لا تطفئ الشمس … عمل متناغم ومحسوب الإيقاع

بوستر مسلسل لا تطفئ الشمس
0

اعذروني، فبعض الأعمال حين أنغمس في تفاصيلها أصاب برهاب الكتابة، فحين يدخل المسلسل القلب ويبدأ العقل في تركيز أقل وفي تفكير أقل، فلا أرى العيوب بالفعل ها أنا ذلك الشخص العاجز عن رؤية عيوب عمل أحبه، فلتعتبروني فاشلًا أو قليل الخبرة و ساذجًا لن ألوم على أحد، ولكني حين أحب عمل من أعماقي، فيكون حبي له صادقًا فكيف لحبيبٍ أن يرى عورات محبوبته.

لا تطفئ الشمس واحد من الأعمال التي قررت متابعتها متأخرًا -متأخرًا بالنسبة لي تعني قبل رمضان بيومين-، وكان السبب هي التوليفة التي صنعها تامر حبيب ومحمد شاكر خضير مخرج ومؤلف العمل اللّذين يشكلان ثنائيًا جيدًا، أصحاب رؤىً متفاهمة، سيناريو يمتلك الحبكة الجيدة و متماسك، عمل يكون أهم ما فيه هو أن يخرج للجمهور مبهرًا لا يعتمد على نجم بعينه أو فنان يباع المسلسل باسمه، بل نوع جديد من التوليفات بطولة جماعية يظهر فيها الجميع  ويسعد بها الجمهور.

إنّني بصدد الحديث عن مسلسل لا تطفئ الشمس الذي أحببته وكرهته، أزعجني وأفرحني، أصابني بنوع من الحيرة والقشعريرة قد تكون لصراحة القصة المفرطة في سرد الواقع، وقد تكون لعدم رغبتي في تصديق تلك الصراحة.

ولكن هذا لا يعني تجنب الحديث عن ملاحظات قد أغضبتني في العمل، ففي الواقع هذا الكم من العلاقات الغير سوية يدعو للحريرة ويفقد التشبث بالطريق القويم، فجميع الشخصيات في العمل كانت مبنية على علاقات غير سوية تصيب المشاهد بحالة من اثنين، إمّا انعدام الثقة، أو الشعور بأنّ العالم أصبح جزيرة الشياطين، وهو أمر لا نريد بالتأكيد تصديره للجمهور.

أبطال لا تطفئ الشمس

ميرفت أمين و أمينة خليل مسلسل لا تطفئ الشمس

سأحاول أن أقتضب في حديثي عن أداء الفنانين؛ لأنّ هناك عدد من الفنانين كبير نسبيًا.

محمد ممدوح: هذا الفنان هو أحد العمالقة الذي يجسد الدور بحرفية شديدة، يتقمص ويدرس الحالة ويضيف أبعاد وتفاصيل بسيطة تزيد من مصداقية الدور، إنّه حقًا “تايسون” الذي يصيب المشاهدين بالقاضية فيصدقونه.

أحمد مالك: موهبة استثنائية حضور طاغي يمتلك الشخصية والأداء اللّذين يؤهلانه لأن يصبح أحد النجوم المهمين في المستقبل، جسد الدور بدرجة امتياز.

أمينة خليل: أحد أفضل الفنانين مؤخرًا الذين قدموا أعمال رومانسية، هي شخص مرهف الحس ويبدو ذلك عى الشاشة سواءً ارتضت ذلك أم لا، ولكنها في نفس الآن تمتلك القوة، الدور كان صعب للغاية للتحول الذي تمر به الشخصية، ولكن يكفي أن ترى أمينة ترفع هذا الحاجب لتعرف أنّها قفزت للبعد الآخر من الشخصية، فهذه إحدى علامات قوتها.

ريهام عبدالغفور: أعجبني التنوع الذي قدمته هذا العام، وهذا الدور صعوبته هو في قدرتها على إخفاء مشاعرها، وإظهارها للحظات الضعف التي تمر بها الشخصية، قدمت الدور بإقناع واجتهدت في تفاصيله.

جميلة عوض: تخصصت هي الأخرى في تقديم تلك النوعية الرومانسية من الأعمال، لم أقصد تخصصت بمعناها ولكنها تبرع في تقديم تلك النوعية، واستطاعت أن تفرض البساطة على مراحل تطور الشخصية فكان أداؤها سلسًا.

ميرفت أمين: قدمت دور الأم بمنظور مختلف قليلًا وعلى الرغم من تحول الشخصية، إلّا أنّها حافظت على تعاطف الجمهور معها، وهو أمر يحسب لها بكل تأكيد تملكت ميرفت من الدور بخبرتها الكبيرة ليظهر جيدًا.

شيرين رضا: جسدت شيرين في أكثر من عمل متتالي تلك الشخصية المتحررة، وكأنّها تبرهن أنّ تلك الأدوار بها جانب مشابه لها وهي برعت للغاية في تقديم رشا، وكانت من الأدوار الهامة والمحورية في المسلسل، وميزة شيرين دراستها للبعد الزمني والمكاني للأدوار التي تقدمها فتكون أكثر مصداقيةً.

مريم الخشت: أحد المفاجآت بالنسبة لي في العمل مريم فهي أحد الوجوه الصاعدة التي قدمت أداء جيد للغاية، فمحمد ممدوح صاحب موهبة قوية، ولولا موهبة مريم القوية لما شعر المشاهد بمشاهدها، ولكنها تركت أثر وقدمت الدور بامتياز، وهي بالنسبة لي أحد الأحصنة السوداء في العمل.

عارفة عبدالرسول: أحد الفنانين الذين يملكون حضور طاغي، وعلى الرغم من تجسيدها دور الخادمة إلّا أنّها اجتهدت في الدور، وكان تجسيدها له به جانب كبير من الخبرة والحضور والموهبة الجيدة.

مي الغيطي: فنانة بسيطة وتلقائية في أدائها وحتى في أسلوب حديثها، تتمتع بتلقائية متناهية وببساطة وعفوية في الأداء، فقط تحتاج أن تثور على دور الفتاة المنكسرة حتى نرى المزيد من موهبتها.

السيناريو

أمينة خليل مسلسل لا تطفئ الشمس

تامر حبيب استطاع أن يفرض إيقاع على القصة الرئيسية، ليس فقط تطويع القصة له وإتقان تقديم ملامح الشخصيات، بل درس البعد الزمني المراد أن يقع فيه العمل، ودراسة الزمان والمكان إحدى مميزات أعمال تامر حبيب.

قام حبيب بفرض مزيد من الواقعية وغاص في دهاليز العلاقات الغير سوية في المجتمع ووضعها جميعًا في عمل فني، الحقيقة أنّ هذا الأمر أصابني في وقت من الأوقات بالرتابة، فلماذا كل الأشخاص فاسدة، ولماذا كل العلاقات فاسدة، ولماذا الكل ملوثون، غالبًا هذا هو حال الزمان ولكن ضرورة وجود ضوء خافت يكون الأمل بالنسبة للمشاهدين، وهو لم يغفل ذلك ومثله في محاولتهم لإعادة الصواب من جديد لحياة كل شخص فيهم.

في النهاية القصة متماسكة للغاية و المسلسل حبكته قوية، وتامر حبيب أثبت أنّه واحد من أفضل كُتّاب السيناريو مؤخرًا؛ لأنّه بجانب ما ذكرته في السابق يجعل من القصة البطل وليس الأشخاص تعتمد على الجميع لتظهر جيدة، بجانب رسم الشخصيات التي يقدمها يكون على قدر كبير من الحنكة، في جميع كتب النقد يصنف الفنان لنوعين “موهوب – صنايعي” تامر حبيب يجمع بين الموهبة والحرفة.

الإخراج

محمد ممدوح مسلسل لا تطفئ الشمس

الصورة التي ظهر بها العمل وأعجب بها المشاهد ترجع إلى محمد شاكر خضير مخرج المسلسل، هناك ميزة لدى خضير يعرف كيف يبرزها وهي لحظات الصراع القوية، فقد كتبت في عشرات المقالات السابقة عن أعمال مختلفة أفسد فيها المخرجون لحظة الصراع بالموسيقى أو اختذال لمشاهد هامة، ولكن شاكر موهوب في إبراز لحظات الصراع، يعمل على تلك المشاهد بكد بجانب إخراجه العام السلسل، ولكن بالنسبة لي هناك لحظة صراع هامة لم يهتم بها كان يتوجب عليه إعطائها مزيد من الحق، وهي حينما زارت أمينة منزل حبيبها في الريف مشهد عودتها وانصدامها كان سريعًا للغاية لم يتناسب مع كم الحب الذي كانت تكنه لها، وكان الأحرى أن يبرز المشهد معاناتها الداخلية، ولكن غير ذلك المسلسل في مجملة كان متناغم إخراجيًا وله إيقاع جيد.

0

شاركنا رأيك حول "لا تطفئ الشمس … عمل متناغم ومحسوب الإيقاع"

أضف تعليقًا