لوحتى القاء والوداع ل فيبين بريز
0
أطربنا الراحل عبد الحليم حافظ  على لسان نزار القباني وبـ ألحان محمد الموجي في أغنية “رسالة من تحت الماء” ملخصًا بشكل كبير حالة نعرفها جميعًا..

“إشتقت إليك فعلمني أن لا أشتاق
علمني كيف أقص جذور هواك من الأعماق
علمني كيف تموت الدمعة في الأحداق
علمني كيف يموت الحب وتنتحر الأشواق”

الفقد، تعبر تلك الجمل البسيطة عن إحساس الفرد بعد الفراق، كيف يأكل الافتقاد قلب المحب ليصل به الحال ليطلب من حبيبه/ معذبه أن يعلمه كيف يقص كل تلك الزهور التي زرعها في قلبه وذهب دون الاكتراث بمن سيرعاها، كيف يقتل الدمعة قبل أن تنسدل على وجنتيه فيظهر بمظهر الضعيف، وأخيرًا كيف يقتل -أو يجبرها على الانتحار- كل تلك المشاعر الجياشة التي لن تجد مصرفًا لها بعد الفراق.

واليوم، في هذا المقال سنقوم بعمل كولاج عن الفراق بين فنيين عبروا عنه بصريًا؛ الفن التشكيلي والسينما.

أقرأ أيضًا: الحنين إلى الطبيعة البشرية في أعمال مشروع Cosmodreams للفنانة Marina Fedorova

هل أستطيع الرجوع إليك/ إلى: بين والأدب، الفن التشكيلي والسينما

“لو كنت حبيبي، من العذاب انا خدت نصيبي
بلاش عتاب
ماتكلمنيش على الحب، ماتفكرنيش بالحب
لا حياتي هي حياتي، ولا قلبي اصبح قلب
حبيت الحب عشانك، وكرهت الحب عشانك
ابداً مش هقدر اسامحك، ابعد خليك في مكانك
انا بترجاك استني هناك، استني بعيد علشان انساك”
جزء من أغنية بلاش عتاب– عبد الحليم حافظ

نحن الآن بصدد تشكيلة فنية رائعة، في الأصل يعود عمل “يفغيني أونيغين- “Yevgeniy Onegin إلى الكاتب الروسي ألكسندر بوشكين وهو مسرحية شعرية، حولها فيما بعد بيتر إليتش تشايكوفسكي إلى نص أوبرالي لما لها من أهمية في الأدب الروسي حيث تعد من كلاسيكياته، كما كان معروف عن تشايكوفسكي أنه مهتم بإحياء التراث القومي لبلاده. لتقوم الفنانة الروسية ليديا تيموشينكو لاحقًا بعمل مجموعة من اللوحات معتمدة على أحداث المسرحية، وأخيرًا في عام 1999، وبعد قرن تقريبًا وأكثر على المسرحية الشعرية تم تحويل العمل لفيلم سينمائي من إخراج مارثا فاينس.

لوحة هل أستطيع االرجوع إليك ومشهد من الفيلم

على اليمين لوحة تيموشينكو بعنوان “هل أستطيع الرجوع إليك/ إلي” يظهر بها أونجين جاثيًا على ركبتيه يقبل يد تاتيانا يرجوها أن تعود إليه والهرب معًا، جدير بالذكر أن تاتيانا قد قابلته في وقت سابق لهذا الذي تجسده اللوحة بسنوات في الريف، هو الشاب القادم من سانت بطرسبرج المتملل من كل شيء، ساخرًا من كل المشاعر والأمنيات، ساخرًا بدرجة تجعله ساحرًا..
وقعت تاتيانا في حبه فورًا، ويكمن تفرد الرواية لتعدد تفسيرات هذا الحب، وكل يختار منها ما يتناسب مع رؤيته. لعله الملل والاغتراب الذي تعيشه في هذا الريف الضيق ليقدم لها أونجين عالمًا ساحرًا جديدًا عليها، لعلها الرغبة في الإنقاذ التي تحرك أي أنثى تجاه رجل تائه مثل أونجين بسبب غريزة الأمومة. المهم أنها ذابت في حبه، وقررت أن تعبر عن هذا الحب عن طريق جواب تحكي به كل مشاعرها، هذا الجواب الذي قوبل بالرفض والسخرية من قبل أونجين، يسافر ويترك الريف كما يترك تاتيانا وقلبها المحطم.
يظهر في اللوحة الجواب ملقى على الأرض بجانبه، هذا لأنه وبعد مرور السنين، تظهر تاتيانا في سانت بطرسبرج بجانب زوجها ذي المكانة المرموقة التي اضطرت للزواج منه بسبب تقدمها في العمر وضغط أمها عليها. يجن جنون أونجين عندما يراها مرة أخرى بجانب رجل آخر، يذهب لها، يترجاها، يقترح أن يفروا معًا بالهروب خارج المدينة، يشرح لها أنه يكون “هو” فقط عندما يكون معها لذلك عليه أن يعود لها حتى يعود لنفسه، ولكن من نظرة تاتيانا وتعبيرات وجهها في اللوحة نفهم أنها تقول “عايزنا نرجع زي زمان قول للزمان إرجع يا زمان. تفيد بإيه يا ندم؟ وتعمل إيه يا عتاب؟”.

أقرأ أيضًا: ليست شعبية أو مهرجانات: كيف يغني نجوم الطرب للصحاب في الأغاني؟

أما على اليسار، فنجد نفس المشهد ولكن من الفيلم إنتاج عام 1999 برؤية المخرجة فاينس. فنرى أوجين جاثيا على ركبتيه، يطلب السماح والعفو، يطلب منها أن تقول له أنها ما زالت تحبه حتى لو كذبت، لا يهم أن تكون المشاعر مزيفة وغير حقيقية المهم أن ترضى نرجسيته بحبها. وفي المقابل نجد تاتيانا تبكي بحرقة، تمسك وجهه بين يديها وتقول له بكل الصدق إنها ما زالت تحبه، وتحبه وحده. ولكنه “فات الميعاد” فهي امرأة متزوجة، وفية لزوجها حتى وإن لم يكن بمشاعرها، فهي تحترمه. تنهض، تذهب بعيدًا ويبقى أونجين وحيدًا على الأرض في فراغ الغرفة، والنهاية.

العودة للديار الألمانية في مقابل الهروب في واحة الغروب

“قولي حاجة اي حاجة
قول بحبك قول كرهتك قول وميهمكش حاجة
قولي عايزك، قولي بعتك، بس قولي اي حاجة اي حاجة يا حبيبي”
جزء من أغنية قولي حاجة– عبد الحليم حافظ

العودة للديار ومشهد من واحة الغروب
على اليمين لوحة العودة للديار لـ الألماني أدلوف هانز، يسجد بها جندي عاد حديثًا من الحرب منهكًا يريح رأسه على فخذي حبيبته. بالرغم من أن هانز كان نازيًا، وتوفي في عام 1951 إلا أنه رسم اللوحة على خلفية الحرب العالمية الثانية التي دمرت ثلث البشرية تقريبًا. يصور بأسلوبه الواقعي أولًا حالة الإنهاك الجسدي البشع التي يعود به الجنود من الحرب التي يستدل عليها من حركة يديه وملابسه الرثة، وثانيًا المعاناة النفسية التي تنتهي بمجرد لمس رأسه لحضن حبيبته ليتحول كل الألم لسلام نفسي وسكون. ومن جانبها تربت على رأسه في حنان وكأنها تقول أهلًا بك في وطنك/ حضني مرة أخرى. ومن جوانب أخرى يتم تحليل اللوحة بمنحى وطني نوعًا ما، لترمز السيدة للوطن الذي يستدل على حاله من حالة الفراغ التي تحيط في اللوحة، فاختفاء الشجر والمنازل وحتى السماء يدل على حالة الخراب الذي يعاني منه هذا الوطن.


وعلى اليسار مشهد من الحلقة السابعة عشر من مسلسل واحة الغروب للمخرجة كاملة أبو ذكري/ منى أبو عوف. تبدأ في هذه الحلقة توتر العلاقة بين محمود وكاثرين بسبب جلد محمود لذاته وتحميلها مسؤولية ما حدث للشاويش إبراهيم، وبالرغم من أن مشكلة محمود مع نفسة في الأساس إلا أنه لا ينفك عن تفريغ غضبه على كاثرين وإسقاط مشاعره الداخلية وأفكاره عن نفسه عليها، ليصلوا في النهاية إلى قمة التوتر ويتشاجرون وتزداد الفجوة بينهم. وفي نهاية الحلقة، عندما يتماثل الشاويش إبراهيم للشفاء يعود إبراهيم لمنزله، وبهدوء شديد -وبدون اعتذار بأي شكل- يريح رأسه على فخذيها لتربت هي بدورها على رأسه ولسان حالها يقول “حتى في الخصام يُمكنك وضَع رأسك العنيِد على كتفِي دُون أن تعتذر”.

 

0

شاركنا رأيك حول "هل أستطيع الرجوع إليك/ إلي: كولاج الفراق بين الفن التشكيلي والسينما"