«إحكيلي» لـ ماريان خوري..علاقة الأم والابنة بين واقعية التوثيق والخيال الروائي

0

عرض فيلم “إحكيلي” للمنتجة والمخرجة ماريان خوري، ضمن أفلام المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ 41، وهو الفيلم الوثائقي المصري الوحيد المشارك ما بين باقة مختلفة من الأفلام الروائية الطويلة في إطار المسابقة الدولية.

المخرج عادة يثيره مشاعر الناس وأحوالهم، يركض خلف قصصهم غريبة الأطوار، سواء كان ذلك عَبر شخصيات خيالية مرسومة بدقة مسبقًا أو من خلال أناس يعيشون وسطنا ويتفاعلون معنا ويتخفون وراء عوالمهم الخاصة وصراعاتهم المختلفة في الحياة.

لكن ماذا لو صرت أنت المخرج وبطل القصة ذاتها؟ هل ستصبح عادلاً أم منحازًا لنفسك عن الاَخرين؟ هل ستركض كاميراتك وراء ما تحمله نفسك من أعباء وضغوطات وأزمات وأسئلة أم تخشى الاعتراف بها أمام نفسك وأهلك وأصدقائك؟

أثار “إحكيلي” انتباه الجمهور والنقاد والفنانين ضمن فاعليات المهرجان الدولي لعام 2019، ليس لأنه يتناول سيرة ذاتية لنسل عائلة المخرج المصري الكبير الراحل يوسف شاهين فحسب، بل لأن صانعته حرصت على تناول مشاعر الأمومة وعلاقة الأم بابنتها في إطار من الشفافية والمصداقية التي قد تجعلك أمام القاصي والداني في اَن واحد،  متطرقًا لمبدأ ما لك من حقوق وما عليك من واجبات، وما يجب أن تبذله كي تثبت قدر حبك الحقيقي للمحيطين بك.

أقرأ أيضًا: «القاهرة السينمائي» يمنح جائزة فاتن حمامة التقديرية لـ تيري جيليام.. إليكم 10 معلومات عنه

كواليس الفيلم الوثائقي “إحكيلي”

تنطلق أحداث الفيلم والوقائع التاريخية التي تجمع ما بين “ماريان” وجدتها ماريكا “نونا” ووالدتها “إيريس” وابنتها “سارة الشاذلي”، من خلال حوار عائلي عفوي؛ يبدأ ما بين الأولى والأخيرة، من بداية الفكرة ذاتها؛ فنجد الابنة تسأل والدتها مباغتة؛ عما تصنع فيلمها، تارة بلمسة مازحة وأخرى بجدية حاسمة، حتى ينساب أمامك تاريخ عائلة فنية سينمائية، تكتشف الصعوبات والتحديات، وقيم الحياة ومعانيها في التضحية والحب وقبول النفس والاَخر.

وفي ندوة أقيمت اليوم الثلاثاء، في المسرح المكشوف، داخل ساحة دار الأوبرا المصرية، أوضحت “خوري” أن الفيلم استغرق أكثر من 9 أعوام في صناعته؛ نظرًا لأنها كانت غير مستعدة نفسيًا لإتمامه في فترة منهم، وانشغلت بأعمال أخرى ثم عادت لاستكماله مجددًا، لافتة إلى أن أعمال التلوين والترجمة استهلكت ثلاث سنوات كاملة.

لفتت إلى أن حوارها مع ابنتها، الذي بدأت به أحداث الفيلم جاء بصورة تلقائية بالفعل في حياتهما، ثم استغلته فيما بعد وبنيت عليه الأحداث، مشيرة إلى أنها كانت تأخذ عدة ورش منهم واحدة عن السيرة الذاتية اَنذاك، وطُلب منها تكليف للورشة، بكتابة خطاب لوالدتها؛ على أن تصنع فيلمًا عنها فقط، ولكن سياق الحوار مع ابنتها الذي استمر على مدار اليوم بأكمله وقتذاك، هو ما دَفعها لفكرة تنفيذ فيلم “إحكيلي”، مع الاستعانة ببعض لقطات الأعياد ميلاد وتجمعات العائلة في المناسبات الخاصة التي كانت تعتاد دومًا على تصويرها تلقائيًا ما بين الحين والاَخر.

ماريان خوري تتحدث عن فيلمها الوثائقي إحكيلي ضمن فاعليات الدورة 41 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي

يتبادل أبطال الفيلم حكاياتهم وذكرياتهم طيلة الأحداث باللغتين؛ العامية المصرية، والفرنسية، بحسب ما اعتاد عائلة “شاهين” على ذلك في حياتهم بالفعل.

تبادل سردي بصري بين الأم والابنة

نرى “ماريان” تسرد لابنتها معاناتها في إدراك قدر حب أمها لها؛ تظن في البداية أنها لا تحبها، ولكن الزمن يثبت لها عكس ذلك، الأم تحكي والابنة تسمع طيلة مدة عرض الفيلم التسجيلي؛ نلتمس تفاعل الابنة وتعاطفها الكلي مع والدتها؛ حتى ينقلب الحال رأسًا على عقب.

تبدأ “سارة” تصوير والدتها قرابة الثلث الأخير من الفيلم، ويأخذ الراوي وضع المحكي له، وتعبر “سارة” عن حبها لوالدتها ومن ثمً تعرب أيضًا عن استيائها من بعض الأوقات التي كانت تتركها فيها لانشغال “ماريان” في عملها وقت طفولتها.

سلوك البوح والمكاشفة لم يعد مجرد أحاسيس مصورة، بل هي مشاعر حقيقية عاشتها “ماريان” خلال التصوير، أدت إلى تصالحها مع والدتها، بعد الانتهاء من تصويره، مجيبة على التساؤلات التي كانت تؤرقها في حياتها من قبل ومرتبطة بعلاقتها بوالدتها، بحسب وصفها.

ماريان خوري وسارة الشاذلي

الانتقال بين الأزمنة والأماكن عَبر 100 عام

الفيلم ينتقل بسلاسة بين عدة دول ومدن؛ ما بين الإسكندرية والقاهرة وباريس ولندن وهافانا؛ كما يعبر بك من جيل لاَخر بسلاسة سرد أربعة سيدات من أربعة أجيال مختلفة لعائلة “شاهين”. تغوص في مشاهد أرشيفية وخيالية؛ حيث دعمت “ماريان” بعض المقاطع الأرشيفية الحوارية، التي يبوح فيها “شاهين” داخل الفيلم بحكاياته الشخصية وعلاقته مع عائلته، ببعض لقطات أفلامه الروائية الطويلة التي وثق فيها سيرته قبل وفاته؛ وهما: “إسكندرية ليه؟”، و”حدوتة مصرية”.

وكأنك ترى في الفيلم ذاته، كيفية تأثر نبذة من فيلموجرافيا المخرج وأعماله بحالته الوجدانية وعلاقته بمن حوله أيضًا، بتفاعل وترابط واتساق حديثي شخصيات الأفلام الروائية بواقعية السرد التوثيقي.

وعلى الرغم من الأسرار التي تتكشف عن عائلة “شاهين” عَبر المواد الأرشيفية الممتدة لـ 100 عام، إلا أن “خوري” أوضحت أنها لم تقصد أن تصنع فيلمًا يتناول “فضائح” عن عائلتها، وهو ما جعلها تتمعن في كل  “ردة فعل وكلمة ونظرة تحدث داخل الفيلم” أثناء التصوير والمونتاج؛ حسبما صرحت بالندوة .

“إحكيلي” وثائقي مصري فرنسي بحس روائي

وفي السياق ذاته، أوضحت “خوري” أن “إحكيلي” فيلم وثائقي بحس روائي؛ لافتة إلى أنها ترى أن الأفلام الوثائقية يجب أن يختلط بها لمسة روائية وهو ما حدث فيه بالفعل، من خلال تمثيلها وابنتها لأدوارهم في الحياة، كما ظهر يوسف شاهين بدور الابن وخال “ماريان” ضمن الأحداث.

وعن نهايته التي قد تترك الفرصة السانحة لعمل أجزاء أخرى؛ أوضحت “خوري” أن ابنتها “سارة” تدرس السينما في كوبا ومهتمة أيضًا بالتصوير والأفلام التسجيلية مثلها؛ لافتة إلى أنه ربما تقدم ابنتها فيلمًا اَخر مكملاً له خلال السنوات المقبلة. وبسؤال “ماريان” عن سبب اختيار ختام أحداثه بأغنية “جزائرية”؛ أوضحت أنها شعرت بأنها تعبر عنها فضلاً عن تأثرها بالفنانة سعاد ماسي، وهذا هو السبب في اختيارها لتلك الأغنية على وجه الخصوص.

يجدر الإشارة بأن “إحكيلي Let’s Talk” يشارك بعرضه العالمي الأول ضمن الدورة الـ 32 لمهرجان أمسترادم الدولي للأفلام الوثائقية(IDFA)، إحدى أهم المهرجانات لمحترفي صناعة الفيلم الوثائقي، والتي تنعقد فعالياته في الفترة من20  نوفمبر وحتى 1 ديسمبر ٢٠١٩، ومن المقرر أن يعرض خلال الأيام المقبلة بدور عرض السينما التجارية، في سينما “زاوية” بمنطقة وسط البلد في محافظة القاهرة بمصر.

Let's Talk Movie Poster

0

شاركنا رأيك حول "«إحكيلي» لـ ماريان خوري..علاقة الأم والابنة بين واقعية التوثيق والخيال الروائي"