بعد الخطأ التاريخي في حفل الأوسكار، هل تأكدت الشكوك وفقدت الجائزة مصداقيتها؟

مون لايت يفوز بالاوسكار 2017
0

يعلن الممثل “وارين بيتي” العنوان الفائز بجائزة “أفضل فيلم” بشكل مريب فهو لا يتفوه به بل يعرض الورقة التي أخرجها لتوه من الظرف أمام زميلته الممثلة “فاي دوناواي”، لتعلن هي الاسم قائلة ببساطة “لالا لاند” وسط عاصفة من التصفيق وصعود المنتجون وصناع الفيلم بالفعل على المنصة حيث استرسلوا في الشكر والتعبير عن الامتنان للأشخاص الذين ألهموهم قابضاً كلاً منهم على تمثاله الذهبي.

وبينما كان يقول آخرهم كلمته كانت هناك حركة غير طبيعية على المسرح، وهمسات تدور هنا وهناك وأجواء غير طبيعية، ليتضح الأمر بعد أن يتدخل فجأة أحد المنتجين بمنتهى الثبات الانفعالي معلناً أنّ الفيلم الفائز هو “Moonlight” وليس الفيلم الذي كان هو أحد صناعه “La La Land” ما يؤدي إلى فوضى نسبية تدفع هذا المنتج لترديده أكثر من مرة لجملة أنّه قد حدث خطأ وأنّها ليست بمزحة.

ويستدعي الظرف الآخر فاتحاً إياه أمام الجميع ويعلن أن الفيلم الفائز هو فيلم “Moonlight”، ليسجل بذلك أكبر فضيحة في تاريخ حفلات الأوسكار حتى الآن، ومهما حدثت من أخطاء سابقة فلن تكون بالطبع بهذه الكارثية.

فالأمر لا يعدو كونه خطأ مفصلي في أهم محفل سينمائي وفني في جميع أنحاء العالم فحسب، بل يفتح الباب أمام الهمهمات التي تحولت إلى تصريحات معلنة حول فقدان الجائزة مصداقيتها وتعمدها فوز عمل بعينه وأنّ الأمر يفتقر للشفافية ونزاهة الجائزة وتشكك في أنّ المسألة خطأ تلقائي بحت.

بالطبع الحفل كله منذ البداية شابته شوائب تصفية الحسابات السياسية فكان هناك هجوماً كبيراً سواء صراحة أو عبر التلميحات للرئيس ترامب، أمّا الجوائز، فحدث ولا حرج… جاءت لتستفز أقل الأشخاص اعتقاداً في نظرية المؤامرة

فيلمZootopia

صورة فيلم فيلم Zootopia

الفيلم الحائز على جائزة الرسوم المتحركة والفيلم الأضعف في قائمة أفلام ديزني للرسوم المتحركة من وجهة نظري، ولكن لماذا يمنح هذا الفيلم الأوسكار بينما هناك أفلام أخرى هي الأحق من وجهة نظر العديد من النقاد؟

ولماذا وهو فيلم يخرج من كونه يحمل رسائل إنسانية مطلقة ومتمسكة بالمثل العليا والقيم العامة كعادة أفلام ديزني التي ألهمت الكبار والصغار، إلى فيلم يحمل رسائل سياسية واضحة وإسقاطات شديدة الخصوصية، بشكل يجعله فيلماً موجهاً بامتياز.

وحتى إن كانت نيتنا نحن سيئة تجاه هذه الإسقاطات وأننا نتوهم وجودها فحسب، فالفيلم أيضاً يظل ضعيفاً على مستوى القصة والحبكة والمضمون؛ لأنّ مضمونه مكرر عشرات المرات من قبل، وبالتالي يصبح الفيلم بالغ التقليدية في وقت كان من الممكن إلقاء الضوء على فيلم مختلف تمام الاختلاف وتجربة جديدة بشكل غير مسبوق مثل: “Sausage Party”، والذي بالطبع لم يلقَ حتى الاهتمام الذي يمكنه من المنافسة، فدخول فيلم مثل هذا قد يثير استفزاز المحافظين، وبالتالي يصبح ترشيح زوتوبيا لنيل الجائزة، ينقصه الكثير من المصداقية مثيراً اندهاش معظم الناس.

الممثل ماهرشيلا علي

ماهرشيل علي الاوسكار 2017

يبدو أنّ معتقد الممثل “ماهرشيلا علي” الإسلامي قد ساعد في دفعه لربح هذه الجائزة مثيراً استغراب الجميع في دور أداه الممثل بشكل جيد، ولكن لم يكن مبهراً ليفوز بجائزة مثل هذه، الأمر الذي يفتح الباب للقيل والقال خصوصاً أنّه كان هناك الكثيرين من الممثلين أمامه أحق بكثير أبرزهم على الإطلاق الممثل المخضرم الكبير “جيف بريدجز” عن بطولته لفيلم “Hell Or High Water”، والذي كان نسبة ظهوره في الفيلم وتأثيره في الأحداث وحضوره وأداءه أعلى  بكثير من “ماهرشيل علي” إلاّ أنّه كان لابد أن يفوز “ماهرشيل علي” هنا ربما لأسباب أخرى لا تتعلق بالأداء.

فيلم Moonlight

فريق مون لايت يحصل على الاوسكار

لا أريد أن أقارن بين هذا الفيلم وبين فيلمي المفضل “la la land” لأنّه بالطبع أي مقارنة معه ستكون ظالمة وستفقد حياديتها، ولكن بالنظرة الموضوعية لهذا الفيلم بمعزل عن مقارنته بأفلام أخرى فإنّه فيلم جيد، لا أراه رديئاً أو سيئاً بالشكل الذي لا يمكّنه من المنافسة ولكن أود أن أقول: “نعم إنّه جيد مقبول، متوسط”.

لا يُمكّنه مستواه من أن يكون فيلم العام بأي شكل، وبدون دخول في متاهات عنصرية، ربما سيُطرح التساؤل حول إن كان أبطال الفيلم من البيض كان سيصبح الفيلم منافساً بنفس هذه القوة!؟ في الواقع لا أرى أي شيء مميز في الفيلم، في واقع الأمر، والحقيقة أنّه ما يميز الفيلم أنه ليس مملاً ولكن لا يترك أثراً بالغاً فيك على الإطلاق، ويفتقر للكثير من عناصر الإبهار.

ثم ماذا بعد؟

لا يجب أن نقطع بعدم مصداقية الجائزة أو افتقارها للشفافية بالطبع خاصة  أن آلاف من الأعضاء يتم استفتاءهم حول الترشيحات والفائزين، وأخذ أصواتهم وفرزها يدوياً، ولكن أيضاً لا نخفي احتمالية أنّ الجائزة قد تكون مسيّسة وهناك اتجاهات معينة داخل الأكاديمية لمنحها لأفلام تحمل محتويات بعينها خصوصاً المحتويات التي تلعب على الأوتار الحساسة مثل: العنصرية وغير ذلك، والحقيقة أنّ هذه القضايا بالطبع يجب ألاّ نغفلها في السينما بأي شكل، ولكن لا ينبغي أن نحتفي بفيلم لمجرد أنّه يناقش هذه القضايا.

خوفاً على هذه القضايا، وحباً في السينما

ولا ريب أننا متأثرون جميعاً لاضطهاد ذوي الأصول الإفريقية في أمريكا، ونرفض كل أشكال العنصرية ضدهم ونعي تماماً ضرورة تأريخ هذه الحوادث العنصرية كي تظل إلى الأبد مثار استهجان ورفض، وبحكم إنسانيتنا وبحكم انتمائنا لبلدان مسلمة نرفض أيضاً كل أشكال التمييز ضد المسلمين في الولايات المتحدة أو أي مكانٍ في العالم.

إلاّ أنّنا نخشى أن ينقلب الأمر إلى ضده ففي حين توجه اتهامات إلى الأكاديمية بتجاهلها الأقليات متهمة إياها بالعنصرية والانحياز للفن الأبيض، جعل هناك هستيريا ساعدت في خلقها أيضاً الشعور العميق بالذنب المستقر في الثقافة الأمريكية بموجبها يتم منح الجوائز للأقليات سواء كانوا سوداً أم مسلمين حتى وإن كان على حساب أعمال أخرى أو صناع أفلام آخرين يستحقون هذه الجائزة، مما يعني أن يصبح الأمر تمييز لصالح الأقليات ضد الأكثرية، ويتم استغلال قضايا الأقليات هذه لمنح صلاحيات أكبر، مما قد ينتج في المستقبل ابتذال لهذه القضايا وتلاشي التعاطف والتضامن معها، بل والتحفز ضدها.

وبالتالي يجب أن يكون المقياس الوحيد لمنح الجوائز والتكريم هو الفن، الفن وحده.

كما أننا ننأى بالسينما سواء كانت أعمالاً أو مهرجانات أن تكون وسيلة تصفية حسابات سياسية أو أداة انحياز؛ لأنّ السينما كانت ولازالت للإنسانية جمعاء، وإحدى أهم عوامل نهضتها وتقدمها وأهم عوامل الانفتاح الثقافي، وتواصل ورقي الشعوب.

0

شاركنا رأيك حول "بعد الخطأ التاريخي في حفل الأوسكار، هل تأكدت الشكوك وفقدت الجائزة مصداقيتها؟"

أضف تعليقًا