المخرجةُ التي حولت خواكين فينكس لقاتل محترف… نظرةٌ على أفلام Lynne Ramsay

المخرجة ليني رامزي مع خواكين فينكس
0

مقال بواسطة/ عمر عبد الباقي

في سينما Lynne Ramsay تصبح الحياة اليومية غير مألوفة عبر موجات من صدمات الرعب، الحزن، والموت.

“ليني رامزي” وميلها الذكي نحو التعبير عن التفاصيل، تؤكّد على عدم كمال الطبيعة البشرية، وتكشف هذا عن طريق مواجهة واحدة مع أكبر اهتماماتها: الموت.

بالنسبة لها ليس هناك مفر من تحليق هذه الحقيقة في أفق أفلامها. الشخصيات الرئيسية في الغالب نساء، يتعاملون مع أحداث كارثية – موت أحد الأحباب، غرق صديق قريب، آثار إطلاق ناري في المدرسة – بطرقهم المعقدة الغريبة.
هؤلاء الناس ليس لديهم الإجابة لتحديات الحياة الكبيرة، وRamsay لا تتوقع منهم حلّ مشاكل الوجود العميقة في نهاية أفلامها. بدلًا عن ذلك تركّز على تطوراتهم الداخلية المطلوبة لخوض موجات الرعب تلك، ففي أعمال Lynne Ramsay جراح الماضي تكون ما نحن عليه الآن.

Small Death

Small Death ليني رامزي

يتمركز حول “آني ميريل” يعرض الفيلم – الذي يتضمن طفولتها وفترة بداية نضجها – مواجهتها لثلاثة أحداث هامة يكوّنون الشخصية التي هي عليها الآن.
هيكل السرد مبني على الحكي الصوري ليس الحوار؛ للتواصل مع التطوّر العقلي لآني ميريل، حيثُ تفتح رامسي آفاقًا فريدةً من نوعها بشكلٍ مذهلٍ، يمكننا من خلالها رؤية بزوغ فجر الفتاة، وتطوّرها العقلي.
على سبيل المثال، آني تشهد حالةً عنيفةً من خلال مجموعة مراهقين يعذبون بقرة لا حول لها ولا قوة.
في هذه اللحظة، آني وُضعت بصورة وحشية في مواجهة مع شبح الموت – حالة تبرزها رامسي بواسطة close up على أعين ذلك الحيوان الضعيف مع دقاته الأخيرة قبيل وفاته الوشيك.
تعاطف آني الواضح مع المخلوق يواجه فكرةً قاسيةً، وهي المعرفة بانعدام القوة، وتأثيرها العبثي داخلنا لتغيير وجودها في بعض الناس.

kill the day

نظرةٌ عميقةٌ لواقع متعاطي المخدرات، حيثُ جيمس (جيمس رامسي) وقع في سجن مجازي بفعله هو، ولاحقًا تحوّل إلى سجن بالمعنى الحرفي.
جمال هذه الأعمال الأولى في طريقة تعكير رامسي الحكي والأحداث التراجيدية بلحظات من الجمال الفائق.
نرى هذا في kill the day عبر ذكريات طفولة لجيمس يلهو في حقول الحبوب الطويلة، يتبع هذا المنظر البديع قطع رامسي لتعود مرةً أُخرى لمنظر جسد المدمن المنعزل، محاط بالعتمة في غرفة مليئة بالحشرات، الإحساس بجذور العفن كعادة رامسي في معظم أفلامها.
كثير من الأفكار المطروحة في “small death” يُعاد طرحها في Ratcarcher (1999) في الفيلم، طفولة جيمس تنهار عند غرق صديقه ريان كوين خلال لعبة صبيانية عنيفة ذهبت في طريق خاطِئ، وما يتبع هو حالة من الكلح. نظرةٌ على الولد الذي انهارت مفاهيمه العزيزة عن الخلد، عندما يدرك أنَّ كلنا سنصبح يومًا ما هلاكًا.
الخلود الوحيد الذي تجده رامسي هو في صورة جثة ريان كوين المتحجرة للأبد في هيئة طفل.

اقرأ أيضًا: أفضل أفلام الخيال العلمي الموجودة على شبكة نيتفليكس

Ratcatcher

هذا الحس من الموت وتخللات العفن المحيطة بـ Ratcatcher قمامة في كلِّ مكان في الشوارع مع فئران، شحم، وأمراض، وأيّ علامة من النظافة – حذاء جيمس الجديد مثلًا – يقابلها معرفتنا أنَّ هذا الجمال هو كأيِّ جمال مؤقت، وهو بلا قيمة في عالم بهذا الاضمحلال. خلال لحظات من الراحة جيمس يسترجع مشهد وفاة ريان محدقًا في الهاوية التي ابتلعت صديقه، وأبصرته على حقيقة وجوده. في صورة مشابهة لياكوزا توشيرو المصاب بالسل، يحدق في مستنقع النفايات النووية في عمل مخيف آخر للمخرج كوروساوا Drunken Angel (1948). تلك، الهاوية هي ما نحاول عدم التفكير فيه؛ لأنَّ يومًا ما نحن أيضًا سَنُسحَب إليها.

Morvern Callar

الشخصية القادمة لعمل رامسي التالي، Morvern Callar 2002، تحاول تجاهل الهاوية أيضًا، فهي تفعل كلّ ما بوسعها للهرب من الموت بعد اكتشافها جثة حبيبها في صباح الكريسماس. مارفن (Samantha Morton) تُركت وحيدةً بدون خيارات هروب تذكر كفرصة للبدء من جديد، تأخذ مخطوطةً لصديقها الراحل، وتدّعي أنَّها كتبتها كمحاولة لتصف نفسها بالكاتبة، أو تصبح أيّ شيء غير أرملة لعبقري مكتئب. خلال هذه العملية، مارفل لا تأخذ الوقت الكافي لتحزن على خسارتها ذلك الحبيب، بدلًا عن ذلك تأخذ جرعات كبيرة من “الحياة”، تذهب في رحلة لإسبانيا، تضيع في الصحراء، تمارس الجنس مع رجل غريب. كلّ هذا لا بأس به، لكنّها في النهاية مجرد انحرافات للإلهاء.

في لقطات رامسي القريبة على وجه مارفن، يمكنك رؤية امرأة تنهار تحت الضغط، تملَأ حياتها بتجارب كبيرة ولكنها عابرة ودون مغزى. بفعل هذا، تبقى غارقة تحت ثقل أحزانها نفسها، التي تُدبر دائمًا لتزحف إلى السطح.

في أداء متمكن وعبقري، (سامانثا مورتون) تنقل الخسارة العميقة التي يتركها الانتحار وراءه، بينما تَعبر أيضًا من خلال الإحساس التام بالتخلي المتهور، وعدم الاكتراث.

تعزز رامسي هذا الأداء بالصور والمؤثرات السمعية، حيثُ تشعر بأنَّ الفيلم أحيانًا هو حالة من إطلاق العنان لسيل من اليأس الذي لا يمكن تجنب الغرق فيه، إلَّا عن طريق صرخات موسيقى البوب وسماعات الرأس الرخيصة. أيّ شيء… يبقي شبح الموت بعيدًا عن الذهن.

لكن ماذا لو أنَّك تربي شبح الموت نفسه؟

فيلم we need to talk about kevien
(تعبير رامسي بالألوان، صراعٌ بين الأبيض والأحمر)

هذا هو اللغز البارز في فيلم رامسي المأخوذ عن الكاتب Lionel Shriver :We Need to Talk About Kevin2011.
في أعمالها السابقة، رامسي نجحت في تصوير الحزن بشيء من الشرف والفضيلة، مع كيفن، تتخلص من تلك المفاهيم الرقيقة، تجدها تدق على النقاط والمغزى بوحشية صاعقة. إنَّه قرارٌ يكمل المادية، فالأم أيفا (Tilda) تربي وحشًا (Ezra Miller) يقتل الكثير من زملائِه في الصف بالقوس والسهم.
في كيفن، رامسي تميل تمامًا إلى الرعب الاستنباطي، هناك شعورٌ قوي بتيارات من الصدمة، كونها (الأم) مسؤولةً بشكلٍ غير مباشر عن حدث كارثي.
هذه الصدمة العالقة هي فكرة يحسب لها أفلام الرعب ألف حساب لصعوبتها وحساسيتها، لكن في هذا الفيلم هي الجبهة والمركز.

أحداث تربية كيفين تتكرر مرارًا في رأس الأم المعذبة. الأصوات تثقب حياتها اليومية، لتجلبها ثانيةً إلى ذلك الحدث المأساوي، الصورة تركّز على تلك الذكريات المأساوية التي تعصف بها لأسفل الجحيم ثانيةً. خلال هذا، إيفا تحاول تقشير طبقة الدهان الحمراء عن بيتها الأبيض الصغير، وهو موتيف (رمز) بسيط للغاية، لكنّه يعبّر عن ما يحاول الفيلم وتصوير رامسي التأكيد عليه باستمرار: لا يمكنك إزالة الندبة، فبمجرد حدوثها، هي موجودة للأبد.

اقرأ أيضًا: ماذا يجب أن تشاهد من أفلام مهرجان فينسيا السينمائي بدورته الـ 75؟

0

شاركنا رأيك حول "المخرجةُ التي حولت خواكين فينكس لقاتل محترف… نظرةٌ على أفلام Lynne Ramsay"