0

تمكن باسل خياط بعزفه المنفرد على إيقاع الأدوار النفسية المركبة، من نقل أعمال كاملة نقلة نوعية تحتسب لكل
صناع العمل. ليغير من المنطق السائد للحسنة التي تخص، ليجعل من حسنته جمالاً مطلقاً يعم الجميع. وقدم لنا خياط
نموذجين شديدي النضج في ٣٠ يوم ( والذي تم عرضه عام  ٢٠١٧) ، والرحلة (والذي تم عرضه عام ٢٠١۸).

وذلك من خلال تجسيد شخصية توفيق (السيكوباتي الغامض الذي يتلاعب بضحاياه في لعبة خطرة ممسكاً بكل خيوطها).
وأسامة ( الأستاذ الجامعي شديد الغرابة والاضطراب النفسي).

وقد جسدهما بعمق نفسي، وحرفية منقطعة النظير لدرجة أنك بالكاد ستتمكن من الفصل بين كل شخصية من تلك
الشخصيات وبين خياط نفسه .

الجوكر شديد السحر والغموض المبهر في ٣٠ يوم

اللقاء الأول بين توفيق ود.طارق مسلسل في ٣٠ يوم
اللقاء الأول بين توفيق ود.طارق.

للوهلة الأولى وحينما تراه في شخصية توفيق، الرجل الوسيم الواثق ذو الكاريزما التي تحمل أثر الفراشة في خفة الظل ورشاقة الروح، لن تجد أمامك سوى الإنجذاب لسطوة شخصيته حتى بعد أن تعرف أنه شخصية سيكوباتية مهووسة بالتلذذ بالشر، وصنع الألم الخاص بضحاياه على نار هادئة.

من اللقطة الحوارية الأولى سيدفعك للبحث عنه والنبش في ماضيه، كي تضع يدك على أي دوافع نفسية قد تبرر لك التعاطف معه وتفهم حالة تقبلك له.

يصنع خياط صلة جبارة بين المشاهد، وبين شخصية توفيق في المواجهة الأولى بينه وبين د. طارق (آسر ياسين) .

يجلس توفيق أمام الطبيب النفسي (طارق) وهو يعكس الأدوار. يمسك هو دفة الحوار ويبدأ بالسيطرة على عقلية طارق بأن يشرح له قواعد تجربة نفسية مدتها ثلاثين يوماً يقرر تجربتها على شخص سيطلق عليه لقب (المختار).

وقبل أن يعلن توفيق أن طارق هو المختار، تُظهر ملامح طارق فزعاً واضطراباً لايمكن تجاهله من التأثير النفسي لتوفيق عليه .
لم يكن مشهدا ً عادياً أبداً، فقد كان مركباً بشكل يصل حد التعقيد. وقد امتلك خياط الأدوات التي مكنته منه بمثالية فائقة.

لدرجة أنه جعلني أخلط في رأسي بين توفيق وبين خياط نفسه. فلم يكن يمثل مطلقاً. كان يعايش الدور بمصداقية مخيفة، وبصورة غير باعثة على السخرية كما فعلت معنا أعمال درامية وسينمائية كثيرة جسدت لنا المرض النفسي بصورة نمطية تثير الغرابة والضحك في آن معاً.

حركات يد توفيق وتوظيفها بشكل استثنائي. ضمه ليديه وتوازنه مع نبرة صوته. صوته الرخيم الهاديء ذو الثبات الانفعالي الغامض. والذي يركز بصورة مهيبة على كلمات بعينها مثل (الخوف المطلق).


الجانب الإنساني غير المتزن من توفيق

عقاب توفيق لراغب.
عقاب توفيق لراغب.

في مشهد لا يوصف إلا بالعبقري يدخل توفيق إلى راغب مدير المكان الذي يعزف فيه. بعد أن عرف من سلمى زميلته أنه تحرش بها. يقف فوق المكتب، ثم يخنق راغب بربطة عنقه بحركات سريعة جدا وهو يقول له:
“زمان كنت أسمع إن اللي اتعرض لتحرش وهو صغير، بيكبر ويبقى متحرش كبير.”
“ماتحلش عقدك بالطريقة دي يا رغوبة. ”

ينتهي المشهد بأن يغني توفيق وهو مولي وجهه ناحية الباب :
“ماما زمانها جاية ، جاية بعد شوية ، جايبة لعب وحاجات.”

ثم يلتفت إلى راغب وهو يقول له:
ماتعملش كده تاني، ويضرب كفه بالكف الأخرى على نفس طريقة توعد الأم بالعقاب لصغيرها.
وينصرف بابتسامة عجيبة، وتحية تتمثل بانحناءة خفيفة.

تسليط الضوء على الصورة الكاملة للانطباع الأخير

في مشهد النهاية الذي كان من أكثر المشاهد التي تمكن خياط خلالها من التلاعب بكل خيوط النفس، وسبر أعمق أغوارها.
والتي تنقل فيها ببراعة بين الاضطراب النفسي، وبين الضعف الإنساني غير المصرح به، والقوة الواهية، والأهم من كل ذلك المكاشفة الحرة بصورة شديدة البساطة والمرونة على نقيض شخصية توفيق التي تلاعبت بنا خلال ثلاثين تجربة شديدة القتامة.

يقول توفيق متحدثاً بنغمة هادئة وثابتة تنبعث منها رائحة الخوف الإنساني التي اختفت طوال الثلاثين تجربة وهو معلق من رقبته بمشنقة صنعها له طارق:

“أنا حسيت بيك دلوقتي، حالتك كانت بتبقي ازاي لما كنت برغي معاك وبعد كده بنفذ اللي كنت بنفذه. أنا اسف فعلا يا طارق. حاجة مملة جدا انك تبقى مكاني هنا. بس ممتعة أوي لما تبقى مكانك.”

ثم نبرة الاستجداء المبطنة:

“مش ممكن يعني لما تموتني ، تفضل تشوفني في أي مكان تروحه؟”

حتى ترتفع نغمة السيكوباتية بصورة صاخبة تشوش على الموقف بأكمله:

“أبوس إيدك قولي إنك قررت تعمل زي ما انا كنت بعمل .. تشتغل شغلانتي دي.”

وينهي خياط تجربته بضحكة المنتصرالذي اختار المكابرة الجميلة أمام الموت، وفي عينيه خوف صارخ من نهايته.

أقرأ أيضًا: بشأن تحدي الانطباع الأول وإغراق الميديا بالزيف: هل أينشتاين هنا أبله كما يبدو؟

ماذا فعل بنا خياط في الرحلة ؟

أسامة في مسلسل الرحلة.
أسامة في مسلسل الرحلة.

بملامح جامدة وتقاسيم وجه تخلو من التعبير، ونظرات موحدة الاتجاه ورأس تميل بزاوية تثير القلق. ومشية بحركات جسدية متخشبة، وكلمات مكررة يتجسد أمامنا خياط في شخصية (أسامة).الأستاذ الجامعي المتخصص في علم السموم. والذي يعاني اضطراباً نفسياً واضحاً يتنقل فيه بين جنون الارتياب، وجنون العظمة والسادية.

على غرار عقدة طفولية مظلمة شكلها رحيل الأم، يقرر أسامة سجن زوجته ومن ثم ابنته مدة ست سنوات في بيت أمنه بكل الطرق الممكنة، قاطعاً عنهما أي سبيل للتواصل مع العالم.

ظناً منه في كل ذلك أنه يشكل لهما الحماية من العالم، من الوحوش اللي برا دول على حد قوله.

يحصرنا خياط في زاوية لا تمكننا من اتخاذ موقف واضح ضد أسامة. هل تعرف معنى الوقوف على الحياد أمام شخص يخلق العذاب لضحيته بطرق استثنائية، ولكنه في نفس الوقت له عذاباته الخاصة التيلم يكن له شأن بها! وتورطه بها بطريقة عبثية ورطت وعيه في خلق عالم موازي لظلامه الداخلي.ليصير وعيه الحقيقي لاوعي مطلق.

التوحد مع الجنون المطلق في ثبات لامثيل له

أسامة وهو يقوم بدور إنجي.
أسامة وهو يقوم بدور إنجي.

في مشهده الأشهر على الإطلاق. يرتدي أسامة ثوباً نسائياً، وشعراً مستعارا، ويتزين بأحمر شفاه صارخ. ويسير متمايلاً بالكعب العالي، ويجلس في مواجهة بينه وبين زوجته( رانيا).

وبتلقائية فطرية يقول أسامة:
“أنا إنجي صاحبتك أنتيمتك اللي تقدري تقوليلها كل حاجة نفسك فيها. تقدري تقوليلها أسرارك. تقدري تقوليلها أسرارك.  الحاجة اللي مش قادرة تقوليها لجوزك أسامة أسامة تقدري تقوليها دلوقتي. ”

“هي الواحدة منا محتاجة إيه غير راجل زي أسامة، زي أسامة. ”

“وإنك تشكريه على الحاجات الحلوة اللي بيعملهالك، حتى لو يعني. إيه المشكلة، إيه المشكلة إنك تبوسي إيده ؟ أحيانا الست تبوس إيد جوزها. ”

تهم زوجته لتقبل يده، فينفعل بشكل مخيف:
“يا بنتي مش أنا، مش أنا.
أنا إنجي، أنا إنجي صاحبتك. للدرجادي يعني مش عارفة، مش عارفة تفرقي بين جوزك وبين صاحبتك
مش عارفة أنا مين؟”

تلك البراعة في تجسيد أسامة لدور إنجي، وتلاعب خياط بهما معاً جعلني أبكي وأضحك في آن.ولكن رغم تعقيد تلك الشخصيات التي جسدها خياط سواء توفيق، أو أسامة. إلا أنه تمكن من عمل متلازمة سردية شديدة المرونة والبساطة لعمق النفس البشرية في كلا الدورين دون سخف أو ابتذال، أو حتى تحذلق ليقدم لنا نموذجاً فنياً عظيماً بإمكاننا تأريخه بكل زهو .

0

شاركنا رأيك حول "كيف غير باسل خياط الانطباع الخاطيء عن الدراما النفسية؟"