تاريخ الرقابة على السينما العالميّة؛ الإبداع في مواجهة مقص الرقيب

1

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

جلست أشاهد أحد الأفلام الأجنبية المعروضة على إحدى القنوات العربية المشهورة. لا أتذكر الفيلم جيدًا لكنه كان فيلمًا رومانسيًا خفيفًا، في نهايته وقف البطل بالقرب من البطلة، ومال برأسه ثم إقترب منها أكثر، وما إن وضع يديه على رقبتها وهم بـ..*قطع*. سار البطل في الشارع وعلى وجهه إبتسامة. ما الذي حدث؟ قطعت الرقابة المشهد بكل بساطة لأنها رأت أنه غير مناسبًا للعرض على القناة ليراه الناس. من هذه الزاوية، بدأت فكرة الرقابة على الأفلام.

مقص الرقابة؛ كلاكيت أول مرة

fatima 2

عام 1896 صوّر “توماس إديسون” المخترع الشهير فيلمان “The kiss” و”Fatima’s coochee-coochee dance”. تم اعتبار الفيلمان في ذلك الوقت أفلامًا جريئة لأنها صورت ما لا يجب تصويره وعرضته على الناس، فالأول صوّر قبلة بين اثنين، والثاني صوّر إمرأة ترقص – بما اعتبره المجتمع في ذلك الوقت – ملابس عارية. تم تشفير الفيلم بحيث توضع خطوطًا بيضاء كي لا يرى الناس من الراقصة غير وجهها تقريبًا.

The Kiss

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، عام 1907 فرضت ولاية شيكاغو رقابةً على الأفلام عن طريق الجهات القضائية والأمنية والدينية، التي يمكنها منع أي فيلم لا ترى أنه مناسبًا للعرض في دور العرض. بعد ذلك التاريخ بسنة، تحديدًا عشية عيد الميلاد، أصدر عمدة ولاية نيويورك “جورج بي. ماكليلان الابن” أمرًا بإنشاء مجلس نيويورك للرقابة على الأفلام، والتي تغير اسمه فيما بعد إلى المجلس الوطني لمراجعة الأفلام، خوفًا من التأثير السلبي لكلمة “رقابة”.

انضم لهذا المجلس مجموعة من المنتمين للتيارات الدينية كمتطوّعين، على سبيل المثال، من ضمن هذه التيارات “عصبة/ إتحاد الطهارة” و”إتحاد الإعتدال المسيحي للمرأة” و”إتحاد الكنائس”. وبمشاركة هذه المجموعات في المجلس الوطني لمراجعة الأفلام، أصبح المجلس واجهة لتنفيذ أفكار هذه الجمعيات التي تتدخل لمنع أي فيلم لا يناسب ذوقها وأفكارها.

ظل الأمر في تزايد مستمر، حيث تم منع الكثير من الأفلام في تلك الفترة. وما زاد الأمر تعقيدًا، هو صدور حكمًا من المحكمة العليا يقول بأن الأفلام ليست محمية بموجب التعديل الأول للدستور، وأنها لا تخضع لقوانين حرية التعبير. كان هذا الحكم بمثابة ضربة قاسية لجميع المبدعين الذين حلموا بتقديم أفلامًا تصور الواقع، دون أن يطالها مقص الرقابة.


ويل هيس والوصايا العشر للسينما النظيفة

HungerfordCartoon

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد. في عام 1922 تأسست جمعية منتجي وموزعي الأفلام، والمكوّنة من أكبر ستة أستديوهات في أمريكا. ترأس هذه الجمعية “ويل هيس” والذي بدأ عمله بمرتب 35 ألف دولار، وهو ما يعادل حوالي نصف مليون دولار بمقاييس الوقت الحالي، وظل مرتبه في تزايد حتى وصل إلى 150 ألف دولار في السنة، أي ما يعادل مليوني دولار في الوقت الحالي.

لم يكن هيس ممثلًا، ولا مخرجًا، وتقريبًا لم يكن يفقه شيء في السينما، لكنه كان بارعًا في إقناع الرأي العام في أنه جاء لينقذهم، حتى أن بعض البشر صدقوا بالفعل أنه الفارس المغوار الذي جاء لينقذ صناعة السينما من الوقوع في الدنس. اخترع هيس في ذلك الوقت قانونًا أطلق عليه “قانون هيس”، ليصبح هذا القانون كالوصايا العشر لصُناع السينما في أمريكا. وكانت الوصايا (الممنوعات) كالآتي:

  •  عدم استخدام الفاظ مثل: “Jesus, lord, god, christ” في السباب، وعدم استخدام السباب في الأفلام من الأساس.
  •  العري بكل أشكاله مرفوض تمامًا.
  •  ممنوع تعاطي المخدرات على الشاشة.
  •  ممنوع تصوير مشهد جنسي.
  •  ممنوع تصوير مشهد يصوّر عبودية شخصًا أبيض لشخصٍ أسود.
  •  ممنوع تصوير مشاهد الولادة.
  •  ممنوع تصوير الأطفال الصغار أو حديثي الولادة عرايا.
  •  ممنوع ذِكر أي عرق أو بلد آخر بأي شيء سلبي.

هناك أيضًا بعض المحاذير التي يجب أن يتعامل معها صانعو الأفلام بحساسية شديدة مثل:

  • استخدام المسدسات؛ يجب ألا يكون هناك مشهدًا يصور إطلاق الناس على أحد وإذا تم تصويره لابد أن يكون بلا دماء.
  • ممنوع مناقشة أي شيء يخص الوطنية بشكل سلبي.
  • يُفضّل عدم تصوير مشاهد السرقة أو طُرق السرقة المختلفة.
  • يُفضّل عدم تصوير مشاهد الإنتحار ولا طرق الإنتحار.
  • يُفضّل عدم تصوير مشاهد الإغواء بين الرجل والمرأة.
  • يُفضّل عدم تصوير رجل ينام مع إمرأة في نفس السرير.
  • يُفضّل عدم تصوير مشاهد القبلات، وإذا تم تصويرها فيفضل ألا تكون لأكثر من 3 ثوانٍ.

يمكن أن نقول أن القانون لصانعو الأفلام – المؤلفون تحديدًا – يقول أن المجرم يجب أن يعاقب في نهاية الفيلم، والحب يجب أن ينتهي بالزواج.. هكذا وبكل بساطة.


بداية المشاغبة وتحويل الدفة

Jane_Russell_in_The_Outlaw

بدأت المشاغبة مع جمعية منتجي وموزعي الأفلام – والتي تحولت فيما بعد إلى “جمعية الفيلم الأمريكي (MPAA)”- عندما انتج “هاورد هيوز” فيلمًا بعنوان “The Outlaw” من بطولة نجمة الإغراء الأمريكية “جين راسل”، والتي كان هاورد مولعًا بجسدها لدرجة أنه أظهر عمدًا جزءً كبيرًا من ثدييها خلال أحداث الفيلم.

بالطبع كان هذا الأمر بالنسبة لجمعية منتجي وموزعي الأفلام أمرًا مرفوضًا جملةً وتفصيلًا، لذلك لم يُعرض الفيلم إلا في عدد محدود جدًا من دور العرض في عام 1943، ولم يظهر الفيلم للجماهير بشكلٍ رسمي إلا عام 1946، أي بعد ست سنوات من إنتاجه.

عام 1950 حدث ما يُعرَف حتى الآن باسم حكم المعجزة. صدر في نفس هذه السنة، فيلم “L’ Amore” أو كما كان يطلق عليه “The Miracle”؛ من إخراج “روبيرتو روسيليني” وبطولة المخرج والممثل الإيطالي الشهير “فيدريكو فيليني” والممثلة “أنّا ماجناني”. قصة الفيلم تدور حول رجل يقوم بإغواء إمرأة كانت تعتقد أنها مريم العذراء لتحمل منه.

منعت الجمعية هذا الفيلم من النزول إلى دور العرض الأمريكية، حتى أصدرت المحكمة العليا حكمًا تاريخيًا عندما أقرّت أن الأفلام محمية بموجب التعديل الأول للدستور، وأنها تخضع لقوانين حرية التعبير، مما أدى إلى ظهور أفلامًا جديدة تحاول إظهار ما كانت تخفيه على الشاشة خلال السنوات الماضية.

أول هذه الأفلام كان فيلم “The Moon is blue – 1953″، والذي وصفه النقاد بأنه محاولة لتصوير مشاهد الإغواء ومناقشة الجنس غير المشروع والعفة والعذرية. ثم تبعه فيلم “The Man with the golden arm – 1955” حيث قام المطرب “فرانك سينترا” بدور مدمن على الهيروين. وفيلم “Baby doll – 1956” والذي صور مشاهدًا صريحًا للإغواء دون أدنى محاولة للمواربة ولا التورية.

في الستينات، بدأت نغمة الرقابة في الخفوت، وصعدت نغمة الحرية. حيث صدرت أفلام مثل فيلم “Blow up – 1966” الذي صور مشاهد العري وعرضها بشكلٍ عادي، وكانت هذه القشة التي قصمت ظهر البعير بشكل تام.


إنشاء نظام تصنيف الأفلام

tumblr_np2hg6VYdT1tg1e53o1_1280

عام 1968، صدر قرارًا تاريخيًا من “جاك فيلنتي” والذي أنشئ نظام التصنيف للأفلام. حيث كانت أفلام العائلة تصنف بالحرف (G) والأفلام الغير عائلية تصنف بالحرف (M) قبل أن يصبح هذا الحرف فيما بعد (GP) وبعد ذلك (PG)، ثم صنّفت الأفلام ذات المشاهد التي لا تصلح إلى لمن هم فوق الـ 16 سنة بحرف (R)، والأفلام الممنوعة لمن هم دون الـ 21 أخذت الرمز (X) قبل أن تتحول فيما بعد لـ (NC – 17).

في السنوات التالية تغيرت بعض الأشياء فيما يخص هذا التصنيف، فزاد عليه تصنيف (PG -13) والذي اقترحه المخرج “ستيفن سبيلبرج” لأفلامًا مثل “Indiana jones” و”Gremlins”. وأصبحت الأفلام المصنفة بـ (X) هي أفلام تنتمي لنوعية تسمى أفلام الإباحية اللينة (Soft porn)، والأفلام التي تصنف بـ (XXX) هي الأفلام الإباحية الصريحة. جاء هذا بعد فوز فيلم “Midnight cowboy” بالأوسكار كأحسن فيلم عام 1969، حيث كان أول فيلم يصنف بتصنيف (X) يفوز بهذه الجائزة.


أزمة المبدعين؛ الجنس في مواجهة العنف

لكن على الرغم من صدور القرار بإنشاء هذا النظام، إلا أن المبدعين لا يزالون يرون أن الأمر غير كافي، فهم يرون أن الجنس لا يزال عليه محاذير، على الرغم من عدم وجود هذه المحاذير على شيء أخطر من الجنس وهو العنف، ويبقى السؤال: كيف للجنس أن يؤثر على البشر بشكل أكثر سلبية من العنف؟

في مشهد من الفيلم الوثائقي “This film is not yet rated – 2006” قالت مخرجة فيلم “Boys don’t cry – 1999″، أن نظام تصنيف الأفلام كان رافضًا لجزء من أحد المشاهد الجنسية بين بطلي الفيلم، على الرغم من أن البطلة تتلقى طلقة في الرأس في أحد مشاهد الفيلم ويتم ضربها بعنف، إلا أن نظام التصنيف رأى أن الفيلم يجب أن يصنف بـ (NC-17) نظرًا لوجود هذا الجزء من المشهد الجنسي.

يحاول صناعو الأفلام الآن، أن يجدوا الإجابة على هذا السؤال، الذي يضع الجنس في مواجهة العنف، بحيث يتم الموافقة على العنف والقتل وبتصنيفات مثل (PG-13) طالما لم يظهر الدم في القتل مثل أفلام جيمس بوند. على الرغم من أن الأطفال يجب أن يعرفوا خطورة القتل عن طريق رؤية الدم، فعدم رؤيتهم لما يمكن أن ينتج عن ضرب النار يجعلهم غير مدركين لخطورة أمور مثل خطورة الأسلحة والعنف على البشر.


المصادر
1

شاركنا رأيك حول "تاريخ الرقابة على السينما العالميّة؛ الإبداع في مواجهة مقص الرقيب"

  1. Aahhmmeedd Zezo

    اي ابداع حاط صورة هابطه لعنوان الموضوع تحت مسمى الابداع
    ترفع عن هذا

  2. ابوعمر الحوراني

    الظاهر من قوانين الابداع ان يبدأ الانحطاط اول بأول كما في هذا الموقع الذي كان من موقعنا المفضلة .. للأسف

أضف تعليقًا