مراجعة أنمي «Madoka Magica»: النفس البشرية بين مطرقة الواقع وسندان الأماني

مراجعة أنمي Madoka Magica - ساياكا
0
تقييم الأنمي

حسنًا، أنا لا أعلم ماذا أقول الآن. الآن أنا أبكي حتى أحرقتني عيناي متذكرًا مدى الشقاء الذي وُضع فيه البشر منذ بدء الخليقة، وحتى تكوّن مجتمعاتنا المعاصرة اليوم. نحن الآن نعيش في مجتمع متحضر أليس كذلك؟ يمكن أن يراه البالغون العكس بسبب ضغوطات الحياة، لكن الأطفال والمراهقين يجب أن يروا الواقع بوردية ونزعة فطرية لعيش الحياة كما يجب أن تُعاش: بسعادة.

هذا الأنمي حقًا ترك في قلبي فجوةً لن تلتئم بسهولة، فجوةً صُبت فيها كل كُدرة وأحزان الكون حتى تبلورت في جوهرة سوداء لامعة. تلك، الجوهرة التي تغرس حوافها الحادة في روحي وأنا أكتب لكم هذه الكلمات الآن. لا أعلم كيف أصيغها لكم، لكن الآن تأكدت أنّ الفنون هي حقًا الحياة لمن لا حياة له.


القصة:

أنمي Madoka Magica - مادوكا فتاة سحر

الجميع يعيشون حيَواتهم الطبيعية كل يوم، يأكلون، يشربون، يعملون، وفي نهاية اليوم ينامون. وبين هذا وذاك تعتريهم آلاف الحالات النفسية التي تدفعهم لا شعوريًّا للبكاء.

فهذه هي طبيعة الحياة على كل حال، لكن بالخفاء توجد كيانات سوداء ومخيفة تسبب أقسى وأبشع المصائر للناس: الساحرات الشريرات! لكن تتصدى لهم فتيات السحر بنقاء أرواحهم ونُبل مسعاهم.

القصة تتحدث عن الفتاة مادوكا التي في يوم ما تلتقي بكائن صغير باسم يُشبه القط يُدعى كيوبي. يعرض عليها كيوبي أن تكون فتاة سحر مقابل تحقيق أي أمنية تتمناها في أقصى خيالاتها جموحًا، لكن تنتقل فتاة جديدة إلى مدرستها تُدعى أكيمي هومورا لتحاول بشتى الطرق إفشال إبرام العقد بين الكيوبي ومادوكا.

فماضي الساحرات مشوب بالغموض والموضوع برمته يضع الحياة على المحك في القتال معهّن، فما حكاية الساحرات الشريرات وفتيات السحر والكيوبي؟ أسئلة خلف أسئلة لن تعرف إجاباتها إلّا عند متابعة الأنمي.


لماذا هذا الأنمي مميز؟

أنمي Madoka Magica - خلق آدم

من وجهة نظري أفضل ما يميز الأعمال الفنية عمومًا هي الحالة الشعورية الذي يعطيها لي العمل بعد الانتهاء منه، فمهما كان أسلوب الرسم طفوليًّا، الحبكة مُمزقة، أو الشخصيات سطحية. الانطباع والحالة النفسية التي تتملكني بعد الانتهاء منه هي عنصر التقييم الأقوى بالنسبة لي، وهذا الأنمي لم يخلق فقط حالةً نفسيةً مميزةً، بل جعلني أنغمس فيها من منبت الشعر حتى أخمص القدم، دافعًا إياي للنحيب بحرقة جعلتني أندهش من مدى هشاشة قلبي وتشتت روحي.

المشاعر هي التي تصنع البشر، فبدونها يتساوون مع أي جماد بالطرقات. ركز الأنمي بالكامل على المشاعر وتصاعدها الدرامي، ومن ثم تبلورها إلى مشاعر أخرى منافية تمامًا للحالة الأولى التي كانت عليها. ذلك، التضاد والتمايز الواضح بين الفطرة التي يوجد عليها الإنسان، وبين المشاعر المُتحورة بداخله مع الأيام. ذلك، حقًا يستحق التمعن بشدة. خصوصًا أنّ الأنمي وضحه بأسلوب مميز إلى أقصى حد، الاستوديو عمد إلى التصاعد ببطء شديد في الأحداث، فلم يرد أن يجعل الأنمي حماسيًّا جدًا أو باهتًا جدًا، فقد أمسك بالعصا من المنتصف ليستطيع سرد تصاعده الدرامي ببطء. ذلك، البطء الذي يترك لدينا علامات صغيرة بين الفينة والأخرى، ليعزز بذلك ذروة التحوّل النفسي وسقوط الروح في هاوية قاتمة من الحزن والكآبة.

هناك أيضًا الأسلوب الغريب جدًا والمميز لاستوديو شافت، والذي سنتطرق إليه بعد قليل، والذي كل تلك العوامل الفنية تجمعت سويًّا لتحبك نهايةً شديدة التأثير على النفس، فتنخرها بقوة حتى تفيض أحزانك من عينيك دموعًا منهمرة على وجهك الذي تعتليه أعتى آمارات الشفقة على ذاتك الضعيفة. تلك، الذات التي أظهرها هذا العمل الفني دون سابق إنذار.

بجانب وجود عشرات الإسقاطات العلمية والفلسفية من الواقع على الأنمي مثل: وجود لوحات ومشاهد وعلامات مستترة بين طيات الأحداث ترمز لهم. هناك الرموز الدينية، العلمية، والفلسفية. لن أفسد عليكم متعة اقتناصها، لكن سأقول أنني حقًا أُعجبت بذكر بعض مبادئ الفيزياء، ووجود جزء مستتر من لوحة “خلق آدم” بأحد المشاهد المتقدمة بالأحداث.


الشخصيات:

أنمي Madoka Magica- مادوكا - أكيمي - ساياكا - ميمي

كي لا يحيد الأنمي عن غايته الأساسية في دراسة التطور النفسي للبشر، فقد قلص عدد الشخصيات بشدة وكان وجود شخصيات جديدة مع مرور الأحداث متباعدًا. بجانب إعطاء الوقت المناسب للشخصيات الجديدة كي يتعرف عليها المشاهد لأطول فترة ممكنة ويعتاد عليها، ثم يأتي الاستوديو ويطعن قلبك بقسوة، ويربت على رأسك في نفس الوقت. جميع الشخصيات محبوكة ببراعة فائقة وحقًا أُغرمت بمدى روعة تلك الصياغة، بل وتعلمت منها أيضًا بشدة.


الرسم والتحريك:

أنمي Madoka Magica - متاهة الساحرة

هنا يجب أن نتحدث عن العملاق المجنون: استوديو شافت – Shaft. استوديو شافت يعمد دائمًا إلى الأساليب الغريبة في إبراز المشاعر الدفينة، فيسقطها على الموجودات التي تتمركز حول الشخصيات التي لا تستطيع التعبير عن مشاعرها بالقدر المطلوب نظرًا لضعف نفوسها من الأساس. ليس هذا فقط، فالموجودات التي تُسقط عليها المشاعر تكون مقتبسةً من العالم الواقعي، ومُعدل عليها كي تتوافق مع إطار مشهد الأنمي، فنجد تمايزًا في مشاهد عديدة بين الشخصيات المرسومة بأسلوب الأنمي، والموجودات المادية المأخوذة من الواقع والمُقولبة للأنمي. بجانب كون تلك الموجودات الواقعية تتوافق بشدة مع فكرة العمل والشخصيات التي تتمحور حولها أو ترنو إليها. حقًا لا أستطيع قول أي شيء سيّئ في حق الرسم والتحريك؛ لأنّني وقعت في حب ذلك الأسلوب السيريالي العبقري لهذا الاستوديو الفريد.


الموسيقى:

وبينما أكتب لكم هذه الكلمات الآن أستمع لحزمة متنوعة من مقطوعات هذا الأنمي الرائع. الموسيقى مُحركة للقلوب ودافعة للمرء نحو النحيب بكل ما أوتي من قوة، صنع تلك المقطوعات كان له دور عبقري في خلق الحالة الشعورية الرصينة لهذا العمل الفني، بالفيديو بالأعلى أتي لكم بأفضل مقطوعات الأنمي حصرًا من وجهة نظري تحت عنوان “Sayaka Miki’s theme – Decretum”.


رأي شخصي

أنمي رائع لا تسعفني الكلمات لوصف عبقرية صنعه ودقة إيصاله للمشاعر البشرية المتزعزعة بطريقة صارخة وحادة. حقًا يستحق المشاهدة وسيفوتكم الكثير إن لم تشاهدوه بعد، أتمنى لكم مشاهدةً مؤثرةً ومؤلمةً مع هذا الأنمي المذهل.

0

شاركنا رأيك حول "مراجعة أنمي «Madoka Magica»: النفس البشرية بين مطرقة الواقع وسندان الأماني"

أضف تعليقًا