فيلم le disqualifié المدسطنسي
0

بعد 15 عاماً من العمل المتواصل؛ أصبح حلم المخرج التونسي «حمزة عوني» (1975) حقيقة، وأبصر فيلمه الوثائقي الطويل «المدسطنسي» (2020، 116د) النور في عرضه العالمي الأول بِالدورة 51 من مهرجان visions du réel.
هو ثاني أفلام “عوني” الوثائقية الطويلة، سبقه «جمل البروطة» (2013، 87) الذّي استغرق إنجازه أكثر من 6 سنوات، وحصل عنه على جائزة أفضل مخرج عربي من مهرجان أبوظبي السينمائي وجائزة التانيت البرونزي من أيام قرطاج السينمائية وغيرها من الجوائز، وفي رصيده أيضاً الروائي القصير «الحقيقة بالأبيض والأسود» (2006، 19د).

فيلم يستعصي الإنجاز!

فيلم le disqualifié

على من يشاهد الفيلم (إنتاج: تونس، فرنسا، قطر) أن يكون أكيداً من عدم رضا “عوني” عن فيلمه، ليس لِضعف أو عيب في الشريط، فَالفيلم بديع وأصيل، بل لأن ميزته السينمائية تكمن في غناه البحثي والتجريبي، مما يستعصي رضا صانعه ويمكن القول أنّ الشكّ شرط من طبيعة الفيلم وحالته الإخراجية، أما المُشاهد فَقد ظفر بِجرعة مفرطة من الإبداع السينمائي ونال نصيبه الوافر من متعة الاندماج والترقب لِشخصية المنفي أو المطرود التّي حملت معنى عنوان الفيلم.

أراد “عوني” تقديم فيلم عن شخصية فنية تونسية من جيل الشباب وجد بها ميزة خاصة تستحق التوثيق، هو «محرز الطاهر» (1983) الفنان المسرحي الباحث عن مكانه الخاص في هذا العالم، والمشغول بِالفن حد الانغماس، فَالفن كما يقول هو وسيلته في التعبير والبوح، هو عالمه الذّي يحياه ويتوحد معه، يعطيه ويستمر بِعطائه دونما تردد أو تراجع مهما قست الأحوال عليه أو قوبل بِالإحباطات.

يتحول الفيلم مع طول سنوات صناعته إلى فيلم عن فيلم يستعصي الإنجاز! فَالواقع العبثي الذّي يعيشه بطله ومخرجه يُبطِئ إتمامه، لكن “عوني” يعاند الواقع ويغريه البحث بِه واستجوابه أكثر، وكأنه يستبدل الفكرة البيوغرافية لِفيلمه بِوثيقة سينمائية عن تطور الشخصية الفنية في جغرافيا لا تعيرها اهتمامها المُستحق، ويتطور الأمر حتى يصبح “محرز” مثالاً عن مسيرة فنان عربي شاب يعاند المكان ويحفر أحلامه بِأظافره الحديدية على صخور الاستبداد والجهل التّي أنتجتها أنظمة سياسية فاشلة همشت الإنسان وذرت غبارها في أعين الثقافة ومبدعي مجتمعاتها.

ينطلق الشريط من مسرح مدينة المحمدية التونسية عام 2005 وشوارعها الفقيرة، ليوثق إرادة الحياة في شبابها واتجاه جماعة منهم بِتوجيه واهتمام من “محرز” للعمل الفني، يبين أنّ ذلك خيارهم ضمن ظروف سياسية واجتماعية تدفع الفئة الناشئة لانتقاء أحد طريقين، فَإما التطرف الديني أو الإبداع الفني، ذلك ما فرضته تبعات نظام حكم الرئيس «زين الدين بن علي» في تلك الفترة، فَأصبح الفن ملجأً فضلاً عن كونه حاجة ذاتية.
لكن الفن يشترط الحرية، وهو ما تُحَرِمُه سلطات القمع خوفاً على مصالحها وخشيةً فقدان سيطرتها!
يتعرض “محرز” للاعتقال عام 2009، ويقضى نصيبه في السجن بين وحشة العزلة ومخاوف النسيان والحسرة على ما فقده خارج القضبان، لكنه يخرج بِنفس العزيمة لِيقارع الواقع.

ننتقل لِاندلاع الثورة التونسية عام 2011، يمتنع “عوني” عن استخدام أي مشاهد أرشيفية للحراك الشعبي، ويكتفي بِمشهد إيمائي لِبطل فيلمه يعبر عن القمع وكم الأفواه الحاصل حينها، ويبدو أن شخصياته التزمت بيوتها ولم تشارك في الثورة، ليس جبناً، إنّما تمسكاً بِحيواتهم التّي قد تزهق على يد أذرع الحكم القمعية.

مراجعة فيلم The Way Back وهل يستحق بن أفليك جائزة الأوسكار؟

شخصية متمردة وصانع وثائقي أمين

فيلم le disqualifié المدسطنسي

لم تطرأ تحولات محورية بعد الثورة فيما يخصّ الشباب وتأمين مستلزمات هناءتهم النفسانية على الأقل، ولا زالت تلك الفئة تكافح وتعافر لِتأمين أبسط حقوقها من مسكن وزواج واستقرار، يهرب “محرز” الفنان من الواقع صوب فنّه ومسرحه، يناور في مكانه رافضاً التوقف.
يجرب السفر كما غيره، يتنقل بين هولندا وفرنسا لتقديم عروض مسرحية احترافية، يكتشف بيئات جديدة أكثر انفتاحاً وتقديراً للفن، لكنه يبقى شاعراً بالغربة وكأنه عصيّ على الفرح والسكينة.

بطل الفيلم كما الكثير من الشباب التونسي والعربي، واكبوا الأحداث السياسية العريية والعالمية من الانتفاضة الفلسطينية الثانية وأحداث 11 سبتمبر واجتياح العراق، شهدوا مرحلة زمنية عصيبة ونالوا نصيبهم من إرهاصاتها، تشربوا معنى الحرية، لكن القمع كان بِانتظارهم حين حاولوا نيلها، فَانزووا ببيوتهم محبطين حتّى صاروا منفيين داخل بلادهم.
يرافق “عوني” بطله على مدار سنوات بِحكم الصداقة العميقة التّي تربطهما، لِيصنع فيلمه عن تلك الشخصية المتمردة بِما مرّت بِه من الآمال والغضب والبطالة والفشل والخيبات والقيود الاجتماعية، يواكب شخصية “محرز” بِجميع أطوارها بِدون زخرفة، ليصنع شريطاً وثائقياً صادقاً ومباشراً، لا يمجد بطولة أو يزيف حقائق، إنّما يُحاكي أحوال وشخصيات وتفاعلات حقيقية.
لا تطور مهم في طبائع تلك الشخصية وكأنها نذرت نفسها للفن بِشكل كامل وصانت نفسها من التغييرات، يترصد ويلتقط انفعالاتها وهواجسها بِأمانة صانع الوثائقي، يركز على بساطتها دون تعظيم أو تجميل، صادقاً في طرحها كما هي، بِعيوبها وحسناتها، يستعرض الإنسان العادي الذّي يغضب ويشتم ويشتكي ويقامر ويشبع غرائزه، بِالتوازي مع الفنان المرهف الذّي يُحبّ ويشعر ويفكر ويعمل ويكافح حتّى لو غابت السعادة عن قاموسه ونحتت التعاسة وجهه.

في الخلفية وطن مهزوز، يفرض هالة من اليأس والنزق، وبِداخله فنان يتخبط ويحاول التوازن عبثاً، وبين الوطن والمواطن فضاء حميمي يطرح تساؤلات عن تلك العلاقة الرابطة بينهما، عن جدواها وصلاحيتها واستدامتها.

فيلم كورونا أول روائي عن الوباء العالمي ويناهض العنصرية!

0

شاركنا رأيك حول "مراجعة فيلم المدسطنسي للمخرج حمزة عوني بعد عرضه مباشرة في مهرجان visions du réel"