‎مروان بابلو .. العالم السفلي وموسيقى “التراپ”

0

لن تجد الهدوء في حيّ الورديان بالإسكندرية، ستجد مواقف لسيارات ”المشروع“ كما يطلقون أهل الإسكندرية على ”الميكروباص“، وسوف تسمع صياح التبّاع أو السائق ينادي على المحطات أو الأماكن التي سوف يمر عليها، كل هذا وسط نداءات أخرى من حناجر البائعين في السوق محاولين جذب الزبائن المارين إلى سلعهم. من بين كل هذا الصخب يظهر مغني التِراپ ”مروان بابلو“. لا يمكنك فصل الفنان عن مكان نشأته ولا يمكن فصل الموسيقى التي ينتجها هذا الفنان عما يسمعه ويراه في الواقع، خصوصاً ونحن أمام حالة موسيقية غريبة ومتفردة وحققت انتشاراً قوياً بين فئات المراهقين والشباب على حد سواء.

نتناول في هذا المقال من أراجيك مروان بابلو كمثال ناجح فرض نفسه بقوة على الساحة الموسيقيّة المستقلة في مصر من خلال موسيقى التراپ Trap.

النشأة الموسيقية للتراپ

نشأ التراپ في جنوب أمريكا، وتشير كلمة Trap إلى Trap House وهو المكان الذي يلتقي فيها موزع المخدرات مع زبائنه أو المكان الذي يتم فيه الإتفاق والحديث حول بيع وشراء المخدرات، ولكن بعد ذلك تمت استعارة الاسم ليشير إلى الموسيقى التي تدمج الراپ مع الهيپ هوپ معتمدةً على إيقاع راقص مع كلمات تميل إلى الحزن والظلامية الشديدة والكآبة.

تِراپالورديانالإسكندريةمصر

”نسوقوا الدنيا للمريخ“

”نسوقوا الدنيا بدون بنزين“

”نِحلوا المسألات“

استخدام ”نسوقوا“ بدلاً من ”نسوق“ باللهجة الشعبية السكندرية في أغنيته الأخيرة ”فِري“ Free أو ”نِحلوا“ بدلاً من ”نِحل“ في أغنية ”الجميزة“ هي الختم الذي يطبع الشخصية السكندرية الشعبية على أغاني ”مروان بابلو“ والذي يفسر في كلمات نفس الأغنية السبب وراء اختيار هذا الاسم قائلاً ”أنا مش راپر أنا بيكاسو“ في إشارة للفنان التشكيلي الإسباني الثائر على كل أشكال الإبداع قبله ”بابلو بيكاسو“ وبالتالي يربط ”مروان“ فن ”التراپ“ الذي يقدمه بالحركة التكعيبية في الفن التشكيلي التي يعتبر ”بيكاسو“ رائدها. ولكي يرسخ لهذه الفكرة بصرياً استخدم لوحة المرأة الباكية التي رسمها ”بيكاسو“ عام 1937 في كليب ”فلكلور“.

مروان بابلو
مروان بابلو مع المرأة الباكية

ب أغني بس اللي أنا عايشه

استخدم ”مروان“ هذه الجملة في أغنيته الأخيرة ”فِري“ وهي تلخص بشكل كبير نوع الفن الذي يقدمه هذا الشاب. إن الكلمات والموضوعات التي يختارها تتبع أسلوب ”اللاترابط“ وهو يشبه بشكل كبير ”تيار الوعي“ في الكتابة الذي بدأ مع منتصف القرن العشرين. مجموعة أفكار غير مترابطة لا يجمع بينها أي خيط إلا اللغة، وعلى المتلقي محاولة الربط بدون أي توقع للفهم. وقد يكون هذا التفسير منطقياً عندما يكون المغني والكاتب -في حالة مروان- غائب عن ”الوعي“.

ولذلك فإن مروان يعيش ”سبرتو يا صاحبي مفيش كودين“…. “ناسي إسمها إيه ناديها بكيتوفان“…… وهي كلها أسماء لأدوية مخدرة ومشروبات روحية.

ثم يؤكدها مرة أخرى ”أنا وصلت لفوق. إنتَ فين؟“ و ”هانطلعوا للسحاب“ في إشارات مباشرة للوصول إلى حالة النشوة والغياب الكامل عن الوعي وعن العالم بسبب ”كودين“ و ”الكيتوفان“ و ”السبرتو“!

وهو بالتأكيد يرى نفسه ”إحنا حجَر الأساس“، مشيراً إلى مهارته في فنه وسبقه لأقرانه في مجاله. وهو “الفخر” الذي استعاره “التراپ” من الراپ” حيث يلزم أن تجد في كل أغنية منه المغني وهو يزهو بنفسه وبفنه.

ثم يصرح عن إحد أحلامه ببساطة ”عايزين عيشه م النضيفه.. .عايزين نصاحب المضيفه“! 

في نفس الوقت يطرأ السؤال: هل يمكن اعتبار ”مروان“ حالة تشبهنا جميعاً إذا ما أقصينا المخدرات من المعادلة؟ يقول هو نفسه في أغنية فِري“ ”بتكرهني بس عشان أنا مرايتك؟“. هل نكره مروان لأنه مرآة لنا؟ أظن أن الإجابة بالإيجاب هي الأقرب. لا يستطيع المرء أحياناً أن يواجه نفسه ويقول الحقيقة ويصل إلى حالة الصدق مع النفس كما وصل لها ”مروان“ في التعبير عن نفسه والبوح بشكل حياته في أغانيه بهذا الوضوح. هل نحن على نفس الدرجة من الصراحة التي يملكها ”مروان“ عندما يجعلنا نرى شكل حياته بأنه من العالم السفلي التائه ما بين المعايير والأخلاقيات فيكرر عدة مرات في إفتتاحية أغنية ”عزبة الجامع“ ”خلاص بَطَّلت الصحبة اللي بتتجمع ع الحشيش“، ثم بعدها بعام نراه ما بين المخدرات والجريمة كما ظهرت في أغنية ”الجميزة“ والتي يبدو فيها أنه عاد مرة أخرى لصحبة الحشيش فيقول ”أنا وصلت لفوق. إنت فين؟“.

هل هناك فنانين لديهم الجرأة للبوح والتعبير بصدق عن حياتهم الشخصية وإظهار التناقضات فيها بمثل هذه الشجاعة؟

هل كل المطربين يغنون فقط ما يعيشونه مثل مروان بابلو؟ أم إن معظمهم يغني لكي يعيش؟

ثم تسمع جانب آخر نابع من التشتت داخله في أغنية سندباد عندما يستخدم جمل عقلانية ودينية فيقول ”يا صاحبي سيبها على الله“ ”يا أخي سبحان الله“ ”مفيش رزق جه بالعافية مفيش حب بالإكراه“ أو ”الجنة فيها حاجات كتير“ كما يقولها في ”فِري“.

تناقض واضح ولكنه يحوي من الصدق الكثير.

الموسيقى والتوزيع

في أغنية ”فِري“ يعلن مروان عبر كلماتها ”صاحبي هو ده الجديد ”مولوتوف“ على الإنتاج“ ويقصد هنا الإنتاج الموسيقي والتوزيع والرؤية الموسيقية.

”مولوتوف“ هو المنتج الموسيقي الذي تولى تنفيذ الأغاني الأخيرة ”كاس“ و ”الجميزة“ و ”فري“ والتي يعتمده فيها ”مروان” ليكون الشريك الرسمي في الأعمال القادمة ويمنحه ثقته الكاملة.

موسيقى التراپ ليست موسيقى غنية أو دسمة أو معقدة ، هي في الأساس تعتمد على نمط موسيقى جاهز يسمى pattern أو module يمكنك في بعض الأحيان أن تشتريه من المتاجر التي تبيع القوالب الموسيقية ثم يقوم الراپر بالغناء عليه. وبرغم ذلك فإن التنفيذ في هذه الأغنيات الأخيرة أفضل بكثير من أغاني البدايات التي قام مروان بتنفيذها وتوزيعها بنفسه، ليصل إلى القمة في أغنية ”فِري“ سواء على المستوى السمعي أو البصري والذي ظهر فيه بشدة سخاء الإنتاج ومطابقة الرؤية البصرية للموسيقى وتكون علامة نضج كبيرة والبداية الحقيقية.

الهجوم والانتقادات والجماهيرية

بالطبع يواجه هذا الفن الكثير من الانتقادات، مرة بسبب اللغة والعنف ومرة بسبب هيئة المؤدي ومرة أخيرة بدعوى ”الابتذال“. هذه تقريباً نفس الانتقادات التي وجهت لبابلو بيكاسو عندما اختار “التكعيبية” ليعبر بها عن نفسه، ولذلك فإن انتقاد أي جديد شيء مألوف. ولكن عند ”مروان بابلو“ فإن الانتقاد يأتي من زملاء المهنة وهو أيضاً شائع في موسيقى الراپ، ولذلك يكون الرد دوماً من خلال الأغاني. فن الراپ والتراپ يعتبر ”الفخر“ و ”الهجاء“ جزء من أبجدياته الفنية وأحد أهم أدواته التي يجب ان يمتلكها فنانيها.

الفن بشكل عام والموسيقى بشكل خاص هي تعبير شخصي عن النفس، والتراپ في النهاية نوع موسيقي، و ”مروان بابلو“ حالة فنية فرضت وجودها بقوة، ولعل هذا ما جعل أحد شركات الدعاية تتعاقد معه على إعلان في بطولة أفريقيا لكرة القدم في صيف هذا العام، ثم يطلبه فريق ”كايروكي“ ليكون ضيف حفلتهم الأخيرة في أكتوبر من نفس هذه السنة ويحقق نجاحاً جماهيرياً ساحقاً على المسرح ويظهر تجاوب جمهور كايروكي نفسه معه برغم اختلاف نوع وشخصية الموسيقى وفارق الخبرة الكبير بينه وبينهم!

ياسين يغنيالجميزة

ضبطت نفسي أدندن ”الجميزة“ بعد أن أنهيت كتابة الموضوع وسمعتني إبنتي ”ريم“ ذات الأحد عشر عاماً فأوقفتني قائلة ”ياسين… واحد من صحابي كان بيغني الأغنية دي قدام المُدَرِسين امبارح“ ”وإيه اللي حصل؟“ ”ولا حاجه… محدش منهم عارفها إلا العيال الصغيرين!“.

0

شاركنا رأيك حول "‎مروان بابلو .. العالم السفلي وموسيقى “التراپ”"