أفلام قدمت تاريخ بديل
0

يعبتر كوينتن تارانتينو واحدًا من أفضل المخرجين اليوم، ولا تقتصر شهرته ونجاحه بسبب إخراجه للأفلام وكتابة السيناريو ومشاركته في التمثيل والإنتاج، لكن يعتبر سبب شهرته هو عدم تلقيه أي دراسة أكاديمية تخص مجال السينما، من محب أفلام هاوٍ في متجرٍ يبيع الأفلام، إلى واحد من أهم المخرجين في العالم. يقدم لنا أفلامًا دموية مليئة بالإثارة والمتعة والكوميديا اللاذعة والقوية، لكن لا تتوقف أعماله على تقديم المتعة فقط مثل أفلام “Kill Bill”،

بل يقدم أفلام ذات نظرة ثاقبة ورؤية ذكية، ومن هذه الأفلام ما سنقدمه اليوم، وهي أفلام تتحدث عن أحداث تاريخية مهمة، يقدمها كوينتن تارانتينو بنظرته الخاصة، ويقم تحليلًا جيدًا لها، ثم يقوم بقلب الحدث وتقديم نتيجة غير التي حدثت، كمحاولة لشفاء غليله من الحدث الظالم والقاسي.

(2009) Inglourious Basterds

أبطال الفيلم الذين يقفون ضد الألمان فيلم (2009) Inglourious Basterds

أثناء الحرب العالمية الثانية شهد العالم واحدة من أبشع عمليات الإبادة في التاريخ، وهنا لا نتكلم عن قتلى الحرب بشكل عام، ولا حتى عن قتلى هتلر لليهود بالأسلحة، بل نتحدث عن الحرق، عمليات حرق جماعية لعرق معين، وتعرف هذه المأساة باسم “الجميع محروق” أو “الهولوكوست”، ويقدر عدد اليهود الذين تم حرقهم بستة ملايين إنسان.

في عام 2009 أخرج لنا كوينتن تارانتينو هذه التحفة السينمائية “أوغاد مجهولون”، الفيلم من بطولة براد بيت وميلاني لوران وكريستوف فالتز، وقد رشح الفيلم لثمان جوائز أوسكار، وفاز كرستوف فالتز بأوسكار أفضل ممثل مساعد “Actor in a Supporting Role”، ويقال أن كوينتن تارانتينو ظل يعمل على السيناريو على مدار عشرة سنوات حتى خرج لنا بشكله الحالي، وقد حقق الفيلم نجاحًا باهرًا في السينما، وكان من أعلى أفلام المخرج ربحًا.

يبدأ الفيلم مع الكولونيل هانز لاندا “كرستوف فالتز” وهو مخبر يقوم بالبحث في مزرعة فرنسية عن عائلة دريفوس، وهذه العائلة هي الوحيدة التي هربت السنة الماضية من العقاب، لكن يصل الكولونيل إلى المزرعة المنشودة ويضغط على صاحبها، ويجد العائلة اليهودية التي تختبئ تحت الأرض ثم يقوم بقتلهم، لكن الفتاة الصغيرة في العائلة “شوسانا” تستطع الهرب.

صورة أثناء رسم فرقة الأوغاد الصليب المعقوف فيلم (2009) Inglourious Basterds

يعرض الفيلم العديد من الأحداث بعد ذلك فيظهر لنا هتلر ومشاكل الألمان مع فرقة الأوغاد، وهي فرقة يهودية أمريكية يرأسها براد بيت، وقد سببت هذه الفرقة مشاكل لأنها كانت تضع الصليب المعقوف على جباه كل من تتركهم يعودون إلى ألمانيا النازية، لكن دعونا نعود للفتاة الصغيرة الهاربة من الكولونيل، سنجد أنها شقت طريقها في الحياة، واستطاعت أن تعيش في باريس تحت هوية جديدة، وتعيش حياتها بالمال الذي تكسبه من السينما التي استطاعت الحصول عليها وإدارتها.

لا يتوقف الأمر هنا بل سرعان ما تجد الفتاة نفسها بين أوساط الألمان وكبار الرؤساء فيها، وبسرعة سيقرر الألمان عرض فيلم عن أحد بطولتهم في الحرب، وخلال هذا العرض سيحضر كبار الرؤساء وبينهم سيكون هتلر القائد الألماني الذي حرق اليهود، وهنا تأتي الفرصة لشوسانا على طبق من ذهب، تقوم بتجهيز شرائط الأفلام سريعة الإحتراق وتجهز السينما حتى يستريح فيها الألمان وبعد الراحة والسعادة التي ستظهر على وجوههم، تقوم بحرق السينما بهم جميعًا.

حرق هتلر والقادة الألمان فيلم (2009) Inglourious Basterds

هنا فقط سنرى التاريخ بشكل جديد، هتلر الذي يحرق اليهود حُرق أخيرًا بواسطة خطة محكمة، والكثير من التشويق والإثارة، والفيلم يعرض أيضًا قصصًا وتفاصيل يجب ألا نظلمها بالتركيز على هذه النقطة، كما يقدم الفيلم سيناريو ممتع للغاية، ولا يخلو الفيلم أيضًا من الحوارات الهادئة التي ننتظر حدوث انفجار بعدها كعادة كوينتين تارانتينو، كما قدم الفيلم الكثير من العنف والدم كعادة ما يقدمه المخرج أيضًا.

(2019) Once Upon a Time in Hollywood

بوستر الفيلم

في  ستينات القرن الماضي بدأ اسم الممثلة شارون تايت في الانتشار واكتساب شهرة كبيرة، خصوصًا بعد صدور فيلم “The Fearless Vampire Killers”، في هذا الوقت كانت الممثلة زوجة المخرج بولانسكي، وقد قدم هو وزوجته للعالم الكثير من الأفلام، لكن الوضع لم يستمر بهذا الشكل الوردي وبهذا النجاح، ففي هذه الأوقات كانت حركات الهيبيز تنتشر في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ضمن جماعات الهيبيز كانت عائلة تشارلز مانسون، وهي عائلة من أشهر عائلات الإجرام في التاريخ الأمريكي.

كانت هذه العائلة تقوم بالقتل بشكل وحشي، وكانت معظم أعضاء هذه العصابة من النساء والشباب، وكانت التحركات تتم بثقة بسبب تأثرهم بأفكار دينية وسياسية واجتماعية، وقد ذاع صيت هذه العائلة بعد قتلهم الممثلة شارون تايت أثناء غياب زوجها وتواجد بعض الضيوف معها في المنزل، دخل بعض الشباب من عائلة مانسون وقاموا بقتل الضيوف، ثم قاموا بقتل الممثلة شارون تايت بستة عشرة طعنة، وقد فعلوا هذا بالرغم من توسلاتها لهم بتركها حتى تلد مولدها، وذلك حيث كانت حاملًا في الشهر الثامن.

بعد مرور خمسين عامًا على هذه الوقعة وفي عام 2019 ظهر لنا الفيلم الجديد لكوينتين تارانتينو ” Once Upon a Time in Hollywood” والفيلم من بطولة ليونارد ديكابريو، وبراد بيت، ومارجريت روبي -شارون تايت-، رشح الفيلم للعديد من الجوائز، وفاز بجائزتي أوسكار، وعلى الرغم من بعض الآراء السلبية حول الفيلم، إلا أن المشاكل مع الفيلم كانت تحدث بسبب جهل المشاهد بعض التفاصيل في التاريخ الأمريكي، وهذه التفاصيل ما تم ذكره في الفقرتين السابقتين.

يعمل ريك دالتون -ليونارد ديكابريو- ممثلًا في هوليوود لكنه يعاني من بعض المشاكل مؤخرًا، ولا يعرف إلى أين تتجه مسيرته الفنية، ونرى أن مساعده كيلف بوث -براد بيت- يحاول أن يساعده على تخطي هذه الأزمة، يعمل كليف كدوبلير لريك دالتون، كما يساعده في أعماله المنزلية من تنظيف المنزل وإصلاح الكهرباء والأجهزة وما إلى ذلك، وفي هذا الوقت -وأثناء عمل ريك دالتون على عمل فني جديد- تنتقل شارون تايت إلى المنزل المجاور لمنزل ريك دالتون.

كليف بوث مع فتيات الهيبيز (2019) Once Upon a Time in Hollywood

شاشات السينما تعرض الفيلم الجديد لشارون تيت، ونراها أثناء دخولها السينما وسعادتها بدروها وبردة فعل الجمهور عليه، وأثناء هذا النجاح كان كليف بوث يتعرف على بعض فتيات الهيبيز، وسيصل فيما بعد من خلالهم إلى عائلة مانسون، إلى هنا تعتبر الأحداث طبيعية، ممثل ومساعده، وممثلة صاعدة وشباب يتبعون حركات ثقافية جديدة وعائلة الإجرام الأمريكية الشهيرة تقوم بنشاطات لم نفهمها على وجه الدقة بعد، إلى هنا يعتبر الفيلم عرضًا تفصيليًا لحياة أمريكا في أواخر ستينات القرن الماضي.

ريك دالتون يحرق أعضاء عصابة الهيبيز فيلم (2019) Once Upon a Time in Hollywood

بعد عرض الكثير من التفاصيل يصعب معرفة إلى أين يتجه الفيلم، لكن بسبب معرفتنا بشارون تيت فما ننتظره هو حادث قتلها، وبالفعل تأتي عربة بها بعض الشباب من عائلة مانسون، لكن بدلًا من دخول منزل شارون تايت يدخلون إلى منزل ريك دالتون الذي كان يستمع إلى الموسيقى في حمام السباحة في سطح منزله، يقابل هؤلاء الهيبيز في البداية كليف بوث والذي سيخوض شجارًا ممتعًا ودمويًا معهم وسيساعده في هذا الشجار كلبه الضخم، ويستمر الشجار حتى يقذف أحد أفراد العصابة أمام ريك دالتون في الماء، وهنا يذهب بسرعة لسلاحه قاذف اللهب ويقوم بحرق أفراد العصابة وقتلهم.

وهنا يتضح مرة أخرى كيف قدم كوينتين تارانتينو تاريخًا مضادًا بشكل ممتع، فالعصابة التي جعلت الولايات المتحدة الأمريكية تعيش أيام مظلم وحزنية، قام الفيلم بحرقهم والتخلص منهم، والليلة التي كان من المفترض أن تقتل فيها شارون تايت قامت فيها بالسهر مع جارها ريك دالتون.

(2012) Django Unchained

بوستر فيلم جانجو الحر (2012) Django Unchained

فكرت كثيرًا في وضع هذا الفيلم في هذه القائمة، فما قدمه الفيلم بشكل مخالف لما حدث في الواقع قدمه في إطار ضيق، بل ويصعب إثبات حدوثه بالشكل المباشر مثل الفلمين السابقين، لتوضيح الأمر دعونا نعود إلى أمريكا قبل حوالي 150 عامًا من الآن، ماذا سنجد؟ سنجد البيض والعبيد والرق والعنصرية وكل هذه التفاصيل التي تحاول أمريكا التهرب منها إلى الآن، والتي ما زلنا نعاني من تبعاتها حتى وقت كتابة هذا المقال، خصوصًا في ظل الإنتفاضات الأمريكية الآن بسبب استمرار العنصرية وممارستها.

الطبيعي في الوقت الذي بدأ الفيلم منه وهو عام 1858 أن نجد السيد يعذب عبده، ويتحكم به كيفما يشاء، ويتصرف به بلا وجود أي احتمال للرفض والتمرد، أسياد وعبيد، والبشر يعاملون معاملة هرمية لا يتقبلها إنسان عاقل، وهنا خرج لنا كوينتين تارينتينو عام 2012، ليحدث لنا التمرد المرغوب، ليصنع الشرارة، ويظهر الانشقاق الأول في الجدار الصلب.

في بداية الفيلم نرى دكتور كينج شولتز -كرستوف فالتز- وهو طبيب أسنان ألماني، وجامع للمكافآت، يحاول في بداية الفيلم أخذ جانجو –جيمي فوكس– من وسط مجموعة من العبيد وذلك لأنه يعرف مكان الأخوة بريتل، وهم ثلاثة خارجين عن القانون يريد الدكتور قتلهم حتى يحصل على المكافأة المعروضة، سرعان ما سيدخل الدكتور في مواجهة مع صاحب العبيد، ويفوز عليه ثم يأخذ جانجو ويبتعد به.

تستمر الأحداث في الفيلم ونعرف الكثير عن الدكتور وجانجو، تتطور العلاقة بينهما وتصل لما يمكن أن نسيمه صداقة، يحدث هذا بعد مشاركة جانجو للدكتور في قتل الأخوة بريتل، كما يساعده في بعض المواجهات الكبيرة، وهنا يوافق كينج شولتز على تدريب جانجو، كما سيقرر مرافقته إلى مزرعة كالفين كاندي -ليونارد ديكابيرو- وهي مزرعة المالك الجديد لزوجة جانجو -برومهيلدا-، وقد تم التفرقة بين الزوجين وبيعهم بشكل منفصل، يقوم الإثنان بوضع خطة محكمة لشراء برومهيلدا من كاندي والعودة مرة أخرى لعيش حياتهم الطبيعية.

كاندي مع جانجو (2012) Django Unchained

في المزرعة وداخل القصر سنرى جميع مظاهر العنصرية وعدم الإنسانية، سنرى كاندي يجعل العبيد يتقاتلون حتى الموت وذلك حتى يستمتع قليلًا، وإذا شعر بالضجر يقوم برمي أحد عبيده للكلاب، ويستمر الأمر تعذيب وقتل واغتصاب، ثم يلقي الفيلم المشكلة الكبرى، وهي المشهد الذي يُشرّح فيه كاندي جمجمة أحدهم ويبرر فيها أفعاله، ويشرح أن السود أقل منزلة من البيض، يصل الفيلم إلى مرحلة الذروة في البشاعة عند معاملة السود ولكن بالرغم من هذه المشاهد فنحن هنا أمام التاريخ الطبيعي الذي نعرفه.

جانغو ينتقم من جميع من المستعبدين (2012) Django Unchained

لم يتحمل المخرج التاريخ فثار عليه بجانجو، الذي سيأخذ زوجته وينتقم من البيض الذين عذبوه شر انتقام، وستستمر سلسلة القتل والانتقام والدم حتى تصل إلى أشدها في مشهد حرق قصر كاندي بأكمله، والجيد أن جانجو انتقم أيضًا من السود الذين اعتبرهم متواطئين وسببًا من أسباب هذه العبودية. لكن وبعد عام 1858 بثلاثة أعوام بدأت الحرب الأهلية الأمريكية والتي تعتبر تمردًا وانتفاضة من الرقيق، واستمرت الأحداث بعد ذلك من مرسوم تحرير العبيد واغتيال أبراهام لينكولن ومحاولات القضاء الحرب الأهلية وما إلى ذلك، ومن هنا يصعب تصنيف الفيلم هل قدم كونتين تارانتينو تاريخًا بديلًا مثلما فعل في بعض أفلامه الأخيرة، أم أن الفيلم مجرد رؤية تاريخية، ومحاولة لإظهار الشرارة التي سببت الحرب الأهلية وغيرت شكل التاريخ الأمريكي ومعاملة البشر.

بعد معرفة الرؤية التي يتخذها كوينتين تارانيتنو في أفلامه الأخيرة ربما يستنكر البعض هذا الأمر ولا يجد فائدة فيه، وهنا يجب توضيح بعض النقاط الأولى أن كوينتين يقوم بتقديم فيلم كامل الأركان من الناحية السينمائية، إخراج وسيناريو وفكرة وحوار، والتفاصيل التي يضعها في الفيلم تجعل من الصعب نقده وعدم الإعجاب به مهما كانت الرؤية والفكرة الفلسفية في الفيلم، النقطة الثانية هي أن تقديم رؤية للتاريخ البديل أمر لم يبتدعه تارانتينو وإنما هو أمر معروف ومحبوب في أكثر من مجال فني مثل الأدب، ثالثًا من وظائف الفن تسليط الضوء على شيء معين، وبتسليط الضوء على التاريخ بهذا الشكل وتبديل الأدوار والأحداث تتبادر إلى الذهن أسئلة جديدة، لا تكون جيدة على المستوى النظري فقط، بل حتى لنقد الواقع الحالي الذي نعيشه، ونفكر في كل شيء من جديد.

0

شاركنا رأيك حول "أفلام قدمت تاريخ بديل .. ثلاث أفلام لكوينتين تارنتينو انتقم فيها من الواقع"