هذا المساء … أو كيف استطاع تامر محسن الغوص في نفوس البشر!

مسلسل هذا المساء
0

بعد مسلسله “بدون ذكر أسماء” الذي أشاد به الجمهور والنقاد معًا، وتلاه مسلسل “تحت السيطرة” الذي تابعه الجميع بشغف، انتظر الجميع مسلسل المخرج تامر محسن الجديد، آملين ألّا يخيب ظنونهم، فلم يقم محسن بتحقيق آمالهم فقط، بل أصبح مسلسله أفضل عمل في السباق الرمضاني 2017، تاركًا مسافة كبيرة بينه وبين باقي المسلسلات، بسيمفونية مرئية رائعة استمتع بمشاهدتها الجميع، وسمع عنها من لم يرها.

 

يدور المسلسل حول الفضول والخطايا الإنسانية، والبحث عمّا يفتقده الإنسان في حياته ومحاولة الحصول عليه بأي طريقة، والتلصص على حياة الآخرين حتى لو لم نكن نعرفهم. بين عالمي الطبقة المتوسطة والقصور، تبدأ العلاقة بين أكرم وزوجته نايلة في الفتور، فيبحث خارج عالمه الغني ليتقابل عالمه مع عالم سائقه الشخصي سمير، الآتي من الطبقة المتوسطة، والذي يتلصص على هواتف الأشخاص مع صديقه سوني، مستغلين امتلاكهم لمحل بيع وإصلاح هواتف محمولة.

احمد داوود مسلسل هذا المساء

المسلسل تأليف تامر محسن وسيناريو محمد فريد وورشة الكتابة التي أشرف عليها، ومن بطولة أحمد داوود، ومحمد فرّاج، وإياد نصار، وحنان مطاوع، وأروى جودة، إلى جانب العديد من الوجوده الجديدة أو التي أعيد اكتشافها مثل: أسماء أبو اليزيد، ومحمد جمعة، وخالد أنور، وزينة منصور، ومحمود حافظ، وأحمد التركي، والطفلة ملك عاصم.

شخصيات هذا المساء

محمد فراج و احمد داوود مسلسل هذا المساء

في هذا المساء فقط لا يمكننا أن نكره أي شخصية كرهًا خالصًا، فمن نكرهه في بداية الحلقة نسامحه في آخرها، وهذه هي نقطة قوة حقيقية لسيناريو المسلسل، الذي استطاع رسم الشخصيات الرئيسية للعمل، فتعرفنا على عيوبها ومميزاتها، فأظهر أنّ لكل شخص منا جانب شرير قد يظهره في أوقات ضعف حتى يتمكن منه تمامًا، ولكن عندما نشاهد الجانب الإيجابي من شخصيته نتساءل لماذا إذًا بداخله هذا القدر من الشر.

بالطبع لم يتطرق المسلسل لكل جوانب شخصيات العمل، ولكنه يجعلك تتساءل هل باقي شخصيات العمل التي ظهر لنا منها جانبها الشرير فقط، تحمل جانبًا طيبًا هي الأخرى ربما لو رأيناه لاستطعنا أن نتفاعل معها بنفس الطريقة، وهل إن رأينا الجوانب الشريرة للشخصيات الطيبة سنتعاطف معها بكل هذا القدر!

الخطية الأساسية

احمد داوود مسلسل هذا المساء

يحمل اسم العمل “هذا المساء”، هي الجملة التي كانت تُكتب قديمًا على إعلانات دور السينما لعرض الأفلام، وكثير من أحداث العمل الأساسية دارت في أو بسبب أعمال يقوم بها شخصيات داخل سينما مهجورة. ربما ما عناه صُنّاع العمل هنا، أنّ الكثير مننا لم يعد بحاجة إلى مشاهدة الأفلام، فمشاهدة الغير والتلصص عليهم أصبح بديلًا كافيًا لذلك، حتى إن لم تتح لنا الفرصة للتلصص على هواتف الآخرين، فلقد أصبح العالم اليوم يشاهد بعضه البعض من خلال الوسائل المختلفة، فالخطية الأساسية لغالبية أبطال المسلسل هي الفضول والتلصص.

فيلم رعب

اسماء ابو اليزيد مسلسل هذا المساء

واحدًا من أقوى المشاهد التي عُرضت في المسلسل، هو مشهد ذهاب الفتاة “تقى” إلى الرجل “فياض” الذي يهددها بفيديو جنسي، تحرش فياض بتقى والخوف البادي في عينيها وخلجاتها، والشهوة والقوة الواضحة في حركات فياض، ولّدت لدى المشاهدين شعورًا بالرعب، فحبسوا الأنفاس وتجمعت الدموع في الأعين منذ بداية المشهد حتى نهايته، فلو كان هذا فيلم سينمائي هوليويدي لحصل أبطاله بالتأكيد على جوائز الأوسكار.

تامر محسن وأبطال العمل

محمد جمعة مسلس هذا المساء

الأمر الملفت في المشهد السابق ذكره أنّه من بطولة وجهين جديدين، هما محمد جمعة وأسماء أبو اليزيد، اللّذين قدما بجانب باقي أبطال العمل أدوارًا لا يستهان بها، وتقمصًا لا حدود له. هذا الأمر ليس بجديد على المخرج تامر محسن، فهو مكتشف للوجوه الشابة، ومغيّر لجلد الممثلين الشباب والمخضرمين، وإعادة اكتشاف لممثلين موجودين في الساحة الفنية إلّا أنّهم لم يحصلوا بعد على أدوار فنية تبرز طاقاتهم الإبداعية، وهو ما شاهدناه كذلك في أعماله السابقة “بدون ذكر أسماء” و “تحت السيطرة”.

عناصر ضرورية

أروى جودة مسلسل هذا المساء

إضافةً إلى السيناريو والحوار المحبوكين والتمثيل، فإنّ اختيار الإضاءة في المسلسل كانت عاملًا إضافيًا لزيادة الإحساس بمشاعر الشخصيات، فالإضاءة الباردة في بيت أكرم وتحديدًا في المشاهد بينه وبين زوجته، نقلت لنا على الفور إحساسًا بالفتور وعدم الأمان، وعكسها تمامًا كمية الإضاءة التي تنير بيت عبلة والنور الذي يدخله من كل مكان، بينما الظلام الذي يخيّم على السينما والغرفة الملحقة بها أعطى شعور القيام بفعل خطأ.

لم يكن هذا الأمر هو الوحيد الذي ساعد العمل على الظهور بهذا الشكل، فملابس الشخصيات “غادة وفيق” و الماكياج “هيثم دهب”، وكذلك ديكور المنازل المختلفة والشارع “هند حيدر”، إضافةً إلى الموسيقى التصويرية الرائعة من المبدع أمين بوحافة، لولاهم لما خرج العمل بهذا التميز.

عيوب لا تفسد العمل

إياد نصار و حنان مطاوع مسلسل هذا المساء

رغم أنّ المسلسل يجمع عناصر ممتازة، إلّا أنّه يحمل بالتأكيد بعض العيوب التي لا تفسد من متعة مشاهدة العمل الفني ككل، فالانغماس في حياة إخوة “أكرم” وصديقه، لم تكن ذات جدوى ولم تضف إلى العمل وحتى لم تؤكد بشكل واضح على فكرته. ربما أراد المؤلف أن يظهر علاقات أخرى غير الأساسية ليؤكد عليها ولكنه لم يستطع الإمساك بها جيدًا، أو ربما كانت ضرورة أن تكون الحلقات 30 حلقة فكان يجب إضافة شخصيات جانبية للعمل. سواءً هذا أو ذاك، فإنّ الدخول في عالم هذه الشخصيات لم يضف للعمل في النهاية، وإن كان لم يضره لحد الإخلال به.

في النهاية قدّم لنا تامر محسن عملًا يستحق الإشادة مؤكدًا على اسمه كمخرج موهوب وموثوق به، يهتم بكل تفاصيل العمل، بدايةً من السيناريو والممثلين كبارًا كانوا أم صغارًا إلى أماكن التصوير، هو مخرج لا يخشى المغامرة وينجح في الاختبار، ويستطيع ببراعة جمع العناصر المختلفة للعمل، فيخرج لنا في النهاية بعمل يستحق المشاهدة، ويجعل المشاهدين يفكرون فيما شاهدوه.

0

شاركنا رأيك حول "هذا المساء … أو كيف استطاع تامر محسن الغوص في نفوس البشر!"