نهايات تخيلية منطقية غير سعيدة لخماسية التسعينات لعادل إمام

افلام عادل امام أفلام عادل إمام صورة من فيلم الإرهاب والكباب
0

في هذا المقال نحاول أن نتخيل ما الذي سيؤول إليه الحال بأبطال افلام عادل امام خماسية التسعينات التي صنعها شريف عرفة ووحيد حامد، وأداها عادل إمام كي تصبح علامةً فارقةً في تاريخه. لذلك، إن لم تكن رأيت هذه الأفلام بعد فيستحسن أن تؤجل قراءة المقال؛ لأنّه لابد من كشف النهاية الأصلية لكل فيلم ثم عرض النهاية المتوقعة.

لا شك أنّ افلام عادل امام : (اللعب مع الكبار- الإرهاب والكباب – المنسي – طيور الظلام – النوم في العسل) على الترتيب من علامات السينما المصرية، لاسيما أنّها عالجت الواقع السياسي والمجتمعي المصري فترة التسعينات بشكل رائع، ولقد لفت صاحب مدونة سينماتولوجي محمد أبو سليمان في حلقته، التي تناولت هذه الأفلام إلى ثيمات مكررة بين هذه الأفلام تظهر كم كانت هذه الأفلام عبارة عن مشروع متكامل حتى وإن بدت في شكل حلقات منفصلة لا ترتبط أحداثها ببعضها.

على سبيل المثال، في فيلم المنسي سأل يوسف المنسي شخصًا قابله في السينما إن كان قد ذهب إلى مجمع التحرير من قبل أم لا، وكان هذا الممثل هو علاء ولي الدين الذي كان ضمن أبطال فيلم “الإرهاب والكباب” بالفعل، والذي دارت أحداثه في مجمع التحرير.

مراجعة مسلسل عوالم خفية: عادل إمام يعاود اللعب مع الكبار!

وفي فيلم اللعب مع الكبار كان بطلا الفيلم عادل إمام وحسين فهمي يجلسان أسفل تمثال طلعت حرب الذي على بعد خطوات من مجمع التحرير، والذي كان واضحًا في الكادر بالفعل، مما يعني أنّ هذه الأفلام كانت مشروعًا سينمائيًا لكاتبها وحيد حامد ومخرجها شريف عرفة وبطلها عادل إمام، و بالفعل يتمحور مشروع افلام عادل امام هذا حول نقطة واحدة وهي كما كانت عنوان الإصدار الأول من هذا المشروع “اللعب مع الكبار”، حيث كانت أحداث جميع الأفلام تعبر عن احتكاك المواطنين العاديين بالكبار وزنًا في مصر سواءً كانوا رجال أعمال أو سلطة، ولقد اختار وحيد حامد نهايات مفتوحة لكل الأعمال تقريبًا، وفي ثلاث منها اختار أن تكون النهاية عبارة عن احتماء البطل بالناس ووقوفه إلى جوارهم، ولكن هل هذه هي النهاية الطبيعية لكل الأفلام؟ ولماذا لم يتطرق وحيد حامد في فيلم واحد حتى لمصير البطل بعد هذا الموقف، ولو حتى عبر التنويه كتابةً على تتر الفيلم؟ ربما لأنّ نهايات افلام عادل امام هذه لن تكون سعيدةً على الإطلاق … فماذا يمكن أن تكون هذه النهايات التخيلية؟

اللعب مع الكبار

بوستر فيلم اللعب مع الكبار

في نهاية فيلم اللعب مع الكبار يقف عادل إمام أو حسن بهلول البطل المهمش العاطل، الذي يحاول كشف الفساد في البلاد بمساعدة ضابط نبيل عبر صديقه مهندس التليفونات في السنترال الرئيسي في مصر، والذي كان يتجسس على المكالمات ويبلغ بها حسن، ولكن عندما ينجح هؤلاء الفاسدون في قتل صديقه بعد انكشاف أمرهما يقف حسن إلى جوار الضابط بعد مقتل صديقه وهو يصرخ “هحلم”، والضابط يطلق الرصاص على شخص مجهول لم يظهر في الكادر، وكأنّه يد كل هؤلاء الباطشين الفاسدين في البلاد، وينتهي الفيلم بصراخ حسن بإصراره على الحلم وإصرار الضابط على الوقوف في وجه الفساد، إلّا أنّ ما يمكن أن يحدث لحسن بعدها هو النجاح في استهدافه من هؤلاء القتلة خصوصًا أنّ أيديهم طائلة في جميع أنحاء البلاد، ولن يتمكن حسن من الهرب منهم ولن ينجح الضابط في حمايته أو إنقاذه الذي سيتم إيذاءه هو أيضًا عن طريق سحب القضية منه، وربما معاقبته بنقله إلى مكانٍ نائي أو حتى إيقافه تمامًا عن الخدمة.

الإرهاب والكباب

صورة من فيلم الإرهاب والكباب

هذا الفيلم رأيته ربما ما لا يقل عن مائة مرة بلا مبالغة خصوصًا أنّني أراه على مدى خمسة عشر عامًا، حيث رأيته وأنا صغير على التلفزيون ومن وقتها كنت أحرص على مشاهدته في كل مرة يعرض فيها، وشاهدته عشرات المرات أيضًا على يوتيوب، إلّا أنّني أصبت بالحيرة منذ أول مرة وفي كل مرة؛ لأنّ النهاية تبدو مفتوحةً جدًا، البطل أحمد الذي ينجح عن طريق الخطأ ونكاد نقول أنّه تورط في احتلال مجمع التحرير واحتجاز رهائن بمساعدة مجند في الجيش وملمع أحذية جنوبي، وبعد ليلة كاملة من الاحتجاز يقرر أحمد إطلاق الرهائن إلّا أنهم يتفقون على خروجه معهم كأنّه واحدٌ منهم، وعندما تقتحم القوات المجمع لا تجد سوى ملمع الأحذية والمجند، وينظر وزير الداخلية للرهائن نظرةً توحي بانكشاف الخدعة بينما ينظر أحمد نظرةً أخيرةً للمجمع والقوات المُقتحمة على موسيقى مودي الإمام العبقرية، والتي أعطت للفيلم بعدًا آخر (كنت أضع موسيقى هذا المشهد رنة لهاتفي في فترة ما)، ولكن هذا الفيلم له نهاية واحدة تكاد تكون مؤكدةً وليست محتملةً؛ لأنّه بقليل من التحريات، وباعتصار ملمع الأحذية والمجند في التحقيقات سيتمكنون من اعتقال أحمد، وغالبًا أحمد هذا لن يرى النور ثانية، حيث سيتم تلفيق تاريخ إجرامي سابق له أو أغلب الظن أنّه سيقال عنه أنّه مختل عقليًا، وأنّه يعاني من اختلال نفسي حتى وإن ادعى أنّ الأمر وقع بالمصادفة أو عن طريق الخطأ، فمن سيصدق مختل عقليًا … هذه الرواية بالنسبة لي هي الأقرب للواقع؛ لأنّ حكاية المختل عقليًا هذا تم اللجوء إليها في عدة جرائم شغلت الرأي العام من قبل.

المنسي

بوستر فيلم المنسي

في فيلم المنسي واحد من أشهر افلام عادل امام يقوم يوسف المنسي موظف السكك الحديدية والذي يدل اسمه على حالته العامة، بالصدام مع رجل أعمال ثقيل جدًا وعلى علاقة طيبة بأعلى المسؤولين والمناصب الحساسة والقيادية في الدولة؛ وذلك بسبب سكرتيرة رجل الأعمال هذا بعد أن كان يريد أن يبيعها لملياردير خليجي (لطالما كنت أشعر أن هذا الرجل كان يقصد به عدنان خاشقجي رغم عدم توفر تفاصيل لازمة لشخصيته تشير إلى هذا) يرنو إلى التعاون معه في مشروعات كبيرة، ولما ترفض هذه السكرتيرة تلجأ ليوسف الذي يعمل في كشك قريب من فيلا رجل الأعمال، والذي لا يتردد في حمايتها وتخليصها من براثنه بالفعل رغم ما كلفه هذا من مصاعب ومعارك وأذى جسدي ومعنوي، في نهاية الفيلم يصل رجل الأعمال مع رجاله إلى يوسف مع شروق الشمس، إلّا أنّ يوسف يحتمي بالمزارعين والبسطاء من المواطنين مما يجبر رجل الأعمال على التراجع عن قتله الذي كان شبه أكيد، لكن ما سيحدث بعد هذا ربما يكون متوقع ومعروف، في ظرف 24 ساعة سيتمكن رجل الأعمال من العثور على يوسف ومعاقبته، إمّا سيقتله مباشرةً أو سيتلذذ بتعذيبه قبل قتله، أو إن كان يود أن يسير بشكل قانوني سيلفق له قضية تجعله يظل في السجن ما تبقى له من عمره، ووقتها ستتأكد حالته كشخص منسي بالفعل.

طيور الظلام

بوستر فيلم طيور الظلام

لم تكن نهاية هذا الفيلم لها علاقة بالاحتماء بالناس أو ما إلى غير ذلك، فتحي نوفل محامي فاسد يعمل مع الكبار مباشرةً حتى ظن أنّه يستطيع أن يناطحهم، أو نسي أنّ الكبار يوجد دائمًا من هو أكبر منهم. لذلك، يجد نفسه في السجن مع زميله محامي الجماعات الإسلامية، ويتشاركان تصويب الكرة نحو المجهول لتكسر زجاجًا تخيليًا لينتهي الفيلم تمامًا كما كسرت الكرة زجاج سيارة مندوب موّكِل هام استطاع فتحي بألاعيبه أن يكسب القضية لصالحه في بدايته، ما بعد هذه النهاية لا أستطيع توقعها بشكل مؤكد، ولكنها لن تكون مأساويةً على أي حال، ربما سيظل فتحي وعلي بالفعل في السجن لفترة طويلة، ولكن لا أدري لماذا أميل إلى خروج فتحي بالفعل وربما احتلاله منصب هام بعدها، أمّا علي فسيخرج أيضًا بعد فترة وينشق عن الجماعة التي ينتمي إليها ليؤلف كتابًا عن أسرار هذه الجماعة وكواليسها، ومن الغريب جدًا أنّ معظم من انشقوا عن جماعات تيار الإسلام السياسي ووجدوا مكانًا فسيحًا لهم في الإعلام وعلى صفحات الجرائد هم محامون بالفعل، كأنّ وحيد حامد كان يتنبأ بالمستقبل بالفعل.

النوم في العسل

بوستر فيلم النوم في العسل

وباء غريب يضرب رجال مصر في فحولتهم فيضعهم في موقف محرج أمام زوجاتهم وأمام أنفسهم، هذا الوباء يسيطر على البلد بأكملها ليصبح هستيريا يسعى الجميع للتخلص منها فيفتح بابًا للدجل والخرافات، ويحاول رئيس المباحث مجدي استقصاء المسألة والوصول للسبب الحقيقي لها وسط محاولات رؤسائه على التعتيم على الأمر حتى لا يثيروا الذعر أو البلبلة بين المواطنين، وأخيرًا يتوصل مجدي للسر من وجهة نظره حيث أنّ الناس ممنوعة من الصراخ ومن التعبير عن آلامها لمبررات عدة، ويقرر أن يقود مظاهرة حاشدة يذهب بها إلى مجلس الشعب وسط هتافات واحدة تردد “آاااه.. آاااه” رغم اعتراض القيادات والمسؤولين واستغرابهم، وكأنّها صرخات المواطنين المقهورين تحت نيران نظام لا يسمح لهم حتى بالتأوه والتعبير عما يقهرهم ويؤلمهم، ويتاح لهم للمرة الأولى أن يصرخوا من آلامهم المتراكمة، لكن النهاية الحقيقية للفيلم ستقضي بالإقالة العاجلة لمجدي والتحقيق معه بتهمة إثارة الذعر والبلبلة وتحريض المواطنين على الثورة والتمرد على النظام الحاكم، وأعتقد أنّه سيعيش منبوذًا (إن ظل حرًا أصلًا) من الجميع.

لا شك أنّ افلام عادل امام سيمفونية رائعة تعبر عن واقع المجتمع المصري حتى الآن، وتتماس معه بعبقرية رائعة لحنها وحيد حامد وقاد الأوركسترا المايسترو الكبير شريف عرفة بشكل لا يخلو من الشاعرية رغم واقعية الأفلام وتغليفها في غلاف الكوميديا، وستظل هذه الأفلام علامات في تاريخ السينما المصرية على مر الأزمنة.

0

شاركنا رأيك حول "نهايات تخيلية منطقية غير سعيدة لخماسية التسعينات لعادل إمام"

أضف تعليقًا