فيلم “Joker”: كيف يتماهى المشاهد مع البطل الشرير؟

0

جزء كبير من جاذبية السينما، كأحد فنون الحكي، يأتي من قدرة هذا الوسيط على خلق حالة من التعايش مع القصة المحكية على الشاشة، إذ يستطيع المشاهد أن يتماهى مع الشخصيات التي يشاهدها ويرتبط بها عاطفيا. ولكي يستطيع المشاهد أن يتماهي مع شخصية خيالية ﻻ بد أن يجد فيها ما يتماس مع حياته وشخصيته الخاصة، ولكن هذا ﻻ يعني أن يكون البطل أخلاقي بالضرورة، فماذا لو كان هذا الشخص غير أخلاقي أو شرير، كيف إذن يتماهي المشاهد مع مثل هذه الشخصية؟

أفلام الجريمة هي أحد أكثر الأنواع السينمائية جماهيرية منذ العقود الأولى في عمر هذا الفن الحديث، رغم أن البطل في هذه الأفلام هو مجرم وقاتل بالضرورة، ولهذا نجد أن أحد القواعد الراسخة لفيلم الجريمة هي النهاية المأساوية للبطل، فالمشاهد في هذه الأفلام يجد الفرصة لخوض تجربة مثيرة يتخيل فيها نفسه محل البطل/المجرم، لكنه يخرج بصورة ذهنية عن النهاية الحتمية لهذا السلوك المنحرف وغير المقبول مجتمعيا.

في فيلم “الأب الروحي The Godfather”، يرتبط المشاهد عاطفيا بالبطل/المجرم مايكل كورليوني (أل باتشينو)، ويشاهد المقاربة الجمالية بين مشهد جلوسه على طاولة الطعام في الجزء الأول يحيط به أفراد عائلته، وبين الجلسة نفسها في مشهد آخر في الجزء الثالث حيث يجلس مايكل على الطاولة نفسها وحيدا، بعد أن خسر عائلته، قتل أخاه، وقتلت ابنته بين يديه.

اكتسبت شخصية “الجوكر“، المستوحاة من القصص المصورة الأمريكية (كوميكس)، شهرة عالمية بعد الأداء الاستثنائي لها من قبل الممثل هيث ليدجر في الجزء الثاني من ثلاثية “فارس الظلام The Dark Knight” للمخرج الأمريكي كريستوفر نولان في عام 2008. كانت الشخصية قد سبق تقديمها قبل ذلك في أكثر من نسخة، غير أن القصة الخلفية للجوكر ظلت حبيسة القصص المصورة حتى قبل أيام حين بدأ عرض فيلم “جوكر Joker” من إنتاج شركة وارنر بروس، وإخراج تود فيليبس، وبطولة خواكين فينيكس.

يرتبط المشاهد العالمي بصورة ذهنية عن الجوكر مستقاة بشكل كبير من نسخة نوﻻن وليدجر، وهي الصورة السوداوية التي يظهر فيها كمجرم سيكوباتي يسعى إلى الانتقام من المجتمع والنظام السياسي بخلق حالة من الفوضى، ولكن كما أسلفنا لا تمثل القصة الخلفية لهذه الشخصية جزء من هذه الصورة الذهنية إﻻ لدى جمهور القصص المصورة، ولهذا فقد اكتسب الفيلم زخما خاصا كونه التجربة السينمائية الأولى لتقديم هذه القصة، وكذا ﻷنها الفرصة الجديدة لمنافسة هيث ليدجر المتربع على عرش هذه الشخصية الصعبة والمركبة، بعد أن بدد الممثل جاريد ليتو فرصة مماثلة في فيلم “فرقة العدالة Justice League” قبل عامين. ولكن بعيدا عن ذلك، واجه الفيلم تحدي أكبر، فكيف سيجبر المشاهد على التماهي مع بطل بمثل هذه المواصفات؟

الشرير الذي يشبهنا

خواكين فينكس فيلم جوكر joker

بنى فلاسفة العقد الاجتماعي نظريتهم على أساس مفهوم “الحالة الطبيعية”، ولكنهم اختلفوا في نظرتهم لهذا المفهوم. بناء على نظرية الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (1588- 1679) فإن الحالة الطبيعية هي حالة همجية تسود فيها حرب الكل ضد الكل، إذ يرى هوبز أن الإنسان كائن شرير بطبعه. أما مواطنه جون لوك فعلى العكس من ذلك يرى أن الحالة الطبيعية هي حالة جيدة، وأن الإنسان خيّر بطبعه.

تتفق السينما في رؤيتها للطبيعة البشرية مع نظرية لوك، وخاصة في أفلام مثل الجوكر حيث البطل شخص شرير، إذ أن جانب الخير في الشخصية هو المشترك الإنساني الذي يمنح المشاهد القدرة على التماهي مع البطل والتعاطف مع قصته.

كما أسلفنا فإن الفيلم يتناول القصة الخلفية للجوكر، ويحكي قصته قبل أن يتحول لهذا الوحش الفوضوي، ومن ثم فإن الفصل الأول من الفيلم يركز بالأساس على شخصيته الحقيقية قبل هذا التحول العنيف، والتي يرى فيها المشاهد العديد من الخصال الحميدة التي يمكنه التماهي معها، فمثلا نرى كيف أن أرثر (الاسم الحقيقي للجوكر) يهتم بأمه المسنة، يقوم على رعايتها من مأكل وملبس، حتى أننا نراه في أحد المشاهد الحميمية يقوم بنفسه بتحميمها.

في هذا الفصل أيضا نرى كيف أن أرثر يحلم بأن يكون مؤدي كوميدي، ويسعى جاهدا لتحقيق هذا الحلم. هذه أيضا خصيصة إنسانية يمكن للمشاهد فهمها والتعاطف مع الشخصية من أجلها، فمن منا ﻻ يملك حلما كبيرا ﻻ يرى مستقبله بدونه؟ ومن منا ﻻ يقدّر سعي الإنسان واجتهاده من أجل الوصول لحلمه؟

أقرأ أيضًا: ما قيل عن فيلم Joker 2019 في مهرجان البندقية السينمائي سوف يسلب عقلك!

من ذلك أيضا الحالة النفسية التي يعاني منها أرثر، وخضوعه التام للعلاج ومواظبته عليه. هذه العلة النفسية تضفي على الشخصية طابعا خاصا ويمنحها قبولا غير مشروط، فلا يملك المشاهد إزاءها إﻻ التعاطف معه كتعاطفه التلقائي مع ذوي الإعاقة البدنية، فالفارق هنا أن إعاقة أرثر نفسية.

يمكن للمشاهد أيضا أن يتعاطف مع أرثر لوضعه الاجتماعي والاقتصادي، فالفقر أيضا يمنح صاحبه هالة مميزة تدفع كل من هو في وضع أفضل للتعاطف معه، كما أن أرثر لا يظهر كشخص متكاسل أو متواكل، ولكنه يمارس عملا ضئيل القيمة والمردود المادي، كأن يقف في الشارع طوال النهار ملوحا بلافتة إعلانية بمقابل زهيد يقيم به أوده وأمه.

تختلف تجربة المشاهد في مثل هذا الفيلم بشكل كبير، إذ أن المشاهد يدخل بانطباع مسبق، فهو يعرف الشخصية، وسبق وأن شاهدها بتنويعات مختلفة في عدة أفلام سابقة، كما أنه قد يكون من محبي الكوميكس وبالتالي يعرف القصة (أو القصص) الخلفية للجوكر. صناع الفيلم يدركون ذلك جيدا، ولهذا فإن الفصل الأول الذي يتباطأ فيه الإيقاع بشكل ملحوظ عن الفصلين الأخيرين، يبني على مهل علاقة عاطفية بين المشاهد والشخصية يمكن للأخير من خلالها التماهي مع البطل الشرير.

في حلبة التمثيل

خواكين فينكس فيلم جوكر joker

كانت النهاية المأساوية للممثل الأمريكي هيث ليدجر بعد أدائه الأسطوري لشخصية الجوكر في فيلم “فارس الظلام The Dark Knight” قبل عقد ونيف من الزمن، بمثابة بوابة الخلود لهذا الممثل الاستثنائي. بالتأكيد ساهمت هذه الحادثة في تضخيم أثر الشخصية وأداء ليدجر لها، لكن هذا ﻻ يعني المبالغة في تقديره بأي حال، فما قدمه ليدجر يرقى لمرتبة عظيمة في تاريخ فن التمثيل في الوسائط المختلفة ﻻ السينما وحدها، وﻻ يدانيه إﻻ قلائل من بينهم خواكين فينيكس.

أجادت الحملة الدعائية لفيلم “جوكر” العزف على الوتر الحساس في آلة الجمهور، فعمدت إلى الإعلان المبكر عن اختيار الممثل صاحب الموهبة الكبيرة والسجل الفني الحافل خواكين فينيكس، وقامت بنشر العديد من المواد الدعائية التي تحمل صورته قبل حتى بدء تصوير الفيلم، فالقائمون عليها يدركون جيدا مدى تحين الجمهور لفرصة جديدة للمراهنة على أداء ليدجر الأيقوني في حلبة يعيد فيها إثبات تفوقه على كل من سبقوه أو تبعوه.

هذه المقدمة ﻻ تعني الاستدراج الذاتي لفخ المقارنة، ولكن لإحقاق الحق وإنزال الناس منازلهم، ولهذا سنتجاوز هذه المقارنة التي ﻻ طائل منها للتركيز على دور هذا الأداء في تعميق التواصل والرابطة العاطفية بين المشاهد والشخصية.

أدوات الممثل الأساسية هي الجسد، والصوت، والعيون، وقد أحسن فينيكس العزف على كل منها بشكل منفرد، والجمع بينهم في أداء أوركسترالي رائع.

يبدأ الفيلم بلقطة قريبة لوجه فينيكس يحاول الابتسام قسريا. هذه اللقطة القريبة تمنحنا زاوية رؤية جيدة للعينين، فضلا عن مساحيق الجوكر التي يغلب عليها اللون الأبيض، مع تأطير للعينين باللون الأسود. هذه المساحيق ساهمت في تهميش أغلب ملامح الوجه لصالح العينين، وهنا يأتي التأسيس الجيد للعلاقة بين المشاهد والشخصية منذ أول لقطات الفيلم. فالتواصل بالعيون يرسخ من الارتباط العاطفي، ﻻ على الطريقة الرومانسية فقط ولكن حتى في حالات التواصل مع الغرباء. تتكرر هذه اللقطة في الفصل الأخير وبعد التحول الكامل للشخصية، فتستحيل البراءة التي استبطنها المشاهد في بداية الفيلم إلى عدوانية مرهبة في عيون فينيكس.

أقرأ أيضًا: مراجعة فيلم Joker: تحفة فنية تغير مفهوم “أفلام الكوميكس”

استحضر الفيلم التيمة الشهيرة التي تتجسد في التباين ما بين وظيفة المؤدي الكوميدي/المهرج/الجوكر والتي تقوم بالأساس على قدرته على إضحاك الآخرين، وبين الكآبة التي تغشي حياته الخاصة، وهي التيمة التي اعتبرها البعض ضربا من الكليشيه، لكننا لن نعدم الأمثلة الحية التي تثبت مدى واقعيتها، ونهاية الممثل الأمريكي الشهير روبن وليامز ليست عنا ببعيد.

فضلا عن ذلك، فإن هذه التيمة ليست شكلية، وإنما تضرب بجذور راسخة في الأصل الدرامي للشخصية، فنحن بصدد شخص يؤمن أن وجوده يرتبط في قدرته على إدخال السرور على الناس، ولكنهم ﻻ يكفون عن رفضه بأقسى الطرق، هذا شخص كفر بالإنسانية كلها، ومن ثم ﻻ يجد أي غضاضة في الانتقام منها والتنكيل بها والرقص على أشلائها في طقس احتفالي يليق بانتصاره المؤقت لنظرية هوبز عن الحالة الطبيعية.

برع فينيكس في الأداء الجسدي المعبر عن التناقض الذي تحمله تيمة المهرج الباكي، ليس فقط من خلال المشاهد العديدة التي يؤدي فيها هذه الرقصة التعبيرية الجميلة، ولكن أيضا على مستوى تحول الشخصية من الاستضعاف إلى التوحش، فهذا الجسد النحيل الذي يطالعنا طوال الفيلم ﻻ نستطيع أن نتبين حجمه الحقيقي في المشاهد الختامية، إذ يشعر المشاهد أنه تضاخم مرات ومرات بفعل الزهو الذي يملأ صاحبه كما لو كان سبعا بين حُمُرٍ مستنفرة.

عندما يتعلق الأمر بأداء الشخصيات الشريرة يكون الاعتماد على الصوت أمرا مراوغا، فهناك خيطا رفيعا للغاية بين الإتقان والمبالغة. أحد أبرز الجوانب في أداء هيث ليدجر لشخصية الجوكر تتمثل في أدائه الصوتي المميز للغاية، وضحكته الشهيرة التي تحولت من الوقت إلى أحد العلامات المميزة للشخصية نفسها. تكتسب ضحكة الجوكر أهمية إضافية على المستوى الدرامي، إذ أنها تنطلق أساسا من تيمة المهرج الباكي، كما أنها تتصل بقوة بحالة الاضطراب النفسي لدى الشخصية.

في فيلم الجوكر يعتمد خواكين فينيكس على أداء صوتي أكثر هدوءا ورقة، خاصة في الفصلين الأولين من الفيلم والذي يتطور إلى نبرة أكثر وثوقا وحدة في الفصل الأخير، كما أنه قدم أداءا مختلفا لضحكة الجوكر والتي تكتسب هنا بعدا دراميا إضافيا كونها مرتبطة بحالته النفسية التي تدفعه للضحك بدل البكاء، ولكننا نستطيع أن نميز في هذه الضحكة كم الألم الذي يعاني منه أرثر. أما في الفصل الأخير، فتختفي هذه الضحكة مع اختفاء أرثر، وﻻ يبقي سوى الجوكر كما نعرفه.

0

شاركنا رأيك حول "فيلم “Joker”: كيف يتماهى المشاهد مع البطل الشرير؟"