في العادة يمكننا بسهولة تحديد عمل ينتمي للرعب، فهذا التصنيف يمتلك عالمه وقوانينه وخوارقه، لكن مع كل مسلسل للمؤلف والمخرج مايك فلاناغان يتركنا حائرين في تصنيفه؛ هل رعب أم دراما بلمحة فانتازية؟ تكرر هذا السؤال مع عرض نتفلكيس مسلسل midnight Mass قداس منتصف الليل في 24 سبتمبر 2021، المكون من سبع حلقات، والذي كان من تأليف وإخراج، وبطولة كيت سيجيل، زاج غيلفورد وسامانثا سلويان وهاميش لينكلاتير.

يحكي المسلسل عن مجتمع صغير للغاية على جزيرة معزولة عن البر الرئيسي، يصل إليه كاهن شاب غامض بمجموعة من الأحداث الخارقة غير المفسرة والبشائر المخفية، فتسيطر على المجتمع الحماسة الدينية التي تجعلهم ينجرفون لدفع ثمن المعجزات.

بداية بطيئة.. نهاية جامحة

الحلقات الخمس الأولى عبارة عن دراما بطيئة للغاية عن مجموعة من الشخصيات في مجتمع الجزيرة الذي بالتأكيد لا يملك أي شيء مميز، حيث لم يقدم المؤلف خلفيات تلك الشخصيات، نتاج ما هم عليه، واكتفى باستعراض مختصر داخل الحوار عن حياتهم السابقة، وتابع لخمس ساعات تقديم مشاهد درامية في قصص تقليدية لا تساعد في تقدم الحبكة التي ظلت بطيئة حتى النهاية الجامحة التي حملت كل شيء.

شخصيات كارثية، بليدة وتقليدية ولا شيء مميزًا فيها لمتابعتها خمس حلقات بلا حدث مثير يدفع للمتابعة، ومونولوجات بلا توقف، بالكاد نجح المؤلف في بناء حوار متوازن في بعض المشاهد، فالحوار يغلب عليه الطابع الطويل حيث كل شخصية تؤدي سلسالًا طويلًا من الحديث ثم تجيب الأخرى بنفس الطريقة، فحتى إن كانت الشخصية مثيرة للاهتمام فتلك الجدران الكلامية تهدمها، وحتى إن كان المسلسل قائمًا على الفلسفة والرمزيات فعليه التحلي بالمنطق في صناعة الحوار وهو ما افتقر إليه، لأنني في الكثير من الأحيان ينقطع تركيزي من متابعة كل هذا الحديث وبالتالي لا أستطيع استيعابه.

ثم قدم في الحلقة السادسة بداية الأحداث والتفسير، أيضًا في شكل سردي على لسان الشخصيات نفسها فوق صور مشاهد سريعة، ثم النهاية والتي بالتأكيد متوقعة.

لا أظن أن أي مشاهد تفاجئ بالنهاية، على الرغم من ذلك كانت جيدة جدًا، مثيرة ومتلاحقة ومتتابعة في تخطيط جيد.
استعمت بالحلقة السادسة والسابعة بعد أن فقدت الاهتمام في الحلقات الخمسة الأولى، ولم أفهم من يستطيع كتابة حلقتين بهذا الشكل لماذا يقدم خمس حلقات درامية ممتلئة بالفلسفة دون ذرة إثارة للاهتمام.

كاتب الرعب الجيد ليس بالضرورة أن يكون كاتب دراما جيدًا

مدرسة مايك فلاناغان في دراما الرعب ثابتة، ففي أعماله الدرامية السابقة "‎The Haunting of Hill House" 2018 ،"The Haunting of Bly Manor" 2020، اتبع نفس الأسلوب في تقديم الرعب، مع الكثير من الدراما والكثير من الفلسفة. أعتقد أنه كاتب رعب جيد، يستطيع مناقشة الأفكار والتابوهات من خلال الرعب إلا أنه ليس كاتبًا دراميًا جيدًا. فالشخصيات المبتكرة تكون في العادة غير مثيرة للاهتمام، شخصيات بليدة يمكنك مشاهدتها في أي عمل درامي فقير، ويغرقها بالكثير من المونولوجات الفردية.

وهي مشابهة كثيرًا لمدرسة ستفين كينج في الكتابة، أفكار ما ورائية عبقرية يناقش من خلالها موضوعات مهمة غارقة في عدد صفحات مهول، ممتلئ بالدراما ومشاهد بلا هدف، فكرة عبقرية مدفونة أسفل حوارات طويلة حول أفكار بعيدة تمامًا عما يناقشه ويقدمه.

استعان فلاناغان بأسطورة مصاصي الدماء، نفس التفاصيل التي قدمت بها مختلف أعمال مصاصي الدماء، ليخرج عملًا مختلفًا تمامًا عن دراما وسينما مصاصي الدماء، هذا يثبت أنه يمكن تقديم أعمال مختلفة عن تلك الأسطورة، لا تتضمن دركيولا أو إدوارد كولن أو ديمون أو ستيفان سالفاتوري، وحتى مختلف عما قدمه براد بيت في فيلم Interview with the Vampire 1994، شيء جديد ومختلف ومبتكر.

خريطة للرمزيات في مسلسل Midnight Mass

بالتأكيد ينتمي المسلسل لدراما الرمزيات رغم أن تصنيفه دراما وتشويق ورعب وغموض، إلا أن المسلسل افتقر لغموض جيد، وبالتأكيد إذا كنت باحثًا عن الرعب المباشر سوف لن تجده هنا، لأن الرعب المستخدم هو غطاء للفكرة ليس إلا، الفكرة التي اندهشت وانزعجت باكتمالها أمام نظري في الحلقة الأخيرة.

اندهشت لأنها بالفعل عبقرية للغاية، استخدام أسطورة لمناقشة مواضيع دينية يتحسس منها جميع صناع السينما هو شيء يدل على العبقرية، لكنها أزعجتني لأنه لا شيء يظهر سوى مع الحلقة الأخيرة وصعوبة التفكير، كما لو أنك لست مشاهدًا شديد الذكاء ستفقد الرسالة ولن تفهم الغرض من العمل في الأصل.

لا أعتقد أن الفلسفة والرمزيات مبررات لأن يكون العمل صلبًا غير سلس ومملًا في معظم أجزائه، أعتقد أن المؤلف كان يمكنه صناعة مغامرة أكثر إثارة لتقديم تلك الفكرة.

الأخت بيف

بالتأكيد أنها الشخصية الأكثر بغضًا والأكثر حرفية وجودة.

"إن الله يحبنا كما هو يحبك يا بيف، فلماذا تغضبك الحقيقة إلى هذا الحد؟".

هذه الجملة هي جوهر شخصية الأخت بيف، أكثر الشخصيات المثيرة للاهتمام في العمل، الأكثر بروزًا لفكرة ما يمكن للتعصب الديني أن يفعله بالشخص، حيث يجد نفسه الإنسان الوحيد الذي يستحق حب الله ولا يمكنك مجادلة تلك الحقيقة في نظره.

قدمت سامانثا سلويان الشخصية كأفضل ما يمكن تقديمه من كتابتها، والحوار الأكثر تميزًا في العمل كان في الحلقة الأخيرة في المشهد بين بيف ووالدة ريلي في أقل من دقيقة، فحتما لا تحتاج أطنانًا من الحوار لتقدم الفلسفة.

ربما لم تساعد الكتابة في تقديم الشخصية بشكل أوضح وأفضل، ففي مشاهد كثيرة ورغم أن شخصية بيف واضحة في توجهها إلا أنها مبهمة، لا تعرف من بيف وما خلفيتها.

أفراد مجتمع الجزيرة

أعتقد أن فلاناغان كمخرج قدم أفضل ما لديه من تفاصيل مجتمع الجزيرة الصغير، البيوت والمرسى وحتى الشخصيات كصورة.
كما أعتقد أن الممثلين قدموا أفضل ما يمكنهم من خلال الكتابة الدرامية، فعلى الرغم من أن شخصية ريلي وإيرين من المفترض رئيسيتين إلا أنهما لم يكونا كذلك، فطوال حلقة كاملة كان بينهما مشهد حواري طويل عن تخيل كل منهما لفكرة الموت، وهو ما اقتطع منه في الحلقة الأخيرة، لكن لم أفهم علاقته بالفكرة الأساسية التي يعرضها العمل، ربما في النهاية تكتشف الرابط بما أنهم من الشخصيات التي استشعرت بشيء غريب إلا أنهما بالفعل شخصيات غير مثيرة للاهتمام أبدًا.

إن كنت تبحث عن الرعب فهذا العمل غير المناسب

ببساطة هذا العمل لا يقدم الرعب بصفته المجردة أو حتى تصنيفه الرمزي، هو رعب درامي بطيء، يفتقر للعديد من التفاصيل التي كان يمكنها جعله أفضل، فإذا كنت من محبي روايات ستفين كينج الطويلة التي تصنف أنها رعب ولكنها في الحقيقة روايات درامية بغلاف مرعب فبالتأكيد سيعجبك هذا العمل لأنه خريج ذات المدرسة.

اقرأ أيضًا: ترشيحات الأسبوع.. أفلام الحروب والملاحم تَحملُنا إلى قلب المَعارِك، وأخرى بنكهة كوميدية