختلف كثيراً عن أبطال الأفلام الرياضية الأخرى، تجمعهم القوة نفسها، ويشحذ نفوسهم الشغف ذاته، بيد أنه كان من الممكن أن يُضيف للشخوص أبعاد مكانية وزمانية أخرى، كقوائم وأسقف تُلقي بظلها على عديد الأشياء، ورُبما كان عليه أن يستفيد من فرصه، بمزج شخصية الزوجة بشكل أكبر داخل عوالم الفيلم، إنما على عكس ذلك فقد كان الفيلم ذكوري من الدرجة الأولى، وظلت الزوجة كظل شاحب في الزاوية المُعتمة. ولكن عاد المُخرج ليفاجئنا بتحرير الفيلم ككُل من كليشيهات مُزعجة يقع فيها أكثر الأفلام الرياضية، وهي النهاية السعيدة، والانتصار للبطل، فقد أخذت النهاية منحى أخذ الفيلم لمستوى أخر تماماً، فالطبيعي بالنسبة لنا أن يفوز البطل في النهاية، ويصفق له الجميع، بيد أن هذا لم يحدث، بل زج بنا المُخرج في خيبة أمل نالت من جمهور الفيلم أكثر من بطله، حيث يفضل نائب رئيس شركة (فورد) أن يصنع الصورة الجماعية المُدهشة بدلاً من إعطاء الأشخاص حق المنافسة وبالتالي تحمل عواقبها، ولكننا لم نر سوى (كين مايلز) ينافس، وكان عليه للأسف أن يرضخ للأوامر.

فالسباق لم ينتهي بالتنافر والتدافع بين المركبات لأخذ أحد السائقين جُزء أخر من الثانية قبل منافسيه، لم يسبق أحدهم الآخر بمقدمة السيارة، أو تتعطل الفرامل في أخر لحظة، بل دخلت سيارات فريق (فورد) الثلاثة خط النهاية في نفس الوقت. وهذا بشكل أو بآخر يقضي على مثيولوجيا اللحظة الأخيرة، التي نرها تتكرر “كثيمة” مشهورة في الأفلام الرياضية.

الفيلم من الخارج، هو صراع بين شركتين، أو بمعنى أكثر وضوحاً، قصة نهوض (هنري فورد الثاني) بشركة (فورد) واستحداثها كشركة ليست مُقتصرة على صُنع السيارات الفاخرة والكسب المادي، بل قصة كفاح رُبما سرقتها (فورد) بأموالها، من فريق لا يتمتع بروح شركة كان يسودها التمادي في البهرجة على حساب المُنتَج، قصة تخليق سيارة تمردت على الصوالب والمصالب، البراغي والمعدن المصقول، وتحررت، بفضل عقول فذة، لكي تَنفُذ في عباب الهواء مُدحرِجة عجلاتها بامتياز يجعلها تفوق سيارات (فيراري) الشاهقة البارقة. ولكن كُل ما في الأمر أن الاتجاه التي سرت به الإحداث، قد جاوز تلك النقطة، لكي يُركز على شخوص بعينهم، خطفوا رونق الفيلم، وذلك رُبما يضعف من الفيلم الذي يبخس من ثمن التفاصيل، التي لو تم تسليط الضوء عليها لفتحت المجال لمعرفة شؤون حِقبة كاملة، بيد أن التركيز على الشخوص، جعل الأمر أشبه بشيء شخصيّ، يحمله (كين مايلز) فقط، ويسير به وحده.

ضف على ذلك أن التركيز على الشخصيات لم يُضف شيئاً جديداً، لم نشعر بشيء كبير من العاطفة يخرج من الشخصيتان الرئيسيتان، الواحدة اتجاه الأخرى، أكثر مما شعرنا بعواطف جياشة اتجاه المركبة من (كين مايلز)، مما أصاب بعض المشاهدين بالانفصال عن المشاهد، والحق أن أفضل الأشياء في الفيلم كانت السباقات وتصميمها وأداءها بشكل رائع، بجانب أداء (كريستيان بيل) العظيم كواحد من الأفضل خلال تلك السنة. وذلك لبعض الأسباب من ضمنها عدم وجود الكثير من المشاهد التي يُمكن أدائها خلف المقود بشكل يُدهش الجمهور، إنما وبشكل خاص، تمكن من إخراج طاقته الفنية حتى وهو مُقيد في عُلبة حديدية.

سباقات على الطراز القديم

حاول المُخرج (جيمس مانغولد) أن ينتهج أسلوب الحركة القديم، وذلك باعتماده شبه الكامل على حركة الكاميرا، والمراوغات الهوائية والعبث بالمسافات واللقطات القريبة على وجه المتسابقين في مركباتهم الضيقة، بجانب الانتباه الدقيق للقطات “المونتاج” التي تُساهم في توحيد المُشاهد مع الحدث، بل جعله جُزءاً من الحدث، وطبعاً لا نستطيع إغفال أهمية الموسيقى التصويرية التي لعبة بشكل كبير على أوتار المتلقي في مشاهد السباق والمراوغات التي كان يقوم بها (كين مايلز). ويُحسب له البُعد عن بهرجة المؤثرات البصرية التي تجعل من فيلم رياضي مثل هذا أمر سهل جداً. والحق أن السباقات في هذا الفيلم كانت شيئاً في غاية الروعة والكمال.

0

شاركنا رأيك حول "مُراجعة فيلم Ford V Ferrari: صراع ميكانيكي وسرعة فائقة في مضمارٍ طويل"