مراجعة ثلاثية Millennium: العمل السويدي الممتاز في مقابل الأمريكي المعتاد

ثلاثية Millennium بوستر فيلم The Girl Who Kicked the Hornets' Nest
1

قدم ستيغ لارسن لعالم الأدب ثلاثية مختلفة، أنصفت المرأة بطريقة لم يعتدها أحد، فلم تظهر الأنثى في رواياته مهيضة الجناح تحتاج من يعينها ضد من اعتدي عليها، بل اعطي مثال مختلف وهي “ليزابث سالاندر” الفتاة المتوحدة الأقرب للوحشية والتي يكرهها المجتمع وينبذها، ويحكم عليها من مظهرها مباشرة دون معرفة ما أدى لهذا التحول في شخصيتها، والتي تحصل على انتقامها بنفسها، وتضع هي القوانين التي تفرق بين الخير والشر، فالشرير من وجهة نظرها هو من يكره النساء.

واستلهم الكاتب الكثير من التفاصيل في رواياته من حياته الشخصية، لنجد نقاط تشابه متعددة بين “Mikael Blomkvist” بطل الروايات وبين ستيغ نفسه، فهو ايضاً صحفي يعمل في مجلة ويتناول قضايا شائكة من المجتمع السويدي تجعله في خطر دائم، بينما الدافع الأكبر وراء كتابته في هذا الموضوع المؤلم هو مشاهدته خلال فترة مراهقة فتاة يتم الاعتداء عليها من قبل مجموعة من الشباب دون ان يستطيع ان يحرك ساكناً، وهي الحادثة التي ظلت في ذاكرته طوال الوقت ليقدمها بعد سنوات كاليزابيث سالاندر، وهي الشخصية الرئيسية التي نوى ان يكتب عنها عشرة روايات، ولكن وافته المنية بعد كتابة ثلاثة فقط، وهم The Girl with the Dragon Tattoo و The Girl Who Played with Fire و The Girl Who Kicked the Hornets’ Nest وتم ترجمة هذه الروايات إلى اللغة العربية.

وبالطبع هذه الروايات الأكثر مبيعاً والبالغة التشويق والاثارة مطمع للقائمين على صناعة السينما ولذلك تم تقديمها في أفلام مرتين، الأولى في ثلاثة أفلام سويدية، والثانية في فيلم امريكي واحد تناول الجزء الأول من الروايات فقط.

The Girl with the Dragon Tattoo

فيلم Millennium

هذا الجزء يمكن اعتباره مقدمة لبقية الأفلام، فشخصية “ليزابيث سالاندر” Noomi Rapace لم تكن بطلة الاحداث الرئيسية، مثلما سيحدث في الجزئيين الثاني والثالث، بل هي الجريمة المشوقة للغاية، والتي ساهمت ليزابيث وميكائيل بصورة متساوية في حل لغزها، والوصول للحقيقة بعد 40 عاماً من الغموض.

وتم الإشارة خلال احداث الفيلم إلى ماضي سالاندار دون الخوض في الكثير من التفاصيل، ليعلم المشاهد فقط إنها صاحبة ماضي أليم هو السبب في شخصيتها الغريبة.

صورة فيلم Millennium

نعود إلى البداية ووصف ليزابيث، هي فتاة في الرابعة والعشرين من عمرها، ترتدي السواد مع مكياج اسود كثيف والعديد من الاقراط على انفها واذانها، عنيفة للغاية، وتحترف التتبع واختراق أجهزة الحاسب، مع ذاكرة فوتوغرافية متميزة، وصنفتها الحكومة كإنسانة مضطربة لذلك هي تحت وصاية أحد الأشخاص وهو الذي يتحكم فيما تحصل عليه من أموال، ولكن بعد إصابة الوصي عليها بجلطة يتم فرض وصاية شخص اخر عليها، وهو من وضع علامة أخرى سوداء في سجل الرجال لدى ليزابيث.

تتضح اول العلامات على العنف في شخصية ليزابيث وقدرتها على الانتقام والوقوف في وجه الظلم، عندما اعتدي عليها جنسياً الوصي عليها، وقد سجلت هذه الحادثة الكاميرا المثبتة في حقيبتها، حيث قامت بالانتقام منه لاحقاً، ونقشت عبارة تدل على ما فعله على صدره بالة الوشم، وهددته بالفيديو الذي صورته.

على الجانب الاخر، كان ميكائيل بلوميفست Michael Nyqvist يعاني من وقت عصيب، بسبب محاولته الكشف عن التلاعبات المالية والجرائم التي أقترفها أحد كبار رجال الاعمال في السويد، ولكن كل المصادر الخاصة به والأوراق التي حصل عليها اختفت، وبالتالي يواجه قضية قد تنهي مسيرته المهنية تماما.

الشخصية المحورية الثالثة في الفيلم هي “هنريك فانجر” Sven-Bertil Taube الثري ذو الثامنة والثمانين عاماً، والذي يحيا في حزن دائم لمدة أربعين عام بسبب اختفاء ابنة أخيه في غموض، وهو اللغز الذي لم تقدر تحقيقات الشرطة على كشفه، وعندما شعر بدنو أجله يقرر أن يفتح القضية للمرة الأخيرة، فيجعل الشركة التي تعمل بها “ليزابيث” تبحث حول “ميكائيل” وعندما يتأكد من قدرته في الوصول للحقيقة، يدعوه ليبدأ البحث حول ما حدث “لهارييت”.

تبدأ من هذه النقطة الاحداث الرئيسية للفيلم، حيث ينتقل “ميكائيل” للريف ويبدأ البحث في العديد الوثائق والأوراق حول اختفاء هارييت، ومعرفة خفايا عائلة “فانجر” غريبة الاطوار والتي يحظى كل شخص منهم بشخصية أغرب من الأخرى والعديد من الاسرار وماضِ مخزي، وفي ذات الوقت لا تزال ليزابيث تخترق حاسوبه، لذلك تعلم حول بحثه الجديد، ويثير انتباهها وتبدأ في محاولة حل اللغز معه عن بعد، وترسل له بعد ذلك بداية الخيط، ليتحول الفيلم لقمة التشويق، والخطوة تلو الأخرى يتعرف الاثنان وتشاركه فعلياً في البحث حول هارييت.

قد يحتار المشاهد لماذا ساعدت ليزابيث ميكائيل في بحثه، وهو أحد افراد الجنس الذي طالما عانت منه وكرهته؟ الإجابة إنه ربما لمست فيه الصدق والعدالة، أو أن القضية ذاتها كانت في دائرة اهتمامها، وهو الدفاع عن المرأة المعتدى عليها، حيث قادتهم الأدلة لعدد من حوادث القتل لفتيات شابات.

وبعد انتهاء البحث في القضية والوصول إلى الحل، تنقذ ليزابيث حياة ميكائيل مرتين، مرة عندما حاول القاتل ان يتخلص منه، ومرة ثانية عندما احضرت له الأدلة التي كانت تنقصه في المحاكمة، ثم تختفي عن الأنظار.

فيلم Millennium

تم تقديم هذا الفيلم مرة أخرى من انتاج امريكي عام 2011 من بطولة Daniel Craig و Rooney Mara وفاز بجائزة اوسكار وترشح لأربعة غيرها، وعلى الرغم من النجاح الذي لاقاه هذا الفيلم، إلا أن النسخة السويدية تعتبر الأقوى والأكثر قرباً من الرواية، ربما لما تحمله الأخيرة من العديد من التفاصيل الشخصية حول ليزابيت ، فجاءت النسخة الامريكية كفيلم اثارة بطلته فتاة مضطربة اجتماعياً دون ان يعرف المشاهد جذور هذا الاضطراب، وفقد العنصر الذي يهم الكاتب فعليا، وهو توضيح المعاناة التي تعيشها المرأة الغربية في مجتمع على الرغم من إنه يبدو من الخارج يقوم على المساواة والإنسانية، إلا إن المرأة لازلت الجانب الضعيف الذي يتحمل الكثير في صمت.

 The Girl Who Played with Fire

بوستر فيلم  The Girl Who Played with Fire

على الرغم من كون الجزئيين الثاني والثالث يدوران في نفس فلك الجرائم والإثارة والتشويق مثل الجزء الأول، إلا أن ماضي ليزابيث في هذا الجزء هو بطل الأحداث، فنتعرف على طفولتها، عائلتها، الوصي عليها وباقي تفاصيل حياتها.

يبدأ الفيلم بعد مرور 4 سنوات على احداث مغامرة ليزابيث وميكائيل، وانقطاع العلاقة بينهما، بل تركت ليزابيث السويد، ولكنها تقرر العودة لتشعل النيران في البلد بأكملها.

وتتزامن عودتها مع اشتراك صحفي جديد في فريق تحرير مجلة ميلينيوم، وهو يبحث مع حبيبته الكاتبة بدورها في موضوع شائك للغاية، حول مجموعة من الشخصيات الهامة في الدولة والتي تستغل الفتيات وتعتدي عليهن بطريقة وحشية، ولكن هذا البحث لم يكتمل بسبب حادثة قتل الصحفي وخطيبته، وهي الجريمة التي سيتم بسببها توجيه أصابع الاتهام لليزابيث، وتصبح مطاردة من الجميع.

ويبقى هنا السؤال، لماذا تم اتهام ليزابيث في هذه الجريمة، ومن يريد محاصرتها والتخلص منها؟ وما هي مصلحته في ذلك؟

صورة  The Girl Who Played with Fire

كل هذه الأسئلة لها إجابات في ماضيها، وهو ما يكتشفه ميكائيل خطوة بعد الأخرى، من خلال تتبع قصة حياتها من أطراف مختلفة، بهدف الدفاع عنها، والحصول على ادلة لتبرئتها، على الرغم إنها لم يتقابلا طوال احداث الفيلم، ولكنه مد لها يد المساعدة المرة بعد الأخرى، ربما رداً لجميلها الذي يطوق عنقه، او لإيمانه ببراءتها.

لنكتشف أن الموضوع أكبر من حوادث اعتداء على فتيات، او اضطهاد لفتاة مختلفة عن مجتمعها، بل تدخلت الكثير من العوامل السياسية، بالإضافة للكثير من الأسرار التي تعرفها ليزابيث منذ طفولتها.

The Girl Who Kicked the Hornets’ Nest

ثلاثية Millennium بوستر فيلم The Girl Who Kicked the Hornets' Nest

الفتاة التي ركلت عش الدبابير، فعلاً هذا هو أفضل لقب لليزابيث، وقد بدأت ذلك منذ طفولتها، فوالدها كان يعتدي على والدتها بالضرب مما أدى لأصابتها بعاهة مستديمة، فما كان من الصغيرة سوى القاء علبة لبن مليئة بالجاز عليه، ثم إشعال النيران به، وبعدها تم إيداعها في مشفي للمرضي النفسيين، وتعرضها للاضطهاد ولم يصدق أحد حقيقة انها فعلت ذلك دفاعاً عن والدتها، وكانت هذه الندبة الأولى التي شكلت عدائها لنوعية معينة من الرجال، وعلى قمة هذه القائمة والدها بالطبع.

صورة فيلم The Girl Who Kicked the Hornets' Nest

ومنذ حادثة إشعال النيران لم تقابل والدها سوى في نهاية الجزء الثاني، ليحاول قتلها بمساعدها اخيها غير الشقيق، ولكنها تنجوا بأعجوبة، لتحاكم بتهمة محاولة قتل والدها للمرة الثانية.

صورة فيلم The Girl Who Kicked the Hornets' Nest

خلال هذه المحاكمة تتضح كل الأمور المخفية، لنعرف الدور الحقيقي لوالد ليزابيث، والصلات التي تجمعه بكبار رجال الدولة، وهم من حاولوا التخلص منها سواء في المصحة، او في توريطها في قضية القتل، او بالتشكيك في قدراتها العقلية ومصداقيتها، ولكن بمساعدة ميكائيل وأخته المحامية الجنائية، يتم حل اللغز وكشف الحقائق، لينتصر الحق في النهاية.

الثلاثية يمكن تصنفيها كأحد أفضل أفلام التشويق والاثارة التي يمكن مشاهدتها، فمع كثرة التفاصيل في الروايات، ومحاولة نقلها بدقة في الأفلام جاءت الأخيرة زخمة بالأحداث، والتي تجعل المتفرج في حاجة للتركيز بشدة حتى لا تفوته أحدها، ولمعاودة المشاهدة أكثر من مرة.

1

شاركنا رأيك حول "مراجعة ثلاثية Millennium: العمل السويدي الممتاز في مقابل الأمريكي المعتاد"