النجم العالمي جاري أولدمان في فيلم Mank
2

دائما ما نتحدث عن الأفلام القديمة خاصة أفلام الأبيض والأسود بطريقة إيجابية، فهي الخطوات الأولى في عالم السينما، فوقتها كانت السينما للمتعة والفن قبل التجارة والصناعة، والحال ينطبق على السينما المصرية والعربية وأيضًا سينما هوليوود، لكن على الرغم من تفوق هذه الأفلام الكلاسيكية من حيث الروعة الفنية والمتعة، لكن يعتقد البعض أنه من الصعب أن تجد فيلمًا بالأبيض والأسود يحتل مكانة عظيمة في تاريخ صناعة السينما من حيث الجودة العالية.

والسبب بسيط وسهل وهو أن الإمكانات وقتها ليست كما هي الآن، لا جودة معدات التصوير ولا المؤثرات البصرية، لكن هذا العام تعيد لنا نتفلكس ذكرى واحد من الأفلام التي حطمت هذا المعتقد، فنحن هذا العام على موعد مع فيلم يجسد قصة حياة واحد من رواد السينما في هوليوود في بداياتها وهو الكاتب هيرمان مانكيوز الذي كتب للسينما واحدًا من أعظم تحفها الفنية على الإطلاق وهو فيلم Citizen Kane المنتج عام 1941.

صورة مسربة لمشهد من فيلم MAnk القادم في نهاية عام 2020

ويحمل الفيلم الذي يروي حياة الكاتب هيرمان مانكيوز اسم Mank وكما أعلنت الشركة المنتجة فمن المتوقع أن يصدر في ديسمبر من العام الجاري 2020، وجاء الفيلم من إخراج العبقري ديفيد فينشر وقد ترشح لجائزة الأوسكار مرتين من قبل، وقام ببطولة الفيلم النجم البريطاني الحاصل على جائزة الأوسكار غاري أولدمان، وبمشاركة كل من النجمة البريطانية ليلي كولينز والنجمة الأمريكية أماندا سيفريد.

وقد صدر الإعلان الترويجي للفيلم بالفعل وأظهر أن صورة الفيلم ستأتي بألوان الأبيض والأسود المميزة لفترة السينما الكلاسيكية القديمة والتي كان البطل من روادها، وسيركز الفيلم بشكل كبير على العلاقة القوية بين الكاتب هيرمان مانكيوز الشهير باسم مانك مع أبرز صناع السينما في الفترة من الثلاثينيات وحتى الستينيات الكاتب والمخرج والمنتج والممثل الأمريكي أورسن ويلز.

أقرأ أيضًا: شرح فيلم mother! … تحفة أرنوفسكي التي يجب أن تتخلى عن أفكارك المسبقة قبل أن تشاهدها

علاقة مانك وأرسن ويلز وصناعة المجد مع Citizen Kane

يعتبر مانك واحدًا من أبرز كتاب السيناريو في هوليوود منذ بدايتها، فالرجل كتب للسينما أول أفلامه The Road to Mandalay في عام 1926، وقد كان مغرمًا بالسينما بحق، وقد ساهم خلال مسيرته الطويلة في كتابة أكثر من 90 عملًا فنيًا، لكنه لم يحصد في حياته جائزة كبرى إلا مرة واحدة في عام 1941 عندما تعاون مع أورسن ويلز في كتابة التحفة الفنية Citizen Kane، وقد حصل كلاهما على جائزة الأوسكار كأحسن سيناريو سينمائي في ذلك العام.

ولم يكتفِ أورسن ويلز بكتابة الفيلم فحسب مع مانك، بل كان هو المخرج وأيضًا البطل الذي جسد الشخصية الأشهر في سينما الأربعينيات تشارليز فوستر كين، الشخصية الخيالية، وتدور أحداث الفيلم الشهير حول حياة رجل الأعمال تشارليز كين منذ طفولته وحتى نهاية حياته الغريبة والمثيرة للجدل والتي يهتم بها عامة الناس باعتباره أغنى رجل في عصره، ومحاولة فهم الكلمة الأخيرة التي نطقها على فراش الموت وهي “روزبود”.

وقد حقق فيلم Citizen Kane وقتها نجاحًا جماهيرًا كبيرًا ونال استحسان النقاد حول العالم، وقد حصل على تقييم 8.3 من 10 على الموقع العالمي IMDB ويحتل الفيلم مكانة كبيرة من النقاد كواحد من أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما، والسبب وراء ذلك هو القصة المثيرة للفيلم والطريقة التي يتم بها رواية الأحداث المثيرة للعجب والدهشة من تصرفات تشارليز كين العفوية والتي جعلته يؤثر في الحياة السياسة والمالية والصحفية بل وأيضًا الثقافية في عصره.

الفكرة العبقرية لفيلم Citizen Kane وبداية مدرسة الواقعية

لم تكن الشهرة التي نالها فيلم Citizen Kane من قبيل الصدفة، بل كانت مستحقة تمامًا فالفيلم يسبق عصره من حيث الفكرة والتصوير وأيضًا الإخراج، بداية من فكرة الفيلم التي تتحدث عن رجل ظل طوال حياته مثار جدل من الجماهير ما بين الحب الشديد والكراهية المطلقة، بينما هو في الحقيقة مجرد رجل عادي مر بالعديد من التجارب في حياته كأي مواطن أمريكي آخر، لكن الفرق الوحيد فقط هو كونه صاحب ثروة طائلة.

هذه الثروة الطائلة التي امتلكها تشارليز كين جعلته دائمًا محط الأنظار، ولكنه لم يتجنب هذه الأضواء مطلقًا بل ساعد في زيادتها على نفسه عن طريق البوح برأيه في وسائل الإعلام الخاصة به حول كافة القضايا المثارة في البلاد، لقد أراد أن يكون صوته مسموعًا دائمًا وكان ذلك نابعًا من كونه رجلًا وحيدًا طوال حياته، على الرغم من الزحام الشديد حوله إلا أنه ظل دائمًا وحيدًا ولهذا أراد بأي طريقة أن يؤثر في الآخرين وأن يتداخل مع حياة الشعب الأمريكي.

مشهد لممثل المبدع أورسن ويلز من الفيلم العبقري Citizen Kane

ومن جوانب عبقرية الفيلم هو الطريقة التي تم تناول الأحداث بها، والحبكة الواقعية للأحداث، فهو من أوائل الأفلام التي مزجت الواقعية بسحر السينما لندخل بهذا مرحلة الواقعية السحرية التي أثرت في السينما حتى وقتنا هذا، ففي فترة الأربعينيات وبدايات السينما كانت مدرستي الكوميديا والأكشن هما أصحاب الكلمات العليا في شباك التذاكر ولهذا يعتبر فيلم Citizen Kane ثورة في وجه المألوف والمعتاد، ورغبة في تقديم عمل فني برؤية مختلفة تسبق عصره.

حمى أفلام الأبيض والأسود وعودتها في فيلم Mank

عندما نتحدث عن الأفلام بالأبيض والأسود فنحن أمام مفترق طرق بالنسبة للجمهور، وأعنى هنا الجمهور الحالي الذي تمتزج فيه الأجيال القديمة بالأجيال الجديدة، وهناك دائمًا نظرة لتلك النوعية من الأفلام بأنها أفلام كبار السن، فهم الأجيال التي عاصرت هذه النوعية من الأفلام وشاهدتها وتأثرت بها وشكلت جذور حبهم لفن السينما ويعتبرونها أفضل بمراحل من الأفلام الحالية “الجديدة” كما يقولون عنها.

النجم المبدع جاري أولدمان رفقة النجمة أماندا سيفريد في مشهد من فيلم Mank

أما الأجيال الجديدة من الشباب الذين ولدوا في عصر سينما الألوان ولما يعاصروا سينما الأبيض والأسود فهم يعتبرونها أقل من أن يشاهدونها، بسبب التقنيات القديمة وضعف جودة التصوير والمؤثرات البصرية مقارنة بالعصر الحالي، ويعتبرون كبار السن يميلون لأفلام الأبيض والأسود ليس لجودتها بل لأنها تذكرهم بالماضي من باب تعاليهم على الواقع الحالي تحت عنوان “Old Is Gold” أو كما نقول في مصر “الدهن في العتاقي”.

وأنا في هذا المقال إنما أقف موقف المحب للسينما وليس فقط المحلل أو الناقد، فسينما الأبيض والأسود هي جزء أصيل من تاريخ السينما، وفيها من الأفلام ما يفوق في جودته أفلام العصر الحالي، وأيضًا فيها أفلام ضعيفة المستوى، وليست الألوان أو المؤثرات البصرية وتكنولوجيا التصوير عائقًا أمام أفلام الأبيض والأسود لتقدم لنا تحفًا سينمائية، فالفن قبل كل شيء هو وجهة نظر ورؤية مختلفة للعالم.

أقرأ أيضًا: مراجعة فيلم Doom 3 .. تحفة الفنان عامر خان المبهرة

2

شاركنا رأيك حول "فيلم Mank الجديد.. تحفة فنية عن صانع فيلم Citizen kane الذي غير شكل السينما"