"احذروا الاحتفالات، امنعوا اللون الأحمر، امنعوا الحب".. قد يبدو لك الأمر مُضحكًا للوهلة الأولى عندما تسمع هذه الكلمات مُصاحبًا لها مشاهد لهيئة تدعى منع الحب تلقي القبض على الناس الذين يمسكون بهدايا أو دمى حمراء اللون أو يرتدون اللون الأحمر، وقد تظن أنهُ فيلم كوميدي، ولكنه في حقيقة الأمر عبارة عن جِدية مرتدية ثوب السخرية في "يوم الحداد الوطني في المكسيك".. ففي جمهورية باظ الجديدة، وهي جمهورية حدد صناع الفيلم مقرها، اتخذَ نظامها قرارًا بمنع الحب، وأي مظهر من مظاهره، سواءً الاحتفاء به، أو تذكر يوم عيد الحب، والهدايا، واللون الأحمر الذي يرمز لـ Valentine's day..

حتى ارتداء اللون الأحمر أو امتلاك سيارة حمراء اللون، كل هذا يجعلك تحت سلطة القانون ومعرضًا للاعتقال الفوري والمحاكمة والحب، هكذا هي الحكاية إذًا.. "لا حب هنا" بأوامر عليا وقوانين لا يمكن كسرها، قد يبدو الأمر عاديًا فنحن نهتم في حياتنا بأشياء كثيرة نراها أهم من الحب، وكما قال أحد أبطال الفيلم حسن مفتاح -آسر ياسين- وهو مذيع إذاعي: "الناس مش لاقية تاكل هيتنيلوا يحبوا إزاي؟"، ولكن هل بالفعل الأمر طبيعي أن يُمنع الجميع من شيءٍ ما بأوامر قررت سلطةٌ ما فرضها؟ مهما كان هذا الشيء وموضعه في خريطة اهتمام الناس، الذين شقّ عليهم ثمن رغيف الخبز فأصبح الحب أحلام يقظة تأتي فقط لتجميل الحياة.

"يوم الحداد الوطني في المكسيك".. من إخراج خيري بشارة، وتأليف نورا الشيخ، هو جزء من سلسلة تحمل عنوان "في الحب والحياة"، تعرض على منصة نتفليكس العالمية، وقبل بداية العمل يلفت انتباهنا صناعه بملاحظة في المقدمة "الأحداث مستوحاة مما حدث عام 1999 في مدينة باظ الجديدة عاصمة جمهورية جنوب آسيا حين أصدرت المحكمة العليا قرارًا بمنع الحب".

يوم الحداد الوطني في المكسيك: الألوان الداكنة في مواجهة اللون الأحمر

يطرح الفيلم فكرة -ليست خيالية كليًا- لأن بالفعل هناك دول مختلفة تمنع الاحتفال بعيد الحب، مثل باكستان وإيران وغيرها، ولكن الخيال والكوميديا هنا يكمن في التفاصيل، نحن أمام التفتيش عن كل شيء يتعلق بالحب، وليس فقط بشكل ظاهري ولكن أيضًا التفتيش عن نوايا ومشاعر الناس، من خلال جهاز يوجد في لجان التفتيش ومع موظفي الحراسة في أماكن العمل، يتم من خلاله قياس ضربات قلب الشخص، وعندما تكون ضربات القلب مرتفعة يُعتبر ذلك دليلًا على أن هذا الشخص في حالة عاطفية، ويقبض عليه فورًا.

لا تستغرق الكاتبة نورا الشيخ فترة زمنية لكي نعرف التفاصيل، أو تسترسل في البداية، بالعكس العمل مركز جدًا في خط محدد وواضح، وتضعنا في قلب الحدث منذ المشهد الأول، صوت مذيع راديو يخبرنا: "هذا وقد تمكنت هيئة منع الحب من ضبط شحنة هدايا مهربة في أماكن متفرقة من أنحاء البلاد"، ويصاحب هذا الصوت صورة لجهاز يبدو أنه شرطي يجمع الهدايا ذات اللون الأحمر ويمزقها وبحوزته كلاب خاصة وكأن هذه الهدايا البسيطة -دباديب وقلوب حمراء اللون- أصبحت في منزلة المخدرات.

ونلاحظ في هذا السياق أن جميع الأشخاص في المدينة يرتدون ألوانًا داكنة وشاحبة أو تميل إلى الهدوء، مثل الرمادي والأسود والأخضر الداكن والبني بدرجاته، حتى أفراد الشرطة يرتدون لونًا داكنًا، وفي أحد مشاهد الفيلم تبث المذيعة -التي تمثل وجه المواطن الموالي للسلطة دائمًا- مسلسلًا إذاعيًا قائلة: "والآن مع المسلسل الإذاعي ذات الرداء الكحلي"، بينما في المقابل ترتدي ليلى -ندى الشاذلي- التي تحاول أن تصنع تغييرًا في المجتمع ترتدي فستانًا أحمر وبصحبتها فتاة ترتدي اللون الأبيض.

ولم يكن اللون الأحمر دليلًا على الحب فقط في العمل، بل حمل دلالة أخرى، وكأنه لونًا شيطانيًا يرتبط بالاستغلال وامتصاص أموال الأشخاص تحت وطأة الاحتياج، وهو ما ظهر في الجزء الخاص بالوكر الذي يذهب إليه الناس هربًا من الرقابة والقوانين المرتبطة بمنع الحب، وقد جسدت دور زعيمة هذا المكان الفنانة بسمة وتدعى روح، عندما يكسر حسن مفتاح القوانين ويقرر عودة إذاعة الأغاني العاطفية ويقرر قراءة قصيدة عاطفية، يخرج الجميع ثائرين ليحتفلوا في الشوارع بالحب غاضبين من القوانين ومحتجين على الديكتاتورية التي وافقوا عليها لفترة، تقول روح في هذه اللحظة: "إنتوا بتمشوا ليه لو خرجتوا من هنا هيمسكوكوا إنتو هنا في أمان مع روح…"، يصحب ذلك نظرة حزينة منها، في إسقاط واضح على الأطراف الذين يستغلون دكتاتوريات السلطات لتحقيق مصالحهم الخاصة، وكأن اللون الأحمر الذي يحيط بها في ديكور المكان الذي تعتلي عرشه وكأنه أصبح قاع جهنم لا يناسب من يبحثون عن الحب.

يوم الحداد الوطني في المكسيك: الصورة مقابل الفكرة.. بين الخيال والواقع

يقول مارسيل مارتن في كتابه "اللغة السينمائية": إن اللغة الفيلمية المبنية على الصورة والفكرة هي أقل غموضًا من اللغة المنطوقة، وأن المادة الفيلمية الأولية -وهي الصورة- هي أداة تصويرية بدرجة فائقة لأنها تفرض على أعيننا وعلى آذاننا قطعة من الحقيقة، وعلى هذا المستوى يكون المضمون والشكل من الناحية العملية ملتحمين لا يمكن فصلهما، والتصوير للواقع ليس هو الغاية إلا في حالة الفيلم التسجيلي، لكن السينما لا تكون في هذه الحالة غير وسيلة للتعبير، لأن المسألة ليست نسخًا للواقع بل إعادة خلقه، على نحو أدق إعادة خلق من خلال إدراك المخرج .

على هذا النحو قد ينتقد البعض الفيلم لأنه يذكرنا في بدايته وعلى لسان أبطاله أننا في جمهورية باظ الجديدة، بينما عندما تشاهد الصورة فنحن متأكدين أن هذه الأحداث جرى تصويرها في شوارع مصر الجديدة، ولا يحاول المخرج إخفاء أي شيء من معالم الحي بل يظهر "أتوبيس 12" في خلفية أحد المشاهد، وهنا يمزج المخرج بين ما هو واقعي وما هو خيالي، وكأنه يتلاعب بأوراق لغته السينمائية، لأننا من البداية نعلم كـ "مشاهدين" أننا نشاهد عملًا قائمًا على فكرة "ماذا لو؟" ماذا لو أصبح الحب أيضًا ممنوعًا، إلى جوار قائمة أخرى من الممنوعات، ماذا لو أصبح الوضع هكذا؟ ماذا سيحدث؟ ويمكن اعتباره إسقاطًا دلاليًا يعبر به صانع العمل عن فكرة بعينها، وهي أن "الدكتاتوريات تتشابه في أي مكان" ولا يهم الأرض التي تقع عليها الأحداث.

على الرغم من هذا، وعلى جانب آخر فقد وظف العمل لغته السينمائية، الصورة والصوت وحوار والديكور وغيرها من العناصر، توظيفًا في موضعه، نحن نشاهد حالة من التخفي والرعب تسود بين الناس بسبب خوفهم من افتضاح مشاعرهم وأفكارهم، في أكثر من مشهد، أولهم كان في البداية عندما نشاهد ليلى تقود "موتوسيكل" متخفية وتذهب إلى مطبعة لاستلام نسخة من أشعار حبيبها، ويخبرها العامل أن الأمر كان صعبًا للغاية، كما نشاهد الشخصيات وهي تتناول عقارًا طبيًا لمحاولة الحفاظ على ضربات قلبهم حتى لا يكشفهم الجهاز السابق ذكره.

أما اختيار فكرة الإذاعة -مفهوم الإعلامي- كمقر أو مكان أساسي لقلب الأحداث، في البداية هم من يحركون الناس ويخبرونهم الأخبار المضللة، ويوضح الضابط أهمية هذا الدور عندما يشيد بالمذيع حسن مفتاح ويقول: "لولا المجهود الكبير الي هو بيبذله مكناش هنعرف نعدي الأيام دي إزاي؟"، ومن نفس المكان وبنفس الصوت -الإعلامي- تكون الشرارة حيث يعلن العصيان على هذا القانون وكسره بعودة إذاعة الأغاني وفي لحظات يخرج الناس إلى الشوارع محتجين، وهو إسقاط آخر على دور الإعلام في دعم وتثبيت قرارات السلطات الدكتاتورية.

وفي ظل هذه السلطة وتصرفاتها، يجعلنا صناع فيلم يوم الحداد الوطني في المكسيك نرى كيف تتعامل الديكتاتوريات مع الأشخاص، لذلك نرى ضابط الشرطة يعلق على اللون الأحمر في مؤشر "موتوسيكل" مذيع الراديو ويطالبه بتغييره، ويلقي القبض على شخص لأنه يقود سيارة حمراء اللون، كما أنه يمنع إحدى المعتقلات من العزف على آلتها أثناء تواجدها وسط المحتجزين، لأن الفن يرتبط ذهنيًا بالتغيير والمشاعر لدى الناس، لذلك منعت إذاعة الأغاني ومُنع العزف، كما أن أحد العاملين في الإذاعة -مذيع النشرة- ألقي القبض عليه لمجرد أن نبضات قلبه تخطت المحدد ضمن لوائح القانون، ويتوازى مع هذه التصرفات إشارة في بداية الفيلم على لسان حسن مفتاح إلى حالة الفقر التي وصل إليها الناس مما يجعلهم قد لا يهتموا بالحب والدفاع عنه، حيث قال: "الناس مش لاقية تاكل هتتنيل تحب!".

والدكتاتورية تعني "النقيض من مفهوم الديمقراطية"، بحسب المفهوم الشائع والاشتقاق اللغوي، وغالبًا ما تتميز النظم الديكتاتورية بوجود صلاحيات واسعة لفرد قائد والذي غالبًا لا يوجد ما يحد من سلطته القانونية أو العملية، والتسلطية ككلمة تحيل إلى سياسة القسر واستخدام القوة المادية والرمزية وقهر المعارضين والمواطنين أو سن قوانين جائرة باستخدام القوة والقهر، ولكن أي سلطة لا يمكن أن تحكم دون حد أدنى من التأييد الشعبي، ونلاحظ أن هذا المفهوم عامة لم يغب عن صناع العمل، لأن هذه السلطة التي تفرض قانونًا يرهب الناس، نجد أن هناك من يدافع عنها سواء بالتصريح والتعاون أو الصمت، على سبيل المثال المذيعة التي تدافع عن القانون وتحرص عليه، وتشجعه من خلال بث أخبار تحمل شكرًا خاصًا للمواطنين الذين أبلغوا عن أقاربهم وتسببوا في حبسهم أو سجنهم.

من جانب آخر، ذكر البعض ممن متابعي العمل أن هناك تشابهًا بينه وبين رواية "فهرنهايت 451"، وهي عمل أدبي نُشر لأول مرة في عام 1953، من تأليف راي برادبري، تدور أحداث القصة في مدينة غير محددة في مستقبل بعيد، البطل يعمل رجل إطفاء وظيفته حرق المنازل التي يكتشف أنها تحتوي على كتب أو أعمال أدبية، وقد حُولت الرواية إلى فيلم سينمائي عام 1966 حمل نفس الاسم، وأعيد إنتاجه مرة أخرى عام 2018 بنفس الاسم، ويعود هذا التشابه لتناول القصتين لفكرة التسلط والاستبداد وبلوغه الرغبة في التحكم في الأفكار والمشاعر.

وخيري بشارة هو أحد المخرجين البارزين فيما يسمى بموجة مخرجي الواقعية أو السينما الجديدة، وضمت هذه القائمة المخرجين الذين أحدثوا فارقًا في السينما المصرية، محمد خان وعاطف الطيب وغيرهم، وكان بشارة من المخرجين الذين قدموا أفلامًا بارزة في الثمانينيات والتسعينيات، مثل الطول والإسورة، يوم حلو ويوم مر، وهي من الأفلام الواقعية الشديدة التي عبر فيها بشارة عن المجتمع بدقة، ثم انتقل إلى مرحلة أخرى والتي قدمت نقدًا ساخرًا للمجتمع، مثل كابوريا وآيس كريم في جليم، وحرب الفراولة.

اقرأ أيضًا: فيلم The Batman.. الرجل الوطواط كما لم تره من قبل