طفلة تشاهد التلفزيون
0

في ظل التقدم الصاروخي في وسائل الإعلام الإلكتروني بدايةً من احتلال منصة اليوتيوب لفترة البرامج والأعمال الفنية وانتشار مواقع المشاهدة، ثم انتشار قنوات اليوتيوب وصناعة برامج بشكل مختلف ومحتوى جرئ يواكب التطور والانتقال لإنتاج مسلسلات إذاعية ومرئية قصيرة وأفلام بتكاليف إنتاجية قليلة لوجوه شابة وموهوبة، وحتى ظهور منصات إنتاج إلكترونية متواجدة وقوية وتكفل بإنتاج محتوى متعدد، أصبح على التليفزيون الحكومي والفضائي المزيد من الضغط لمواكبة ذلك، لامتداد التطوير في المحتوى المقدم كي ينجح في جذب المشاهدين الذي يتجهون للمحتوى الإلكتروني الذي لا يتوقف عن التطور.

وبينما  تستمر الفضائيات بالمحاولة ومواكبة التطور استمر التليفزيون الحكومي في الانحصار حتى غرق تمامًا وسط ذلك التطور الذي لم يستطيع مواكبته.

أقرأ أيضًا: نجاح ما وراء الطبيعة: نتفليكس.. بداية الانفتاح الجديد، وموت الرقابة

البداية؛ ماسبيرو

أتخذ قرار صناعة التلفزيون المصري في أوسط الخمسينيات، وبدأ التشغيل الفعلي للإرسال عام  1960، أي قبل ستين عامًا من الآن ظهر التليفزيون الحكومي كأول تليفزيون عربي وثالث أقدم تليفزيونات العالم.

في البداية كان البث لخمسة ساعات فقط عبر قناة واحدة، مستهلًا البث بآيات من القرآن الكريم ومنتهيًا بها، ثم في السنة التالية تم إضافة قناة ثانية ثم ثالثة لتصل ساعات الإرسال فيما لا يقل عن 30 ساعة يوميًا.

في البداية كان التلفزيون المصري هو قبلة المهتمين بالإنتاج التليفزيوني والإعلامي وظلت لسنوات طويلة في الريادة الإعلامية.

إنتاجات ماسبيرو الدرامية

في العصر الأول للتليفزيون بين الستينيات والسبعينيات قدم قطاع الإنتاج العام- اتحاد الإذاعة والتليفزيون مواكبة عظيمة للتلفزيون الأمريكي، فبدأ بإنتاج المسلسلات القصيرة والسهرات الدرامية لنجوم سينما معروفين ومحبوبين.

كانت البداية عام 1964 مع أول مسلسل تم إنتاجه” هارب من الأيام” في الذكري الثامنة لأنهاء الحكم الملكي، مقتبس عن قصة بنفس الاسم للأديب ثروت أباظة، بطولة عبدالله غيث وتوفيق الدقن وحسين رياض ومديحة سالم، وقد حقق المسلسل الذي حمل شق بوليسي مثير شهرة مُدوية مما فتح المجال لإنتاج أكثر من عمل درامي في العام، وعلى آثر      ذلك قدم العديد من المسلسلات التي لا يتجاوز عدد حلقاتها أكثر من خمسة عشر حلقة.

أبرزها؛ مسلسل” القط الأسود” و”العسل المر” ، “لا تطفئ الشمس” ، “ولاد الحارة”، “الأبواب المغلقة”، “الانتقام”، “رجل فقط ظله”، “العنكبوت”، “أبنائي الأعزاء شكرًا”.

كما اشتهرت فترة السبعينيات بإعادة إنتاج الاقتباسات الأدبية التي سبق وقد قْدمت في السينما والإذاعة في شكل درامي مثل “أم العروسة” و”الوسادة الخالية”، “بين القصرين”، “أنف وثلاثة عيون”، “إني رحلة” وغيرها من تلك الأعمال التي سبق وقدمتها السينما.

برامج مختلفة تجذب الجمهور آنذاك

حينما كان التليفزيون هو المتعة الوحيدة في عصر بائت فقد اهتم بتقديم محتوى إعلامي ثقافي فني متنوع ومواكب لما يرغب به المشاهد وليس فقط دراما.

فبخلاف نشرات الأخبار، كان هناك برنامج” نجمك المفضل” للإعلامية ليلى رستم التي تستضيف كل حلقة أحد النجوم المشهورين وقدمت خلاله 150 حلقة مع أدباء وشعراء وممثلين ومخرجين ورياضيين، كذلك برنامج الغرفة المضيئة من تقديمها وإعداد مفيد فوزي ويتضمن أهم حدث محلى على مدار أسبوع.

كما اشتهر الفنان سمير صبري في عصر التليفزيون الأول ببرنامجي” هذا المساء” و” النادي الدولي” والذي يحاور في كلاهما شخصيات مشهورة سواء بجرائم خطيرة كالجاسوسة انشراح موسى أو نجوم الفن والغناء.

على نطاق السينما اهتم التليفزيون بتقديم “اخترنا لك” والذي يعرض أفلام من السينمات العالمية كذلك “بانوراما فرنسية”، أيضا على المستوى الترفيهي من خلال برنامج تاكسي السهرة وأماني وأغاني.

كذلك قدم برنامج طبخ يعرض كل يوم وصفة جديدة، وبرامج ثقافية كبرنامج عالم الحيوان وعالم البحار ونافذة على العالم، وحتى أنه قد خاطر بعرض برنامج ثقافي يتحدث في أشياء قد لا تثير اهتمام الكثير وقتها برنامج ” العلم والإيمان” للدكتور مصطفي محمود، وقدم في المجال الرياضي” الكاميرا في الملعب” وهو أول برنامج رياضي من نوعه والوحيد لفترة طويلة.

كان يقدم التليفزيون وقتها كل ما يمكنه لتقديم الوعي والتسلية في كافة المجالات لسنوات طويلة.

تصنيف فني جديد

كما قدم التليفزيون المصري مصطلح السهرة الدرامية في نهاية الستينيات  بداية السبعينيات، حلقة واحدة مدتها لا تتجاوز الساعة تحت اسم “مسلسلات فيلمية” لا تزيد مدتها عن ثلاثين دقيقة، أنتج العديد في النصف الثاني من الستينيات لكنه لم يُعرف حتى عرضت فاتن حمامة فيما يشبه سلسلة سهرات درامية عن مسرحيات توفيق الحكيم الذي سميت السلسلة تميمة باسمه وحققت نجاح ضخم.

ومنها إلى المزيد من الإنتاج الدرامي على مدار ثلاثين عامًا، ازدهر هذا النوع في الثمانينات والتسعينيات حتى انقرض تمامًا مع بداية عصر الألفينيات.

اشتهر منها “المتقاعد”، “شركاء بالإكراه”، “سواق التاكسي”، ليلة القتل الأبيض”، “شقة وألف ساكن”، الزواج على ورق سوليفان”، “ساكن قصادي” التي تحولت لمسلسل رمضاني في التسعينيات.

شهر رمضان الكريم في التليفزيون المصري

كان هناك اهتمام حافل بالشهر الكريم في مبني ماسبيرو الذي يكرس نفسه لصنع برنامج خاص به كل عام.

يبدأ البرنامج بأغنية محمد عبد المطلب “رمضان جانا” يتبعه مسلسلات اجتماعية قصيرة في نطاق في الخمسة عشر حلقة، ثم فوازير كوميدية التي تألق فيها فؤاد المهندس ثم اكتسحتها نيلي ونافستها شريهان في السنوات التي تليها، برامج كرتونية بصبغة مصرية “بوجي وطمطم” ثم “بكار، اسكتشات كوميدية تحولت إلى برنامج الكاميرا الخفية فيما بعد، برامج دينية وتلاوة آيات من القرآن الكريم وبرنامج يقدم طبخة جديدة كل يوم.

أقرأ أيضًا: كيف يقتل الإعلام العلم نفسه؟ عندما تتحول التخمينات عن جزئيات إلى حقائق عن كليات

الثمانينيات والتسعينيات في التليفزيون المصري

العصر التالي للتليفزيون كان أيضا متألقًا على مستوى الدراما أكثر من الإعلام، كان لا يزال سبيل المتعة والتسلية الوحيد في البيت المصري، النافذة الوحيدة لكنه كان لا يزال يحاول تقديم الأفضل.

اشتعال المسلسلات الدرامية في الثمانينيات والتسعينيات

بالتأكيد في تلك الفترة قد تألقت الدراما بانفراد مسلسلات اجتماعية وكوميدية طويلة، كتب معظمها الكاتب الراحل أسامة أنوار عكاش أشهرها” ليالي الحلمية” بأجزائه السبعة، مسلسل “الحب وأشياء أخرى”، “رحلة السيد أبو العلا البشري”، “الراية البيضا”.

كما قدم الكاتب محمد جلال عبد القوي المسلسل الرمضاني “المال والبنون” الذي كان الأشهر في فترة الثمانينيات.

أيضا مسلسل “دموع في عيون وقحة” للنجم عادل إمام الذي قدم أول مسلسل عن الجاسوسية في الدراما المصرية، ثم المسلسل الأشهر بأجزائه الثلاثة “رأفت الهجان” والذي نال شهرة ضخمة للغاية.

بالإضافة للمسلسلات التاريخية التي جسدت شخصيات دينية وفنية كشخصية الشيخ محمد متولى الشعراوي والأديب طه حسين والمطربة أم كلثوم.

كما ظهرت الأفلام التليفزيونية التي أنتجها التليفزيون المصري وأشهرها؛ “فيلم محاكمة علي بابا”، “أنا وأنت وساعات السفر”، “أنا لا أكذب ولكني أتجمل”، “فوازية البرجوازية”، “الطقم المدهب”.

دراما التسعينيات بين نهاية السهرات الدرامية ومسلسلات لا تُنسى.

اشتهرت تلك الفترة من التليفزيون بمجموعة من المسلسلات الدرامية التي لا تزال عالقة في الأذهان للآن.

أشهرهم “لن أعيش في جلباب أبي” ويعد من أطول المسلسلات التي عدت في هذا الوقت حيث يتكون من ستة وثلاثون حلقة، كما تجلى النجم يحيى الفخراني في ثنائية زيزينيا، ومسلسل نصف ربيع الآخر، ومسلسل هوانم جاردن سيتي، والمسلسل الكوميدي “ساكن قصادي”.

وحكايات من ألف ليلة وليلة والتي لم يكتب لها النجاح أبدًا.

التسعينيات بين الدراما والإعلام

أخبار التاسعة في القناة الأول

كانت فترة التسعينيات بداية الانحدار الإعلامي حيث ظهرت القنوات الفضائية المتخصصة تباعًا واحدة تلو الأخري، فكانت القناة الفضائية المصرية هي أول قناة فضائية في المنطقة العربية تلتها قنوات النيل المتخصصة الدولية عام 1994، وفي عام 1996 دخلت القناة الفضائية المصرية الثانية ثم تلاها عده قنوات مشفرة كالقنوات الرياضية والإخبار والثقافية والمنوعات والتعليمية ثم ضمت السينما والكوميديا.

برامج التسعينيات

كانت مرحلة التسعينيات جيدة لحد ما في مواكبة الإعلام فبخلاف برامج المنوعات التي تقدمها قنوات النيل التخصصية، قدم التليفزيون المصري برنامج “صباح الخير يا مصر” والذي لا يزال يقدم إلى الآن.

كما قدم برنامج حديث المدينة لمفيد فوزي، خلف الأسوار والكاميرا الخفية وبرنامج المسابقات كلام من دهب.

وكلها برامج تركت آثر طفيف في التسعينيات قبل أن تختفى تمامًا قبيل بداية الألفينيات.

عصر الستالايت والفضائيات

لم يستطع التليفزيون الحكومي مواكبة التطور في بداية الألفينيات مع كم القنوات والبرامج الشبابية المتجددة، الإنتاج الضخم والعرض المتواصل والذي لم يستطع قطاع الإعلام الحكومي مواكبته.

سقوط التلفزيون القومي من حسابات الجميع

الإعلام الرسمي قد فقد تأثيره منذ فترة كبيرة حتى أنه دفع للبحث عن بديل آخر أكثر تأثيرًا، على الرغم من أن البعض لا يزال يعتقد أن ماسبيرو بكل هذا التاريخ لا يمكن أن يسقط، ويرونه كحائط صد قوي داعم للنظام الحاكم في حالة فقدان الدولة سيادتها في الإعلام الخاص، فجاءت مساعي التطوير لهذا الكيان وخطط التطور لمحاولة المواكبة وإن كانت على استيحاء وخطوات قصيرة للغاية.

إلا أنها  لم تصل إلى مكان للآن، لم يحقق أي شيء في محاولة استعادة الهيبة الأولى، وكل ما فعله هو محاولة ترقيع في إعادة قناة ماسبيرو زمان التي تكتفي بعرض البرامج الفائتة من الزمن الغابر في بداية التليفزيون.

ماسبيرو زمان

إذا؛ لماذا ندفع الضرائب لقطاع لم نعد نشاهده لأنه لم يعد ينتج أي شيء يستحق؟

يتم دفع الضرائب بصفة عامة ولا يتم تحديد الجهات التي ستذهب إليها، ولإعادة التليفزيون الحكومي للمواكبة نحن في حاجة لأكثر من الضرائب المدفوعة أيضا لموازنة كم الديون التي أعلنت عليه، لأنه في حين تفعل الفضائيات ما تسطيعه لتقديم محتوى ينافس المنصات الإلكترونية التي آخذت زمام السيطرة التام ينزوي الإعلام المصري أكثر فأكثر حتى اختفى تقريبًا من فوق الساحة

وبعد مرور ستة عقود على الإعلام المصري العربي وتجاهله وإقصاءه عن المشهد بالكامل سواء الإعلامي أو الفني ، ووصوله لتلك الحالة الرثة المهترئة حتى رفع شعارات التطوير التي لم تأتي بأي نتائج تذكر.. يبقى السؤال: هل يعود التليفزيون المصري على الأقل للمنافسات مع الفضائيات أم أنه سيتابع الموت حتى يتلاشى تمامًا؟

0

شاركنا رأيك حول "لماذا ندفع الضرائب لقنوات لا نشاهدها، ألم يحن الوقت لتطوير الاعلام الحكومي العربي؟"