أساليب معاصرة من فَنّ الكاريكاتير المشرقي .. السخرية، النقد، وحرية التعبير

2

مقال بواسطة علاء رشيدي

يُشكّل الكاريكاتير، كفَنّ بصري، جزءً كثيفاً من المعطى الاعلامي العربي، ولكن الكتابة عنه نادرة، وغالباً تعريفية بأكثر من أن تكون تحليلية.

فهل يعود السبب إلى صعوبة التعبير بين الكلمة والصورة، أم صعوبة تجسيد السخرية كفَنّ بالعبارات؟ ومع ذلك، لا تخلُ مطبوعة أو صحيفة إلكترونية عربية، وكذلك مواقع القنوات الإخبارية، من بوابة أو قسم مخصص لهذا الفَنّ الذي يصنّفه العديد من الباحثين على أنه نوع صحفي يرتبط بشكل مباشر بالنقد من جهة، وبحرية الفكر والتعبير من جهة أخرى، وتستضيفه الجوائز العالمية أحياناً كجزء من حراك حقوق الإنسان.

نحاول في هذه المادة تسليط الضوء على أساليب معاصرة في فَنّ الكاريكاتير المشرقي العربي، وننوه أن هذه التجارب الفنية لم يتم اختيارها لغاية التقييم أو التصنيف، وإنما للتنويع في الأساليب التي تطرحها على صعيد العلاقة بين الفكرة الكاريكاتيرية والتعبير التصويري.

علي فرزات: الرمز المفاهيمي

يعتبر واحداً من أبرز رسامي الكاريكاتير في العالم العربي، والفاعل في المجال السياسي والاجتماعي، وتتميز أعماله بالرموز المفاهيمية.

فالديكتاتور لدى علي فرزات، ليس هو الرئيس الحالي أو السابق، إنه الديكتاتور بالمفهوم وكذلك المواطن في رسومه لا يتميز بجنسية أو ثقافة معينة إنه المواطن بالمفهوم.

إن هذه الميزة تُحمّل أعماله مضموناً مفاهيمياً، من أوضح الأمثلة عليها: الأنا التي تحبس نفسها بنفسها، غير قادرة على الخروج من إطرها، إنها تعيش ضمن أفق رؤياها الضيق، الذي لا يسمح لها بالتحرر، هذه الأنا هي واحدة من مواضيع علي فرزات المتكررة.

عمل على موضوعات مثل: علاقات التسلّط بين الذكرورة والأنوثة، والأنا المحبوسة في أفقها، أنا الديكتاتور، الاعلام الرسمي والمواطن، الفساد في الطبقة الحاكمة، البيروقراطية، الأذهان التي تعكس ما بداخلها من أقفال أو الإيحاءات الذهنية العسكرية، كأن يفتح مواطن عربي قشرة رأسه عند الجمارك ليبحث الضابط العسكري كل ما يشكل خطراً على الخطاب الرسمي المهيمن.

ولد علي فرزات في حماه، سوريا، وانتشرت رسوماته في عدد من الصحف العربية والعالمية، ثم أسس في العام 2011، أول جريدة سورية خاصة منذ أربعين عاماً، بإسم (الدومري)، ثم توقفت لمحتواها الساخر بالرسم والمقال.

حاز على العديد من الجوائز منها: جائزة مهرجان صوفيا الدولي عام 1987، جائزة الأمير كلاوس الهولندية عام 2003، واختاره البرلمان الأوربي مع أربعة مواطنين عرب للفوز بجائزة سوخاروف لحرية التعبير في عام 2011.

وكان ذلك بعد أن تعرض للضرب والاعتداء أثر الرسوم التي نشرها في العام 2011 على أثر الاحتجاجات الشعبية على النظام الحاكم في سورية.

علي فرزات (102)

علي فرزات (3)

علي فرزات (5)

موفق قات: السرد الحكائي

بأسلوب يستوحي جمالياته من الرسوم المتحركة، قدّم فنان الكاريكاتير موفق قات موضوعات السخرية والتوعية على حد سواء، منها ما يتعلق بالبيئة، بالعلاقة بين المواطن والسلطة، بالعلاقة بين الاعلام والحدث الشعبي، وعن اللاتمايز بين السطلة الدينية والسياسية.

يتميّز أسلوبه في الكاريكاتير باستخدام التقنيات السردية الفيلمية، كأن يقسم الرسم إلى ثلاث أقسام، بداية ووسط ونهاية، وكأنها قصة مصورة، فنتابع انتقالاً في الحدث بين القسم الأول، الثاني، الثالث حيث نفهم الفكرة من خلال العلاقة بين الأٌسام الثلاثة، بأسلوب الحكاية من ثلاث مشاهد.

تخصص موفق قات في المعهد العالي للسينما بموسكو، في مجال الرسوم المتحركة، ورسم وأخرج العديد من أفلام الكرتون منها: (مذكرات رجل بدائي، 1997 و 2005)، (مغامرات مسعود، 2004)، وتعاون لأكثر من مرة مع منظمة اليونيسيف العالمية لأجل برامج توعية تتعلق بالطفولة.

 حاز على العديد من الجوائز الفنية في الكاريكاتير والأفلام القصيرة.

موفق قات (9)

موفق قات (15)

أمجد رسمي: التعبيرية التشيكيلية

هل بالإمكان القول “عمل من المدرسة الألمانية التعبيرية” في فَنّ الكاريكاتير، كما في تاريخ فن الرسم والنحت؟ هكذا المصطلح يمكن أن يسعفنا في الحديث عن خصوصية الألوان، ضربة الريشة، والعوالم التشكيلية التي يخلقها الرسام أمجد رسمي في لوحاته.

فالرسم المصوّر بالإضافة إلى حسّ السخرية، وأسلوب الخطوط القريب من ضربات الريشة في الرسم الزيتي، وكذلك فهي تمدّنا بعالم شعوري مشحون داخل الصورة، إنه المزيج بين المزاج في اللوحة التشكيلية والموضوعية الكاريكاتيرية الساخرة.

درس أمجد رسمي في كلية الفنون الجميلة في عمّان، وعمل في جريدة الدستور الأردنية وجريدة الشرق الأوسط، حاز العديد من الجوائز منها: درع الفنان محمود كحيل، وجائزة الصحافة العربية في العام 2008.

أمجد رسمي (6)

أمجد رسمي (7)

هاني عباس: البساطة الفادحة

في أسلوب (هاني عباس)، الرموز البسيطة التشكيل معزولة في بياض الخلفية، ولكنها تتضمن المقول كاملاً، الذي يبلغ من السخرية حدّ الذهول، من العالم الطفولي الذي يتفكر بقضايا الإنسان.

الخطوط التي تكوّن الرموز أقرب إلى هندسيات (خوان ميرو، 1893 – 1983)، يجعل من العوالم، التي تبدو عفوية، كثيفة التأثير.

عمل على مفاهيم: الحرب، الأسلحة والطفل، بنية العقل الاقصائية، حرية الفكر، تطويع الفكر في الموضوعات العربية.

هذه المواضيع جعلت من رسوماته مميزة في التعبير عن المرحلة المعاصرة في البلدان العربية، فأصبح واحداً من الفنانين المؤثرين في تجربة التغيير العربية، والسورية خصوصاً منذ العام 2011.

يقول هاني عباس، في لقاء صحفي:

في الفترة الأخيرة بدأت أنتقل إلى صياغة كاريكاتير هو أقرب للوحة التشكيلية، أو ربما عملية دمج. ظهرت هذه التجربة واضحة في لوحة “صرخة سوريا”.

اعتقد أننا تعرضنا خلال السنوات الثلاث الأخيرة لجرعات ضحمة من الموت والحزن والفجائع انعكست بالضرورة على اللوحة، وأعطت شكلأ جديداً وصورة حقيقية عرّت الكثير من المفاهيم التي كنا نؤمن بها سابقاً، وكشفت عن الوجوه الحقيقية السوداء لمن كانو يعتبرون أنفسهم رموزاً للحرية.

مفارقات وصدمات لا بدّ أن تنعكس في الكاريكاتير

حاز هاني عبّاس على العديد من الجوائز، منها: جائزة الكاريكاتير العربي 2012، جائزة حرية الصحافة العالمية 2013، جائزة Press Cartoonist Award عام 2014.

هاني عباس (1)

هاني عباس (17)

ستافرو جبرا: التليفوتوغرافيا

أبرز فناني التليفوتوغرافيا في العالم العربي. عمل ستافروا من العام 1966 إلى اليوم في مجالات الرسم الكاريكاتيري المطبوع، الرسم الكاريكاتيري الإلكتروني، والرسم الكاريكاتيري المتلفز الذي يظهر فيه أسلوبه في التعبير عن الأحداث الراهنة في لبنان، الشرق الأوسط، والعالم العربي عموماً.

تعتبر تجربته في الكاريكاتير المتلفز رائدة خلال عمله في محطة التلفزة CVN، وعلى مدى سنتين.

اشتهر ستافرو أيضًا بصوره الفوتوغرافية، وأحرز لقب شرف كواحد من أفضل مصوري الحرب اللبنانية المعاصرين من قبل المجلة الفرنسة “فوتو”، وأسس كذلك في أيلول 1983 مجلته الشهرية الخاصة “سكوب SCOOP” التي أعطته فرصة نشر صوره غير السياسية.

تم اختيار “ستافرو” ليكون أحد فناني الأمم المتحدة الـ24 حالياً ضمن جمعيّة أو مؤسّسة Foundation Cartooning for Peace التي أسّسها أمين عام الامم المتحدة السابق كوفي أنان مع بلانتو Plantu رسّام الكاريكاتير في صحيفة Le Monde.

تقوم هذه المؤسّسة  بنشاطات ثقافيّة معتمدة بشكل خاص تقنية الرسم الصحفي ورسم الكاريكاتير، وذلك  لمؤازرة أعمال ونشاطات الامم المتحدة التي تُعنى خصوصاً بنشر السلام في العالم.

فاز بجائزة العرب الأولى للتفوّق على موقعه stavrotoons.com، جائزة مهرجان وسائل الاعلام العربية 2004 و 2006، جائزة المواقع الإلكترونية الذهبية عام 2001-2002 من الجمعية الدولية لكبار ومصممي المواقع الإلكترونية.

هذه الجوائز تشير إلى الدور الذي لعبه ستافرو في تجربة الكاريكاتير العربي، حيث يقول عن عمله:

على غرار ما يحصل في الدول حيث يعتبرون الكاريكاتير من الفكر السياسي الحقيقي، نحن نحاول إعطاء دفعة للفَنّ الكاريكاتيري العربي، لنقول إنّه أهم حتى من “الافتتاحيّة” في الصحيفة، في حال كان الرسّام قد خلق قيمة لنفسه وكان محرِّراً بكل ما للكلمة من معنى. فالرسّام الكاريكاتيري يعطيك إفتتاحيّة صحافيّة من دون أن يكتب كلمة واحدة.

ستافرو جبرا (1)

ستافرو جبرا (3)

ستافرو جبرا (2)

2

شاركنا رأيك حول "أساليب معاصرة من فَنّ الكاريكاتير المشرقي .. السخرية، النقد، وحرية التعبير"