0

من الأشياء المتعارف عليها والتي تعد من بديهيات مهنة الصحافة والإعلام، هي أن دورها يكون إما في توعية الناس بقضية عامة أو نقل الأخبار والقضايا التي تهمهم وإعلامهم بها لذلك يقال عنها مهنة الإعلام ..!! وبالطبع من أساسيات الإعلام الترفيه عن الناس وتقديم الفنون التي ترتقي بهم والبرامج الترفيهية، ولكن متى تحول الأمر إلى سوق يعرض به هذا الكم من الجهل والشعوذة والسادية ؟
منذ بضعة أيام فاجأتنا مذيعة شهيرة بعودتها مرة أخرى لتقديم برنامجها التلفزيوني، ولم يكن هذا اللافت للنظر ولكنها على ما يبدوا قد قررت أن تعود نفس الأسلوب والمنهج الذي كان قد تم إيقافها بسببه من قبل ؟!!

تناولت المذيعة بالحلقة الأولى من برنامجها قضية لا أعتقد أن تهم أي إنسان في مجتمعنا سوى عدد قليل جدا، ولم يفهم أحد حتى الان ما سبب الحلقة وما المغزى من تناول ذلك الموضوع سوى أنها استخدمت أبشع طرية للحصول على نسب مشاهدة عالية من خلال عرض مشاهد لتعذيب أحد الحيوانات أثناء اصطياده، وعلى ما يبدوا أن المذيعة لا تعلم بان المجتمع قد تغير وأن الناس لن تقبل أن ترى مثل تلك المشاهد وتصمت مرة أخرى.

أقرأ أيضًا: أين هي جميع الكائنات الفضائية ولماذا لم تصلنا إلى الآن أي إشارة منها؟ 👽


نعود للسؤال الذي قد بدأنا به هذا الموضوع، متى تحول الإعلام إلى هذا الاتجاه ؟ من عرض أي شيء فقط لكسب المشاهدات العالية والطبع تزيد معه الإعلانات التي تجعل القناة التلفزيونية تربح  لا أخفيك عزيزي القارئ بأن الأمر مرتبط بشكل متوازي مع تلك المذيعة التي قد تحدثنا عنها من البداية فمسيرتها التلفزيونية مع تقديم البرامج هي نفسها متقاربة إلى حد كبير مع تلك البرامج التي تهتم بالـ”فرقعة”.

كانت بداية تلك النوعية من البرامج مع مطلع الألفية الجديدة وظهور القنوات الفضائية الخاصة وهو نفس توقيت ظهور صديقتنا، تلك النوعية من البرامج كانت تقدم في البداية على استحياء بمواعيد متأخرة في الشتاء فلا يشاهدها سوى عدد قليل من الجمهور، وكانت صديقتنا من أوائل من قدموا تلك النوعية من البرامج حيث كانت تجلس بالساعات داخل الأستوديو على الهواء بعد منتصف الليل وتتلقى المكالمات الهاتفية من الجمهور والتي تنوعت ما بين المشاكل الزوجية وفضائحها أحيانا، ونظرا لأن الإنسان بطبعه عاشق للتلصص نجح البرنامج أو نقول هو ومن سعى لتقليده لتكون تلك النوعية من البرامج حاضرة بشكل كبير.

ومع مرور الوقت بدأت تلك النوعية من البرامج تأخذ طابع أخر وهو مناقشة القضايا الاجتماعية والحوادث ولكن ليس سعيا في حلها بقدر ماهو فقط لعرضها والسعي للاستحواذ على مشاهدات الجمهور، وأي شخص رأى أي حلقة لصديقتنا وهي تعرض إحدى الحوادث أو القضايا يعرف بشكل واضح كيف أنها كانت بعيدة تماما عن الحيادية والمهنية، لم تعرف صديقتنا بأن القانون يؤكد بأن المتهم برئ حتى تثبت إدانته وذلك لا يحدث سوى بأمر قضائي واحتراما للقضاء.

ولكن صديقتنا والبرامج المشابهة لها سعت دوما لأن تؤكد للمتهم بأنه مجرم ويستحق المزيد من العقاب لا تترك مجالا للتحدث لأحد سوى صوتها ولا تسعى لإيجاد حل، كنا ننتظر أي من تلك البرامج أن تستضيف أستاذ جامعي أو متخصص بعلم الاجتماع ليناقش القضايا ولكن ذلك لم يحدث في أي برنامج من تلك النوعية فما يسعون له لا شيء سوى أن نجعل الناس تشاهد وتشاهد ..!!

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد وبدأت تلك النوعية من البرامج وصديقتنا بالطبع على القمة بتقديم الشعوذة والجهل في أقصى صوره، فأصبحنا نشاهد الجن والأشباح والملبوسين ومدعي النبوة يتكلمون في تلك البرامج ويؤثرون على وعي الجمهور ولا يقدم أي شيء هام لهم، لم نرى أي حلقة من تلك البرامج يهتم بالرأي العلم أو يستضيف طبيب وعالم يتحدث عن الظواهر الغير مفهومة ولكنهم اكتفوا بتأصيل تلك الأفكار التي عفى عليها الزمن بعقول الجمهور البسيط.

للأسف أن تأثير تلك النوعية من الإعلام والبرامج يتضح نتائجه بعد مرور وقت ليس بقصير، لنرى الناس بعد ذلك قد تشبعوا بتلك الأفكار والأوهام التي يشاهدوها في التلفزيون لتصبح أمرا اعتياديا وجزءا لا يتجزأ من حياتهم.


وحينما يحاول البعض أن يتحدث مع صديقتنا أو ممن يشبهونها في تقديم تلك الكوارث تجدهم يؤكدوا بأن رسالتهم سامية ..!! وبأن كل القوى التي في العالم تحاربهم وتحارب ما يقدمونه والح أن ما يقدم منهم يستحقق المحاربة فعليا.
لم يكن محاربتنا لهؤلاء وتلك النوعية من البرامج لسبب شخصي مثلما يدعون، ولكن السبب هو محاربة الجهل والأفكار الخاطئة والشعوذة ومحاربة اللعب بعقول الناس فقط لجذب النجاح الوهمي وتحقيق الشهرة الزائفة محاربة تلك النوعية من البرامج إيمانا بأهمية العلم والتحضر والتطور الذي تسعى إليه كافة المجتمعات وتدعوا إليه كل الأديان السماوية.

فالتاريخ والحقيقة يخبرانا بأن المجتمعات والإنسانية تتطور بالعلم والمعرفة والعقل، كنا ننتظر ونسعد حينما نرى برامج تلفزيونية تقوم على تشجيع البحث العلمي والإختراعات، نشجع برامج تقوم على الرقي بالإنسان من خلال الفن الحقيقي والذوق الراقي، لا نهاجم من يسعى لجعل الحياة أفضل والناس أفضل من يقدم للناس الخبرة والأفكار البناءة التي تجعل من المجتمع أفضل.


أما من يقدمون تلك النوعية من برامج الدجل والشعوذة فلن يستمروا طويلا ولن ينخدع الجمهور بما يقولون أو يقدمون في برامجهم فالدنيا تتقدم ولا تقف والناس تستوعب جيدا بأن ما يقدمونه هؤلاء لا شيء سوى كلام أجوف وحالات مصطنعة، ولهؤلاء المذيعين عليكم أن تستحوا مما تقدمونه على شاشاتكم وتسعوا لأن تكون برامجكم ذات قيمة وتساهم في تقدم الناس ومعرفتهم وليعيشوا حياة أفضل متمسكين بأحلامهم وأهدافهم على أسس حقيقية وليست وهمية، لا يلجأون للخرافات حتى يحققوا ما يردون ولكن يعرفوا بأن بالعلم والعمل يتحقق كل شيء ويعيشوا سعداء وليس بالشعوذة والأفكار الخاطئة.

أقرأ أيضًا: كيف يقتل الإعلام العلم نفسه؟ عندما تتحول التخمينات عن جزئيات إلى حقائق عن كليات

0

شاركنا رأيك حول "هل أصبحت البرامج التلفزيونية أداة للترويج للجهل والشعوذة والعنف والتنمر؟!"