ثورة 25 يناير بعيون السينما المصرية

افلام ثورة 25 يناير
0

الشريط السينمائي رغم قصره، الذي لا يتجاوز الساعتين إلا أنه يحتوي في تلك المدة الزمنية القصيرة قصصًا إما تحلق بنا بعيدًا عن مشاكل وهموم الواقع، وتعطينا جرعة من الأمل حتى وإن كانت للحظات، وإما أن يكون العمل بمثابة عين ثالثة لنا، ربما ترينا الحقيقة من زوايا أخرى لم يصل إليها إدراكنا وقت حدوثها على أرض الواقع، وهذه هي وظيفة الفن السابع، توثيق الأحداث التي تمر بها الأمة، كي تكون بمثابة مرجعية للأجيال القادمة.

 هناك أحداث لا يمكن أن يتجاوزها الشريط السينمائي، خاصة و إن كانت هذه الأحداث بمثابة نقطة فاصلة في حياة شعب بأكمله، وبما أننا سنتحدث عن السينما المصرية، فلابد أن يكون لثورة  25 يناير 2011 نصيب كبير من التأثير على مجريات الأمور من أحداث العمل السينمائي.

اخترت لكم مجموعة من الأفلام التي عُرضت مؤخراً، في الخمس سنوات الأخيرة، معظمها لشباب اختاروا لأنفسهم منهجًا جديدًا سواء في الإخراج أو الكتابة، أفلام تتناول أحداث الثورة من عدة زوايا ووجهات نظر مختلفة.

كل هذه الأفلام سواء كانت روائية طويلة أو وثائقية، حصلت على جوائز دولية من مهرجانات عديدة تقديرًا للمجهود المبذول في العمل، وتشجيعًا لصناع السينما.

فيلم ” فرش وغطا ” إنتاج عام 2013

بوستر فيلم فرش وغطاء افلام ثورة 25 يناير

فيلم ” فرش وغطا” ، هو ثالث أعمال المخرج الشاب ” أحمد عبد الله السيد”،  بعد فيلمين مميزين أيضًا وهما : “هليوبوليس” و “ميكروفون”.

وكذلك كتب حواره، وان كان لا يوجد حوار إلا إيماءات أو إشارات باليد، نعم الفيلم يجعلك في قمة تركيزك كي تفهم أنت وحدك ومن دون سيناريو مكتوب ما يحدث لبطل العمل ” آسر ياسين”  الذي لا نتعرف حتى على اسمه في العمل.

قصة الفيلم تحكي عن ثورة يناير 2011، وما تبعها من فتح السجون يوم 28 يناير، بدون سبب واضح، بطل العمل واحد من ضمن من خرجوا في هوجة فتح السجون هو ورفيقه “محمد ممدوح”، الذي تحدث له إصابة أثناء خروجهم من السجن، أعاقته عن الحركة على عكس بطل الفيلم، فيسلمه مبلغًا من المال في مظروف نجد عليه آثار دمائه، وتليفون محمول مسجلة عليه أحداث الهروب كي يعطيها لأهله.

ينهمك البطل في محاولة الوصول لعائلته، والتقاط أنفاسه بعد طول عناء من الكر والفر، ثم بعد ذلك يذهب إلى عائلة رفيقه، الذي نعرف أنه “قبطي”، ويتطرق هنا الفيلم إلى ما عاناه الأقباط في ذلك الوقت من اضطهاد “مذبحة ماسبيرو” كما يرينا تناقضات كثيرة في المجتمع، ويعرض جانب من حياة المهمشين في مصر، كل ذلك دون حوار، فقط نفهم الأحداث وتصاعداتها من خلال ما يراه البطل أثناء تحركاته في الشارع من خلال التليفزيون وما تعرضه نشرات الأخبار.

آسر ياسين ممثل قوي، أجاد إيصال الحوار بتعبيرات وإيماءات وجهه القلقة ونظراته الحذرة، والخفة في الحركة التي ساعدته في التنقل في أماكن كثيرة باحثاً عن الحقيقة.

الفيلم تم تصويره في أماكن حقيقية بمدينة القاهرة، في مقابر الإمام الشافعي وكذلك في حي الزبالين بالمقطم.

شارك الفيلم في العديد من المهرجانات الدولية، منها مهرجان تورنتو السينمائي الدولي، ومهرجان لندن، كما حصد الجائزة الكبرى “الأنتيجون الذهبي” في مهرجان مونبلييه في فرنسا بعد غياب الأفلام الروائية الطويلة المصرية عن منصة التتويج لمدة خمسة عشر عامًا.

فيلم “فرش وغطا”  يدعو الي التأمل وطرح الأسئلة التي لم يجد الشعب المصري  لها إجابات حتى الآن.

 فيلم ” الشتا اللي فات ” إنتاج عام 2013

بوستر فيلم الشتاء اللي فات افلام ثورة 25 يناير

فيلم “الشتا اللي فات” أيضًا يحكي عن الثورة المصرية ولكن من منظور آخر تبناه المخرج الشاب”ابراهيم البطوط”، وأيضاً في ثالث تجربة سينمائية له، ومن كتابته كذلك.

يتناول الفيلم قصة الناشط السياسي “عمرو”، الذي تم اعتقاله بواسطة أمن الدولة أثناء مظاهرات ضد العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2009، وتأثير ذلك عليه بعد خروجه، فلقد أصبح شخصية مهزوزة خائفة، يخشى الاشتراك في أي عمل ثوري نتيجة لما تعرض له من تعذيب، ومعاملة غير آدمية، وشخصية “عمرو” من خلالها نتعرف على شخصية رجل أمن الدولة “عادل”، الذي يرى أن حماية الوطن هي في تكميم الأفواه وعدم معارضة النظام.

ثم يتعرض الفيلم لنقد أجهزة الإعلام من خلال شخصية المذيعة “فرح”، التي ترفض التعتيم الإعلامي و تضليل الناس عن الحقيقة، فتذهب بتسجيل صوتي لها إلى “عمرو” الذي كانت تجمعهم صداقة قبل الاعتقال، وعندما ينشر لها هذا التسجيل، يتم القبض عليه مرة أخرى.

أيضًا هذا الفيلم لم يعتمد على الحوار بصورة كبيرة، كانت نظرات البطل معبرة جدًا عن الخوف والتردد، الذي أتقن أداءه “عمرو واكد” تماماً فعمرو واكد له تاريخ في النضال السياسي المصري ويجوز أن يكون هو نفسه ضيفًا على أمن الدولة من قبل، أمّا شخصية ضابط أمن الدولة والتي جسدها “صلاح الحنفي”، فقد كان أداؤه متقنًا ومقنعًا في ذات الوقت، وجه بلا أي تعبير، يعرض لنا المخرج شكل حياته الاجتماعية والتي تدل على ارتياح مادي يجعله ينفذ التعليمات بحذافيرها، وتجعله يتعامل مع المعتقلين من منظور أنهم خونة باعوا الوطن.

نهاية الفيلم تأتي بعد بيان التنحي الذي أذاعه عمر سليمان، فيخرج بطلنا إلى ميدان التحرير دون أي خوف ليشارك فرحة انتصار الثورة.

عرض الفيلم في العديد من المهرجانات الدولية “كان، مالمو، فينيسيا، دبي” ، كما تم بيع نسخة من الفيلم لشركة كندية لشراء حقوق توزيع الفيلم حول العالم.

فيلم ” بعد الموقعة” إنتاج عام 2012

بوستر فيلم بعد الموقعة افلام ثورة 25 يناير

فيلم بعد الموقعة، والمقصود بها “موقعة الجمل”، للمخرج المتميز “يسري نصر الله” المعروف بأعماله ذات الطابع الفريد والرؤية العميقة.

يتناول يسري في العمل الثورة المصرية من جانب المعارضين لها “الفلول”، من خلال شخصية “محمود البيطار، باسم سمرة”  وهو خيال من سكان منطقة “نزلة السمان” الذي شارك في موقعة الجمل باعتقاد أنه بذلك يساعد على تنشيط السياحة وعودة الحال إلى ما كان عليه قبل الثورة.

ويعرض الحالة التي وصل إليها هو وزوجته “فاطمة، ناهد السباعي” وولديهما وعلاقته ب “منة شلبي، ريم” الناشطة السياسية التي تذهب بعد الموقعة لمعرفة السبب الحقيقي وراء ذهاب هذه الفئة المهمشة إلى ميدان التحرير، وتساعدها في دخول هذه المنطقة صديقتها “دينا، فرح” التي تعمل طبيبة في جمعية بيطرية بنزلة السمان.

الفيلم يحكي عن الإنسان المصري البسيط الذي لا حيلة له، يعاني الفقر والجهل وقلة الوعي، وما يتبعهم من سلوكيات غير حميدة مثل “البلطجة، التحرش، السرقة”، فمحمود البيطار كل ما دفعه إلى النزول إلى الميدان هو هدم السور الخرساني الذي بناه النظام لمنعهم من ممارسة عملهم، ووعدهم بأن يزيلوا هذا السور إذا ما نزلوا إلى الميدان لإعطاء الثوار درسًا في الوطنية.

وقد أحسن المخرج اختيار بطل العمل “باسم سمرة” الذي عبر بصدق عن هذه الطبقة، بإتقان طريقة كلامهم وإحساسه بمعاناتهم والمهانة التي عاشوها أمام أنفسهم وأمام أبناءهم، الذي يحكي أنه كان يعرف شخصيات حقيقة غُرر بها في سبيل لقمة العيش.

تم تصوير العمل في الأماكن الحقيقية بمشاركة أشخاص حقيقين من أهل المنطقة، دون الحاجة إلى كومبارس.

الفيلم مزيج بين الروائي والتسجيلي، شارك المخرج يسري نصر الله مع الكاتب عمر شامه في كتابة الفيلم، ولكن معظم الحوار كان ارتجالياً فقد رأى المخرج أنّ آراء أهل نزلة السمان الحقيقين الذين شاركوا في العمل ذات أهمية أكبر من أن يغفلها، فكان يعدل الحوار تبعًا لما يقتضي الأمر.

كتبت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية عن الفيلم ووصفته بأنه جريء سياسي وشخصي، ويجسد شخصيات من ثقافات مختلفة تحاول العبور واجتياز الحواجز، وشارك الفيلم في مهرجان كان السينمائي الدولي بدورته ال 65.

فيلم ” الميدان ” إنتاج عام 2013

بوستر فيلم الميدان افلام ثورة 25 يناير

فيلم الميدان هو فيلم وثائقي طويل عن أحداث ثورة 25 يناير 2011، وتم تصويره من قلب الميدان، تدور أحداث الفيلم بداية من يوم 25 يناير 2011 وتنتهي يوم 30 يونيو 2013، والإطاحة بمحمد مرسي الذي أتت به جماعة الاخوان المسلمين، والذي تولي الحكم بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية بنسبة أكثر من 50%، ولكنه لم يستمر نتيجة للعديد من الأحداث.

الفيلم يحكي لنا الأحداث بالترتيب على لسان أبطال حقيقين من الميدان، فالمخرجة استعانت بشخصيات تمثل كافة الأطياف شملت الثوري والاخوان والناشط السياسي والحقوقي.

شريط من الأحداث المؤسفة التي عاصرناها، مشاهد تقشعر لها الأبدان، الجرافيتي الذي عبر بكل سلاسة ووضوح عن تطور الأحداث، شارع محمد محمود، مشاهد السحل والكر والفر، رائحة الدم والموت، الهتافات التي كانت تزلزل الميدان، الأغاني الحماسية التي كانت تثير الهمم…الخ.

تم القبض علي المخرجة “جيهان نجيم” المولودة لأب مصري وأم أمريكية مرتين خلال تصوير الفيلم، وتم اختيارها من ضمن قائمة أكثر سيدات العالم تأثيرًا.

رشح فيلمها “الميدان” لجائزة الأوسكار في فئة أفضل فيلم وثائقي، بالإضافة إلى فوزه لاحقًا بثلاثة جوائز إيمي، كما نال جائزة الفيلم الوثائقي بمهرجان تورنتو السينمائي عام 2014، وجائزة أفضل فيلم من الرابطة الدولية للأفلام الوثائقية، وحصل على جائزة الجمهور في مهرجان صندانس السينمائي عام 2013.

في النهاية ستظل ثورة يناير المجيدة، لها تأثير على الشريط السينمائي لأجيال، وسيتم طرح وجهات نظر مختلفة طالما هناك مبدعين ومفكرين.

0